ما الفرق بين الخوف والخشية وكيف يكون الخوف من الله مشبعاً بالحب والرجاء؟
الخوف من الله ينقسم إلى نوعين: خوف من الأكوان وهو رعب سلبي يدفع إلى الهرب، وخوف من الرحمن وهو خشية إيجابية مشبعة بالحب تدفع إلى العمل والتقوى. الخشية هي الخوف المقرون بالحب، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. الخوف من الله والرجاء في عفوه جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود.
- •
هل الخوف من الله رعب وفزع أم شيء أعمق وأجمل من ذلك؟
- •
الخوف من الأكوان هو تألم القلب لتوقع مكروه، ويشمل الرعب والفزع من الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار.
- •
الخشية هي الخوف من الرحمن المشبع بالحب، وهي خوف إيجابي يدفع إلى التقوى وفعل الطاعات وترك المنكرات.
- •
آيات الخوف من الله في القرآن تكشف درجات متعددة: الإشفاق والوجل والخشية، وكلها تؤدي إلى المسارعة في الخيرات.
- •
أحاديث عن الخوف من الله تبين أن أهل الطاعة هم الأكثر خوفاً ألا يُتقبل منهم، وقصة الرجل الذي غفر الله له بسبب خشيته دليل على سعة الرحمة.
- •
الخوف والرجاء جناحان متلازمان، وأبيات الإمام الشافعي وأدعية ذي النون المصري تجسد هذا التوازن الروحي العميق.
- 0:06
مقدمة تعرّف بموضوع الخوف من الله وحقيقته وأسباب تفاوته، ضمن سياق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي.
- 0:45
تعريف الخوف من الأكوان بأنه تألم القلب لتوقع مكروه، ومرادفاته اللغوية كالرعب والفزع.
- 1:45
شواهد قرآنية على الخوف من الأكوان كخوف موسى من الثعبان، وبيان أنه أمر طبيعي حتى عند الأنبياء.
- 3:04
الخشية خوف من الرحمن مشبع بالحب كالإسفنجة والماء، وهي إيجابية تختلف عن الرعب الجاف من الأكوان.
- 4:01
الخشية تدفع إلى التقوى والعمل، مدعومة بآيات قرآنية وحديث النبي عن كونه أخوف الناس لله مع الحب.
- 5:00
الرهبة والخشية في حق الرحمن مختلطة بالحب والرجاء، وتختلف عن الخوف من الأكوان الخالي من الحب.
- 5:48
المواجهة بين الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن، وبيان أن لكل منهما أثراً مختلفاً، مع التمهيد لمراتب الخوف.
- 6:34
درجات الخوف من الله في القرآن: الإشفاق والوجل والخشية، وكلها تدفع أصحابها إلى المسارعة في الخيرات.
- 7:17
حديث عائشة يكشف أن الخائفين من الله هم أهل الطاعة الذين يخشون ألا يُتقبل منهم، والطاعة تجلب طاعة.
- 8:02
قصة الرجل الذي أحرق جسده خوفاً من الله فغفر الله له، دليل على أن الخشية الصادقة تنال بها المغفرة.
- 8:59
توضيح الفرق بين الخوف والخشية والرعب والفزع في القرآن، مع مثال الامتحان لتقريب المعنى.
- 9:53
الخوف من الأكوان يشمل أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار، وهو خوف طبيعي مختلف عن خوف الرحمن.
- 11:02
أمثلة على الخوف من الأكوان تشمل الخوف من الحيوانات والنار والأشخاص والكوارث الكونية والأفكار المضلة.
- 11:42
الخوف من الأكوان رعب سلبي يؤدي للهرب، والخوف من الرحمن خشية إيجابية تؤدي للطلب والإقبال على الله.
- 12:28
الخوف من الرحمن يدعو إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات فرضاً ونفلاً، وكلاهما عمل إيجابي ثمرة للخشية.
- 13:21
الفزع الأكبر يوم القيامة متعلق بالأكوان، وينجو منه أصحاب الحسنات، مع شاهد قرآني من قصة داود عليه السلام.
- 14:03
الخوف كلمة عامة تشمل الرعب والخشية، والقرآن يفرق بين خشية الناس السلبية وخشية الرحمن الإيجابية.
- 14:50
خشية الرحمن تهذب الطبع وتسبب رقة القلب والشفافية، وتؤدي إلى الإقبال على الله لا الهرب منه.
- 15:42
خريطة الخوف: سلبي من الأكوان يؤدي للهرب، وإيجابي من الرحمن يؤدي للطلب والإكرام وجنتين.
- 16:22
الخوف من الله نابع من الحب لا من الرعب، وعلاقة المسلم بربه تجمع الحب والرجاء والهيبة معاً.
- 17:05
الصحابة فهموا الخوف المشبع بالحب، ونصيحة عمر بمشاورة الخاشعين ومناجاة ابن مسعود تجسدان هذا الفهم.
- 18:00
الترغيب والترهيب وجهان لعملة واحدة، ودعاء ذي النون المصري يجسد الجمع بين الخوف من الله والرجاء في عفوه.
- 18:55
الغزالي يصف الخوف والرجاء بأنهما جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود في طريق الآخرة.
- 19:53
أبيات الشافعي تصور الخائف المحب الذي يجعل الرجاء في عفو الله سُلَّماً، وتجسد التوازن بين الخوف والرجاء.
- 20:52
ختام الحلقة بالتأكيد على ارتباط الخوف بالرجاء وضرورة الجمع بينهما، مع الوعد بحلقة قادمة عن الرجاء.
ما حقيقة الخوف من الله وما الأسباب التي تزيده أو تنقصه؟
الخوف من الله موضوع محوري يتناول حقيقته وأسباب زيادته ونقصانه. يُعالج هذا الموضوع ضمن إطار كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي في ربعي المهلكات والمنجيات، إذ يُعدّ الخوف من المنجيات والصفات المرغوب فيها.
ما تعريف الخوف من الأكوان وما مرادفاته في اللغة العربية؟
الخوف من الأكوان هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل. ويُطلق عليه في اللغة العربية الفزع والرعب، وهو نوع من الخوف مختلف تماماً عن الخوف من الرحمن.
ما الشواهد القرآنية على الخوف من الأكوان وهل شعر به الأنبياء؟
الخوف من الأكوان أمر طبيعي خلقه الله في الإنسان، وقد شعر به الأنبياء أنفسهم. ومن آيات الخوف من الله في هذا السياق قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ حين رأى الثعبان، وقوله: ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً﴾، مما يدل على أن هذا الخوف تألم القلب لتوقع أذى.
ما الفرق بين الخوف والخشية وما العلاقة بين الخشية والحب؟
الخشية هي الخوف من الرحمن المشبع بالحب، وهي خوف إيجابي على عكس الرعب الجاف. يُشبَّه الخوف الخالي من الحب بإسفنجة جافة لا تؤدي وظيفتها، أما الخشية فكالإسفنجة المغموسة بالماء. وقد خصّ الله بها العلماء في قوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
كيف يدفع الخوف من الله إلى التقوى والعمل الصالح وما الدليل القرآني على ذلك؟
الخشية خوف إيجابي يحرك صاحبه نحو التقوى وفعل الطاعات. ومن آيات الخوف من الله الدالة على ذلك: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، و﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أخوفكم لله» أي خوفاً مع حب لا رعباً.
ما الفرق بين الرهبة والخشية في حق الرحمن وكيف تختلط بالحب والرجاء؟
الرهبة والهيبة والخوف والخشية في حق الرحمن كلها مختلطة بالحب والرجاء، وهي تختلف جوهرياً عن الخوف من الأكوان الخالي من الحب. يقول الله تعالى: ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾، كما أمر بالخوف منه وحده: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.
ما المواجهة بين الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن وما مراتب الخوف من الله عند الغزالي؟
الخوف من الأكوان ومنه وساوس الشيطان يؤدي إلى الرعب والهرب، بينما الخوف من الرحمن يؤدي إلى الرضا والطلب. الخوف من الله له درجات متتالية كما أوردها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، وكل شيء في هذا الباب له مراتب ومستويات.
ما درجات الخوف من الله في القرآن الكريم وما معنى الوجل والإشفاق؟
درجات الخوف من الله في القرآن تشمل الإشفاق والوجل والخشية، وكلها تؤدي إلى المسارعة في الخيرات. يقول الله تعالى: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون... والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات﴾. الوجل هيبة في القلب مع حب لقاء الله.
ما الحديث النبوي الذي يبين أن الخائفين من الله هم أهل الطاعة لا أهل المعصية؟
في حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يُتقبل منهم». هذا من أحاديث الخوف من الله التي تبين أن الطاعة تجلب طاعة، والخوف بمحبة يُنتج عملاً ويدفع إليه.
ما قصة الرجل الذي أوصى بحرق جسده خوفاً من الله وكيف كان جزاؤه؟
رجل حضره الموت أوصى أهله بحرق جسده وطحن عظامه وذرّه في البحر خشية من الله، وإن كان قد شكّك في قدرة الله على جمعه. فجمعه الله وسأله: لم فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك يا الله. فغفر الله له. هذه من أبرز قصص الخوف من الله التي تدل على أن الخشية الصادقة تبلغ بصاحبها المغفرة.
كيف يمكن التمييز بين الخوف والخشية والرعب والفزع في القرآن الكريم؟
الفرق بين الخوف والخشية يتضح من تتبع مواطنهما في القرآن الكريم: الفزع والرعب يتحدثان عن خوف الأكوان، بينما الخوف والخشية والوجل قد يتعلقان بالأكوان أو بالرحمن. ومثال الفرق بينهما: من ذاكر جيداً يدخل الامتحان بخشية ألا ينال الأعلى، أما من لم يذاكر فيدخله بخوف ورعب من الرسوب.
ما المقصود بالخوف المتعلق بالأكوان وما عوالمه المختلفة؟
الخوف المتعلق بالأكوان يشمل عوالم مختلفة: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار. وهو خوف طبيعي في الإنسان يختلف جوهرياً عن الخوف من الرحمن، وقد قيل في المأثور: من خاف سلم.
ما أمثلة الخوف من الأكوان في حياة الإنسان اليومية؟
الإنسان يخاف من الأكوان في صور متعددة: يخاف من الأسد المفترس والكلب والنار، ويخاف من الأشخاص لئلا يؤذوه، ويخاف من الأحداث كالزلازل والأمطار والكوارث الكونية، بل يخاف حتى من الأفكار التي قد تقوده إلى الطريق الخطأ.
ما الفرق الجوهري بين الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن في أثره على الإنسان؟
الفرق الجوهري أن الخوف من الأكوان رعب سلبي يؤدي إلى الهرب، كما قال تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا﴾. أما الخوف من الرحمن فيؤدي إلى الطلب والإقبال على الله. هذا الفرق بين الخوف والخشية ينبغي أن يترسخ في ذهن كل مسلم.
كيف يدعو الخوف من الرحمن إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات؟
الخوف من الرحمن خوف إيجابي يدعو إلى العمل بوجهيه: ترك المنكرات وفعل الطاعات. وترك المنكرات نوع من حبس النفس وهو عمل في حد ذاته، وفعل الطاعات أداء لما على الإنسان فرضاً أو نفلاً أو تقرباً إلى الله. هذا ما يميز الخوف من الله عن الرعب العقيم.
ما معنى الفزع الأكبر في القرآن ومن ينجو منه يوم القيامة؟
الفزع الأكبر المذكور في قوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ متعلق بالأكوان يوم القيامة. وينجو منه من جاء بالحسنة: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون﴾. وقد فزع سيدنا داود من أشخاص دخلوا عليه فجأة، وهو فزع طبيعي من الأكوان.
هل كلمة الخوف في القرآن تشمل الرعب والخشية معاً وما الفرق بينهما؟
الخوف كلمة عامة تشمل الرعب والفزع والخشية والهيبة، منها السلبي المتعلق بالأكوان ومنها الإيجابي المتعلق بالرحمن. وقد فرّق القرآن بين خشية الناس وخشية الله: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾، و﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾.
كيف تهذب خشية الرحمن طبع الإنسان وما أثرها في رقة القلب؟
خشية الرحمن تغلب على خشية الأكوان وتهذب الطبع الإنساني. وقد ربط القرآن بين الخشية والإيجابية: ﴿إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾، و﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾. خشية الله تسبب الشفافية ورقة القلب وتؤدي إلى الطلب لا إلى الهرب.
ما الخريطة الكاملة للخوف بين السلبي والإيجابي وما ثمرة الخوف من الرحمن؟
الخريطة واضحة: خوف من الأكوان سلبي يؤدي إلى الهرب، وخوف من الرحمن إيجابي مشبع بالحب يؤدي إلى الطلب ثم إلى الإكرام. ومن آيات الخوف من الله الدالة على ثمرته: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، و﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾.
هل علاقة المسلم بربه مبنية على الرعب والفزع أم على الحب والخشية؟
علاقة المسلم بربه ليست مبنية على الرعب والفزع بل على الحب والخشية والرجاء. الخوف من الله نابع من الحب الشديد لله، ومعه رجاء في عفوه وهيبة لأنه خالق السماوات والأرض. هذا الرد يجيب على تساؤلات غير المسلمين الذين يظنون أن الإسلام يقوم على الرعب.
كيف فهم الصحابة معنى الخوف من الله المشبع بالحب وما نصيحة عمر في ذلك؟
الصحابة فهموا أن الخوف من الله مشبع بالحب، فكان سيدنا عمر ينصح: «شاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل». وكان ابن مسعود يناجي ربه قائلاً: «خائفاً مستجيراً تائباً مستغفراً راغباً راهباً»، جامعاً بين الخوف والرجاء في آنٍ واحد.
كيف يجمع الترغيب والترهيب في الإسلام بين الخوف والرجاء وما دعاء ذي النون المصري؟
الترغيب والترهيب وجهان لعملة واحدة، والرهبة والخوف من الله مشبعان بالحب. ويجسد ذي النون المصري هذا المعنى في دعائه: «اللهم إليك تقصد رغبتي وإياك أسأل حاجتي ومنك أرجو نجاح طلبتي... لا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك»، جامعاً بين الخوف والرجاء.
كيف وصف الإمام الغزالي العلاقة بين الخوف والرجاء في كتاب الإحياء؟
الإمام الغزالي يصف الخوف والرجاء بأنهما جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود، وهما مطيتان تُركبان للوصول إلى الله. بهما يقطع السالك كل عقبة شديدة في طريق الآخرة، وهذا التشبيه يوضح أن الخوف من الله لا يكتمل إلا مع الرجاء.
ما أبيات الإمام الشافعي التي تجمع بين الخوف من الله والرجاء في عفوه؟
الإمام الشافعي ينشد: «فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّمًا، تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما». هذان البيتان يصوران خائفاً محباً يرى ذنبه عظيماً لكنه يجد عفو الله أعظم، وهو نموذج للتوازن بين الخوف والرجاء.
لماذا يرتبط الخوف من الله بالرجاء ولا يكتمل أحدهما دون الآخر؟
الخوف من الله والرجاء في عفوه وجهان متلازمان لا يكتمل أحدهما دون الآخر، كما أشار الغزالي بتشبيه الجناحين. ولذلك تُعقد حلقة مستقلة عن الرجاء لربطه بالخوف وإكمال الصورة، لأن الإنسان يحتاج إلى الاثنين معاً في مسيرته إلى الله.
الخوف من الله خشية إيجابية مشبعة بالحب تدفع إلى العمل والتقوى لا إلى الهرب والرعب.
الخوف من الله في حقيقته ليس رعباً سلبياً بل هو خشية مشبعة بالحب والرجاء، تدفع صاحبها إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات. آيات الخوف من الله في القرآن الكريم تكشف هذا المعنى جلياً: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، و﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، وكلها تصف خوفاً يُنتج عملاً لا شللاً.
الفرق بين الخوف والخشية يتجلى في أن الرعب والفزع يتعلقان بالأكوان ويؤديان إلى الهرب، بينما الخشية تتعلق بالرحمن وتؤدي إلى الطلب والإقبال على الله. أحاديث عن الخوف من الله تبين أن أهل الطاعة هم الأشد خوفاً ألا يُتقبل منهم، وقصة الرجل الذي غفر الله له بسبب خشيته تؤكد أن الخوف المقرون بالمحبة يبلغ بصاحبه أعلى الدرجات. الإمام الغزالي يصف الخوف والرجاء بأنهما جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود.
أبرز ما تستفيد منه
- الخشية خوف من الله مشبع بالحب يدفع إلى العمل والتقوى.
- الرعب والفزع خوف سلبي من الأكوان يؤدي إلى الهرب.
- الخوف والرجاء جناحان متلازمان لا يكتمل أحدهما دون الآخر.
- من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.
مقدمة الحلقة الحادية والعشرين عن مفتاح الخوف وحقيقته
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا يا سيدنا. لقد وصلنا يا مولانا للحلقة - ما شاء الله - رقم واحد وعشرين. سنتحدث عن مفتاح الخوف، ما حقيقة الخوف وما الأسباب التي قد تؤدي إلى زيادته أو نقصانه؟
تعريف الخوف من الأكوان وأنه تألم القلب لتوقع مكروه
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كما قدمنا فإن الإمام الغزالي في كتابه الماتع إحياء علوم الدين في الربع الثالث وفي الربع الرابع يتحدث عن المهلكات والمنجيات، والخوف من المنجيات، من الصفات التي يرغب فيها الإنسان.
والخوف قد يكون من الأكوان وقد يكون من الرحمن. أما الخوف الذي هو من الأكوان فله تعريف بأنه تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، أي في المستقبل.
[المذيع]: أي شيء قادم خطير.
[الشيخ]: نعم، والخوف بهذا المعنى يمكن أن نطلق عليه أيضًا في اللغة - أي الخوف من الأكوان - نطلق عليه في اللغة الفزع، ونطلق عليه في اللغة الرعب.
الشواهد القرآنية على الخوف من الأكوان كالرعب والفزع
[الشيخ]: هكذا كلمة كهذه [الرعب والفزع] تكون هي في الحقيقة عبارة عن ألم القلب؛ لأن هناك مكروهًا سوف يصيبني الآن أو بعد الآن، يعني في المستقبل. كما قال تعالى:
﴿لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: 18]
فشكلهم مخيف، لكن هذه هي الكائنات، أي الكلب أو الكلاب الخاصة بأهل الكهف، أو الكلب الخاص بأهل الكهف. ماذا تعني؟ نعم، مثلما حدث مع سيدنا موسى عندما رأى الثعبان:
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: 67]
قال الله لموسى:
﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [طه: 68]
هذا خوفٌ من الأكوان وهو أمرٌ طبيعيٌ، أي شيءٌ خلقه الله في الإنسان، حتى إنَّ الأنبياء بمكانة سيدنا موسى وسيدنا النبي المصطفى يشعرون به أيضًا. يمكن أن يُثبِت الله لهم الخوف بهذه الطريقة، وهو تألُّم القلب لتوقع أذى أو لتوقع مكروه.
الخوف من الرحمن خوف إيجابي مشبع بالحب كالإسفنجة والماء
[الشيخ]: أما الخوف من الرحمن فتلك قصة أخرى؛ لأن الخوف من الرحمن - كما أُشبِّهه - يحتوي على حب، هو خوف إيجابي.
كإسفنجة ملأناها بالماء، فالإسفنجة هي الخوف عندما تكون خالية من الحب، خالية من الماء، تصبح جافة، ولا تؤدي وظيفتها. لكن عندما نغمسها في الماء ونخرجها، تكون أدت وظيفتها.
[المذيع]: قد أصبحت معها المياه لتؤدي وظيفتها، فنستطيع أن ننظف بها لاحقًا.
[الشيخ]: نعم، وهنا في هذه الحالة، نسميها خشية. انظر إلى الفرق بين الرعب وبين الخشية. جميل:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
هذه هي الخشية، وهي خوف مع حب، هكذا.
[المذيع]: الخشية تعني خوفًا مع حب.
الخشية خوف إيجابي يدفع إلى العمل والتقوى مع شواهد قرآنية
[الشيخ]: مع حب، خوف إيجابي، خوف يدفع إلى العمل، إلى التقوى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
هل أنت منتبه؟
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]
انظر إلى هذا الكلام، إنه خاف خوفًا فيه حب، فحرّكه هذا الخوف - خوف المحب - إلى التقوى، إلى وجه الله.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«أنا أخوفكم لله» أخرجه البخاري
أنا أخوفكم لله، خوفًا مع حب. النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مرعوبًا من ربنا، لم يكن خائفًا، بل كان مطمئنًا. لقد نزلت على قلبه الشريف السكينة والرحمات.
الرهبة والخشية في حق الرحمن مختلطة بالحب والرجاء
[الشيخ]: فهذا كما يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]
[المذيع]: يرهبون.
[الشيخ]: فالرهبة والهيبة والخوف والخشية في حق الرحمن اختلطت بالحب والرجاء، وسنقوم بإعداد حلقة للرجاء منفردة هكذا.
[المذيع]: إن شاء الله يا سيدنا.
[الشيخ]: لكن [لو كانت العلاقة] من الأكوان خالية من الحب ولا شيء فيها، لكانت شيئًا مرعبًا. وفيها [أي في العلاقة مع الله] خوف، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]
المواجهة بين الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن وأثر كل منهما
[الشيخ]: انظر، المواجهة التي أريد أن أُبرزها هنا هي المواجهة بين الخوف من الأكوان التي منها الشيطان ووساوس الشيطان، وبين الخوف من الرحمن.
فماذا نفعل؟ لا، خُذ الخوف من الرحمن وليس الخوف من الشيطان. فهذا [الخوف من الرحمن] هو الذي سيُسبب الرضا، هو الذي سيؤدي إلى أن يرضى الله عنهم ورضوا عنه.
[المذيع]: إذن يا سيدنا، الخائفون من الله سبحانه وتعالى، كما ذكرت فضيلتك لنا، وهي ما نسميها الخشية، ما هي مراتب الخوف من الله سبحانه وتعالى التي أوردها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين؟
[الشيخ]: دائمًا نقول إن كل شيء له درجات متتالية.
درجات الخوف من الله في القرآن من الإشفاق إلى الوجل والمسارعة في الخيرات
[الشيخ]: فلننظر مثلًا إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 57-60]
هذا الوجل أيضًا:
﴿أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]
انتبه إلى أنك ذاهب إلى الله وراجع إليه، ففي القلب حب وتحب لقاءه وهكذا، ولكن أيضًا فيه هيبة، فهذا وجل للقلب هكذا:
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]
حديث عائشة عن الذين يخافون ألا يُتقبل منهم وهم يطيعون الله
[الشيخ]: إذن هذه أنواع الخوف ودرجاته. في حديث يقول: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: «أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟» فقال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يُتقبل منهم»
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [المؤمنون: 61]
فالطاعة تجلب طاعة، والحلاوة تجلب حلاوة، والخوف بمحبة هذا يُنتج عملًا ويدفع إلى العمل.
قصة الرجل الذي أوصى بحرق جسده خوفاً من الله فغفر الله له
[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول الإمام الغزالي أن رجلًا حضره الموت، فلما صار يائسًا من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا وأوقدوا فيه نارٌ، حتى إذا أكلت لحمي ووصلت إلى عظمي فخذوه واطحنوه، ثم ذروه في البحر. ففعلوا.
[المذيع]: ذلك خوفًا من الله سبحانه وتعالى.
[الشيخ]: نعم، يقول حتى لا يقدر الله سبحانه وتعالى أن يجمعني، وأيضًا شكك في قدرة الله، لكن المهم أنه خائف. فجمعه الله فقال له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يا الله. فغفر الله له.
انظر إلى الجمال، انظر إلى الجمال، الله جميل.
[المذيع]: فغفر الله له.
[الشيخ]: نعم، فغفر الله له.
الأحمق من اتبع نفسه هواها والفرق بين الخوف والخشية بمثال الامتحان
[الشيخ]: فالحقيقة أن الأحمق كما ورد في الأثر هو من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
[المذيع]: أنا بعد إذنك يا سيدنا سأضرب مثالًا لأقرب المعنى للمشاهدين بالنسبة للفرق بين الخوف والخشية: لو شخص ذاكر جيدًا ودخل الامتحان لديه خشية أنه لا يحصل على التقدير الأعلى، أما الذي لم يذاكر فهو خائف من الدخول لأنه يعلم أنه سيرسب. هل هذا التشبيه صحيح؟
[الشيخ]: إذا تتبعنا مواطن الخوف والخشية والرعب والفزع في القرآن الكريم سنجد هذا التقسيم، أن الفزع والرعب يتحدث عن خوف الأكوان، والخوف والخشية والوجل يتحدث عن أمرين: إما أن يكون خوف الأكوان وإما أن يكون خوف الرحمن.
بداية الجزء الثاني وتوضيح الخوف المتعلق بالأكوان وعوالمه المختلفة
[المذيع]: سنعرف التفاصيل يا مولانا في الفاصل الثاني من الحلقة. فاصل ثم نعود إليكم. فاصل ثم نواصل. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا، حلقة اليوم عن الخوف. في قول مأثور يقولون: من خاف سلم. نريد من فضيلتكم أن توضحوا لنا الفرق بين الخوف والخشية والفزع والرعب.
[الشيخ]: كما قدمنا في الجزء الأول بأن هناك خوفًا متعلقًا بالأكوان، وهذه الأكوان هي عوالم مختلفة: في عالم الأشياء، وفي عالم الأشخاص، وفي عالم الأحداث، وفي عالم الأفكار.
أمثلة على الخوف من الأكوان في عوالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار
[الشيخ]: والإنسان قد يتألم قلبه ويخاف من الأذى من أي شيء من هؤلاء؛ يخاف من الأسد المفترس، يخاف من الكلب، يخاف من الأشياء.
[المذيع]: من النار مثلًا تحرق.
[الشيخ]: من النار من كذا، يخاف من الأشخاص لئلا يؤذوه وكذا، يخاف من الأحداث، من الزلزال، من المطر، من الأحداث الكونية والكوارث الكونية.
حتى أنه يخاف من الأفكار، حتى أن هذه الأفكار ستؤدي به إلى الطريق غير الصحيح أو الطريق المظلم أو نحو ذلك إلى آخره.
التفريق بين خوف الأكوان السلبي المؤدي للهرب وخوف الرحمن الإيجابي المؤدي للطلب
[الشيخ]: الخوف من الأكوان يجب على المستمع الكريم أن يفرق بين الاثنين:
[المذيع]: الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن. الخوف من الأكوان شيء والخوف من الرحمن عز وجل شيء آخر.
[الشيخ]: شيء مختلف تمامًا. يجب أن يترسخ في ذهنه هذا الفرق؛ لأن الخوف من الأكوان هذا يمكن أن نسميه رعبًا. قال تعالى:
﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: 151]
إذن يوجد رعب في قلوبهم، وهذا الرعب ليس إيجابيًا، بل هو سلبي. هذا الرعب سيؤدي إلى الهرب.
[المذيع]: سيؤدي إلى الهرب.
[الشيخ]: أما الخوف من الرحمن فسيؤدي إلى الطلب.
[المذيع]: الله! هذا هرب وهذا طلب.
الخوف من الرحمن يدعو إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات
[الشيخ]: انظر كيف! هنا عندما ألقى:
﴿فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: 151]
بسبب شركهم وعقابًا لهم، ولوا مدبرين، لن يقفوا أمام المجاهدين والمؤمنين، لن ينتصروا.
لكن الخوف من الرحمن شيءٌ آخر تمامًا. الخوف من الرحمن شيء إيجابي يدعوك إلى العمل، إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات.
ترك المنكرات عمل أيضًا، هو ترك نعم، لكنه نوع من أنواع حبس النفس، وهذا الحبس عمل. وفعل الطاعات أيضًا عمل؛ لأنك ستؤدي ما عليك فرضًا أو نفلًا أو تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى.
الفزع المتعلق بالأكوان والأمان منه يوم القيامة لمن جاء بالحسنة
[الشيخ]: انظر:
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103]
انظر، ربنا هو يسأل عن الفزع، نعم، هذا الفزع متعلق بالأكوان أيضًا:
﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: 89]
﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: 89]
انظر عندما يحكي لنا عن سيدنا داود عليه الصلاة والسلام:
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: 22]
من أشخاص داخلين يتسورون المحراب وأمامه الله:
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [ص: 22]
الخوف كلمة عامة تشمل الرعب والفزع والخشية منها السلبي ومنها الإيجابي
[الشيخ]: فيكون إذن الخوف هذا كلمة عامة، قد تكون رعبًا وقد تكون فزعًا وقد تكون خشية وقد تكون حبًا، يعني هي كلمة عامة تطلق على هذه الحالة. لكن هذه الحالة منها السلبي ومنها الإيجابي، منها ما يتعلق بالأكوان ومنها ما يتعلق بالرحمن.
انظر ربُّنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ [الأحزاب: 37]
أي أنه يوجد خشية الناس التي هي خشية الأكوان، التي هي خشية الأشخاص وهي مكوِّن من مكونات الأكوان، وهناك خشية الرحمن:
﴿وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ [الأحزاب: 37]
﴿فَلَا تَخْشَوُا ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44]
تهذيب الطبع بتغليب خشية الرحمن على خشية الأكوان وأثر ذلك في رقة القلب
[الشيخ]: دعوا عنكم حكاية خوف الأكوان هذه، فهذا طبعٌ، ولكن ربنا سبحانه يهذب هذا الطبع، غلب خشية الرحمن على خشية الأكوان:
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ﴾ [النازعات: 26]
لمن يخشى الله، وهذه ناحية إيجابية.
﴿إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ﴾ [فاطر: 18]
وهذه أيضًا ناحية إيجابية. يقول الله تعالى:
﴿كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]
خشية الله تسبب الشفافية وتسبب رقة القلب، وتسبب أن العلاقة بين العبد وربه عندما توصف بالخشية تؤدي إلى الطلب لا إلى الهرب.
[المذيع]: إلى الطلب لا إلى الهرب، وهذا أمر جميل.
خريطة الخوف الواضحة بين السلبي والإيجابي وثمرة خوف الرحمن الإكرام والجنة
[الشيخ]: فتصبح إذن أمامنا الخريطة واضحة: هناك خوف من الأكوان وهو أمر سلبي يؤدي إلى الهرب، وهناك خوف من الرحمن وهو أمر إيجابي وهو مُشبَع بالحب يؤدي إلى الطلب.
ويؤدي في النهاية بعد الطلب إلى الكرم، إلى الإكرام:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
[المذيع]: ليست جنة واحدة.
[الشيخ]: لا، ليست جنة واحدة، بل جنتان:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]
﴿قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15]
الخوف من الله نابع من الحب والرد على من يظن أن علاقة المسلم بربه مبنية على الرعب
[الشيخ]: فأنا خائف، وما شكل هذا الخوف؟ لأنني أحبه كثيرًا، أحبه كثيرًا.
ولذلك هذا يجيب على تساؤلات بعض الناس، بعضهم وهم يسألوننا، خاصة غير المسلمين، وهم كذلك مصدودون عن الإسلام، يقول لك: هل العلاقة التي بينكم وبين ربكم مبنية على الرعب والفزع؟
فأقول له: لا، ليست كذلك. كيف يمكن ذلك؟ نحن لسنا هكذا، بل نحبه كثيرًا.
[المذيع]: ونعم بالله.
[الشيخ]: ولدينا طمع في وجهه ورجاء في عفوه وهيبة بالطبع؛ لأنه ربنا، إنه خالق السماوات والأرض.
فهم الصحابة لمعنى الخوف المشبع بالحب ونصيحة سيدنا عمر بمشاورة من يخشون الله
[الشيخ]: فالحقيقة أن لدي هذا المعنى، وهذا المعنى ليس من اختراع عقولنا الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين ونحن نرد على هؤلاء، لا، هذا كلام فهمه سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، فهمته الصحابة.
سيدنا عمر ينصح أصحابه فيقول: شاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل.
[المذيع]: وانتبه أن تأتي لتعمل مشورة، يكون الشخص يخشى ربنا سبحانه وتعالى، يخاف من ربنا كما يقولون في البلد.
[الشيخ]: سيدنا ابن مسعود {الصحابي عبد الله بن مسعود} وهو يناجي ربه قائلًا:
«خائفًا مستجيرًا تائبًا مستغفرًا راغبًا راهبًا»
[المذيع]: راغبًا راهبًا.
الرهبة والخوف من الله مشبعان بالحب والترغيب والترهيب وجهان لعملة واحدة
[الشيخ]: هذا يفهمونه هم، هذا فاهم الآن أن الرهبة والخوف من الله مشبع بالحب. تائبًا مستغفرًا راغبًا راهبًا، الله!
الترغيب والترهيب يجمعهم مع بعضهم، وهذان وجهان لعملة واحدة.
[المذيع]: الخوف والرجاء في نفس الوقت.
[الشيخ]: هؤلاء الصحابة. فلنأخذ مثلًا واحدًا مثل ذي النون المصري {أحد علماء المسلمين في القرن الثالث الهجري ومن المحدثين الفقهاء}. انظر إلى دعوته:
«اللهم إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسأل الخير إلا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك»
الرجاء والخوف جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود
[الشيخ]: يفهم الإمام الغزالي هذا المعنى فيقول في كتابه الإحياء أن الرجاء والخوف جناحان. انظر إلى هذا التشبيه الرائع! أنا أقول إنهما كالإسفنجة والماء، أو كوجهي العملة الواحدة، وهو يقول إنهما جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود.
بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، وهما مطيتان أو فرسان التي تركبها لكي تصل، بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة شديدة.
انتبه جيدًا، انظر إلى ذي النون المصري متى كان، وبعده الإمام الغزالي، وقبله الإمام الشافعي.
أبيات الإمام الشافعي في الرجاء والعفو وجمال الخوف المحب
[الشيخ]: الإمام الشافعي رحمه الله ورضي الله تعالى عنه ينشد فيقول:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّمًا. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظم.
انظر إلى هذين البيتين، لنقرأهما مرة أخرى، لعل الناس تحب أن تكتبهما هكذا:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجاء مني لعفوك سُلَّمًا، سُلَّمًا مثل السلم تمامًا. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما.
رأى ذنبه عظيمًا جدًا وأحاط به، فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظمه. آه، لا، هذا خائف مُحب.
[المذيع]: هي هذه يا سيدنا، رمانة الميزان الذي بين الخوف والرجاء.
[الشيخ]: هذا هو.
خاتمة الحلقة والوعد بحلقة قادمة عن الرجاء لربط الخوف والرجاء
[المذيع]: نستكمل الحلقة القادمة ونجعلها عن الرجاء لكي نربط الاثنين ببعضهما.
[الشيخ]: إن شاء الله، إن شاء الله.
[المذيع]: الوقت مع فضيلتكم يمضي سريعًا. اسمحوا لي باسم حضراتكم قبل أن نختم هذه الحلقة أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعدٍ باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما تعريف الخوف من الأكوان؟
تألم القلب واحتراقه لتوقع مكروه في المستقبل
ما الفرق الجوهري بين الرعب من الأكوان والخشية من الرحمن؟
الرعب يؤدي إلى الهرب والخشية تؤدي إلى الطلب
بمَ شبّه الشيخ الخشية من الرحمن لتوضيح أنها خوف مشبع بالحب؟
بالإسفنجة المغموسة في الماء
ما الآية القرآنية التي تخص الخشية بالعلماء؟
﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه في علاقته بالخوف من الله؟
«أنا أخوفكم لله»
ما الذي فعله الرجل الذي أوصى بحرق جسده وما كانت نتيجته؟
أوصى بحرق جسده خشية من الله فغفر الله له
ما الذي يصفه الإمام الغزالي بأنه جناحان يطير بهما المقربون؟
الخوف والرجاء
ما نصيحة سيدنا عمر بن الخطاب المتعلقة بالخشية؟
شاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل
ما معنى الوجل في القرآن الكريم كما ورد في سورة المؤمنون؟
هيبة في القلب مع حب لقاء الله والخوف من عدم القبول
ما الذي تسببه خشية الله في القلب وفق الآية: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾؟
الشفافية ورقة القلب والإقبال على الله
ما الذي يدل عليه حديث عائشة عن الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يُتقبل منهم؟
أهل الطاعة هم الأشد خوفاً من عدم القبول
ما الذي يجمع بين الترغيب والترهيب في الإسلام؟
هما وجهان لعملة واحدة يجمعان الخوف والرجاء
ما مرادفات الخوف من الأكوان في اللغة العربية؟
الرعب والفزع، وكلاهما يعبر عن تألم القلب لتوقع مكروه من الأشياء أو الأشخاص أو الأحداث.
لماذا يُعدّ الخوف من الأكوان أمراً طبيعياً حتى عند الأنبياء؟
لأن الله خلقه في الإنسان، وقد شعر به سيدنا موسى حين رأى الثعبان: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾، وهو تألم القلب لتوقع أذى.
ما الفرق بين الخشية والرعب من حيث الأثر على صاحبه؟
الرعب سلبي يؤدي إلى الهرب والشلل، أما الخشية فإيجابية تؤدي إلى الطلب والإقبال على الله وفعل الطاعات.
ما معنى قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾؟
من خاف مقام ربه خوفاً مشبعاً بالحب ونهى نفسه عن الهوى، كان جزاؤه جنتان لا جنة واحدة.
ما الدرجات المختلفة للخوف من الله المذكورة في القرآن؟
الإشفاق والوجل والخشية والرهبة والهيبة، وكلها تؤدي إلى المسارعة في الخيرات والإقبال على الله.
ما الذي يميز الخشية عن مجرد الخوف الطبيعي؟
الخشية خوف مشبع بالحب، كالإسفنجة المغموسة في الماء، بينما الخوف الخالي من الحب جاف لا يؤدي وظيفته.
ما الذي يقصده ابن مسعود بقوله: «خائفاً مستجيراً تائباً مستغفراً راغباً راهباً»؟
يجمع بين الخوف من الله والرجاء في عفوه في آنٍ واحد، مما يدل على أن الرهبة والرغبة وجهان لعملة واحدة.
ما الذي يقصده الغزالي بقوله إن الخوف والرجاء جناحان؟
يقصد أن المقربين يطيرون بهما إلى كل مقام محمود، وبهما يقطعون كل عقبة شديدة في طريق الآخرة.
ما الآية التي تدل على أن الرعب عقوبة للكافرين؟
قوله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا﴾، وهذا الرعب سلبي يجعلهم يولون مدبرين.
ما الذي يعنيه قول الشافعي: «تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما»؟
يعني أن عفو الله أعظم من أي ذنب مهما كبر، وهو تعبير عن الخوف المقرون بالرجاء في رحمة الله.
ما عوالم الخوف من الأكوان الأربعة؟
عالم الأشياء كالأسد والنار، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث كالزلازل والكوارث، وعالم الأفكار المضلة.
كيف يرد الإسلام على من يظن أن علاقة المسلم بربه مبنية على الرعب؟
علاقة المسلم بربه مبنية على الحب والخشية والرجاء والهيبة معاً، لا على الرعب والفزع وحدهما.
ما الذي يدل عليه دعاء ذي النون المصري: «لا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك»؟
يدل على الجمع بين الخوف من الله والرجاء في فضله، وأن معرفة فضل الله تمنع اليأس مهما عظمت الذنوب.
ما الحكمة من وصف الخوف والرجاء بأنهما مطيتان في طريق الآخرة؟
لأن السالك يحتاج إليهما معاً للوصول إلى الله، فالخوف يحجزه عن المعاصي والرجاء يدفعه إلى الطاعات.
ما الفرق بين خشية الناس وخشية الرحمن في القرآن الكريم؟
خشية الناس خشية أكوان سلبية، أما خشية الرحمن فإيجابية، وقد قال الله: ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ و﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾.
