التواب | من أسماء الله تعالى الحسنى | أ.د علي جمعة
- •التواب من أسماء الله الحسنى، وهو صيغة مبالغة تدل على قبول الله للتوبة مرات عديدة من عباده.
- •فتح الله باب التوبة لابن آدم من رحمته ومحبته له، حيث قال: "لو جئتني بقراب الأرض ذنوباً ثم جئتني تائباً لغفرت لك".
- •يجب على الإنسان ألا ييأس من رحمة الله مهما كانت ذنوبه، فالله يغفر الذنوب جميعاً.
- •قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم سأل عابداً عن التوبة، فقال له: لا توبة لك، فقتله وأكمل به المائة.
- •ذهب بعدها إلى عالم فسأله عن التوبة، فقال له: من يمنعك من التوبة؟
- •نصحه العالم بالهجرة من أرض الفساد إلى أرض يعبد فيها الناس الله.
- •مات الرجل في طريق هجرته، فاختلفت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه.
- •قاس الله المسافة بين جثمانه والمدينتين، فوجده أقرب إلى مدينة الصلاح، فأدخله الجنة.
- •يدل هذا على سعة رحمة الله وأنه تواب رحيم.
مقدمة في اسم الله التواب ومعنى صيغة المبالغة فيه
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
فمع اسم من أسماء الله الحسنى،
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
نعيش هذه اللحظات مع اسمه سبحانه وتعالى التواب، وهو صيغة مبالغة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة من عباده مرات ومرات.
الرد على من يعترض على فتح باب التوبة ويتهم الإسلام بالتساهل
وكثير من الناس، شياطين الإنس والجن، يعترضون على قبول التوبة وفتح باب ذلك من الله سبحانه وتعالى، ويتهمون الإسلام بأنه يدعو الناس إلى السوء لأنه دعاهم إلى كثرة التوبة.
وهو منطق مغلوط؛ لأن الله سبحانه وتعالى من رحمته ومن حبه لابن آدم، لأن ابن آدم من صنعه سبحانه وتعالى، فتح له باب التوبة وقال:
«يا ابن آدم لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا» وفي رواية: «بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»
ولذلك مهما صدر من الإنسان من معصية فإنه لا ييأس ولا يقنط من الله سبحانه وتعالى، بل إن عليه أن يتوب وأن يبادر بالتوبة مهما كان قد قدم من عمل؛ فإن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا.
قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وعظم جريمة القتل
وجاء فيما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا ممن كان قبلنا قبل الإسلام قد قتل تسعة وتسعين نفسًا. والقتل كبيرة من كبائر الذنوب في كل دين أنزله الله سبحانه وتعالى، لدرجة أن الله يضع إثم كل قتيل وكل قتل على ابن آدم الأول الذي بدأ القتل.
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27]
هذه القصة، قصة قتل قابيل لهابيل، قصة موجودة في القرآن وموجودة أيضًا في الكتب السابقة، وهي قصة تدل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما من قاتل يقتل إلا وجعل الله عليه كِفلًا» أي نصيبًا، أي جزءًا من إثمه على ابن آدم الأول الذي قتل.
فمن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين.
ذهاب الرجل إلى العابد الجاهل وخطورة العبادة بلا علم
فقتل الرجل تسعة وتسعين نفسًا ثم ذهب إلى عابد. وكلمة عابد معناها أنه لا علم عنده، لكنه كثير العبادة، كثير الصلاة والصيام وكذلك التبتل والتنسك والأذكار، لكن لا علم عنده.
والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من هذا النوع، بل جعله صفة من صفات الخوارج فقال:
«تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»
تبقى المسألة ليست مسألة تنسك وتعبد، لكنها مسألة علم؛ فهذا الدين مبني على العلم.
العابد يُقنّط الرجل من رحمة الله فيقتله ويكمل به المائة
فذهب [الرجل القاتل] إلى العابد وقال له: فعلت كذا وكذا، هل لي توبة؟ قال له: أبدًا، كيف يتوب الله عليك وقد قتلت تسعة وتسعين نفسًا؟ فقتله فأكمل به المائة.
قال [الرجل في نفسه]: ما دام الأمر كذلك فإن الله سيدخلني جهنم، سيدخلني جهنم، فلأقتله إذن لأنني غاضب. فهذه الأبواب كلها تُغلق.
انظر ماذا نفعل بالناس لو أغلقنا رحمة الله عليهم؟ نجعلهم في ضلال. فقتله فأكمل به المائة.
ذهاب الرجل إلى العالم وفتح باب التوبة أمامه من جديد
ولكن قلبه هكذا وفطرته ما زالت ترجو الرحمة من الله، فذهب إلى عالم وقال له: قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن الذي يمنعك من التوبة؟ من هذا الذي في الأرض الذي يمنعك من التوبة والدخول على الله؟ لأنك صنعته، صنعة ربنا، فربنا يحب صنعته.
فالله تواب، فتاب [الرجل] إلى الله.
نصيحة العالم بالهجرة من أرض السوء إلى أرض الصلاح
قال له [العالم]: لكن تعالَ، الذي لم يعرف العابد كيف يعبر عنه، قال له: تعالَ، تسعة وتسعون نفسًا، كيف قتلت واحدًا اثنين ثلاثة؟ تصبح مجرمًا كبيرًا وسفاحًا، ولا بد أنهم كانوا سيقبضون عليك. الله لم يقبض عليك، لماذا؟ أليس من الواجب أن يخافوا منه؟
لا، هؤلاء الناس سيئون؛ لأننا عندما نكون في سفينة واحدة يجب علينا جميعًا أن نضرب على يد من يريد أن يخرقها حتى لو كان في مكانه؛ لأنه إذا ضربنا عليه كما ورد في الحديث نجا ونجونا، وإذا تركناه هلك وهلكنا.
فالقضية أننا نسير في مجتمع واحد، عندما يكون موجودًا فيها هذا الصنف ونتركه فليس من المناسب [البقاء]. إني أراك في أرض قوم سوء، فارحل عنها واذهب إلى أرض كذا؛ فإن فيها أقوامًا يعبدون الله، أي مراعين كلمة الله في الواقع، وليسوا تاركين المفسدين يعيثون في الأرض، يعيثون في الأرض فسادًا، لا.
وفاة الرجل في الطريق واختلاف ملائكة الرحمة والعذاب فيه ودخوله الجنة
فذهب الرجل مهاجرًا إلى هذه البلد التي سوف يعبد فيها ربه، فقضى في الطريق، يعني مات في الطريق. فاختلفت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة.
ملائكة العذاب يقولون: لم يفعل شيئًا من الصالحات وقتل مائة نفس. وملائكة الرحمة يقولون: تاب، ومن تاب تاب الله عليه؛ فإن الله هو التواب الرحيم.
فأرشدهم الله إلى أن يقيسوا بين جثمانه وبين كل من المدينتين، فظهر أنه أقرب إلى مدينة الصلاح منها إلى مدينة الفساد، وأدخله الله الجنة.
الله تواب رحيم. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
