ما هو العجب وما آفاته على القلب والمجتمع وكيف يؤدي إلى الكبر واليأس؟
العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان نسبتها إلى الله المنعم سبحانه وتعالى. يولّد العجب الكبر ونسيان الذنوب وقسوة القلب وأمن مكر الله، وينتهي بتفكك الاجتماع البشري. والعلاج هو إضافة كل نعمة إلى الله وإدامة الحمد والشكر وتجنب نسبة الفضل إلى النفس.
- •
هل تعلم أن العجب بعد الطاعة قد يبطلها تمامًا بينما الندم بعد الذنب يُعدّ عبادة حقيقية؟
- •
العجب هو استعظام النعمة ونسبتها إلى النفس مع نسيان المنعم سبحانه وتعالى، وهو ضد معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •
يولّد العجب الكبر الذي حذّر منه النبي ﷺ بقوله إن مثقال حبة خردل منه يحول دون دخول الجنة.
- •
من آفات العجب نسيان الذنوب والاستهانة بها حتى استحلالها، مما يؤدي إلى اسوداد القلب وقسوته وانقطاعه عن الموعظة.
- •
العجب يقدح في الاجتماع البشري كما حدث يوم حنين حين أعجب الصحابة بكثرتهم فانهزموا حتى نصرهم الله من عنده.
- •
ابن مسعود رضي الله عنه رأى أن القنوط واليأس من رحمة الله والعجب هما مفتاحا الهلاك اللذان يجب على المسلم الحذر منهما.
- 0:07
العجب آفة تنشأ من نظر الإنسان إلى حوله وقوته وإغفاله أن كل نعمة من الله، وضده الحمد والشكر.
- 1:19
العجب ينشأ حين ينسب الإنسان العلم أو المال أو العمل لنفسه، وضده الشعور بأن الفضل كله لله.
- 2:31
الفرح بنعمة الله والتحدث بها شكر مشروع، والعجب يكون بنسبتها للنفس لا لله المنعم.
- 3:15
حقيقة العجب استعظام النعمة ونسبتها للنفس مع نسيان المنعم، وهو ما نهى عنه القرآن الكريم.
- 4:09
الإدلال بالنعمة هو نسبتها للجهد الذاتي لا لله، وهو جوهر العجب الذي حذّر منه العلماء.
- 5:04
أول آفات العجب الكبر، إذ يدفع الإنسان إلى رؤية نفسه عظيمًا وكأنه ينسب لنفسه شيئًا من الألوهية.
- 5:54
فرعون نموذج العجب والكبر إذ نسب الملك لنفسه، والكبر المتولد عن العجب يحول دون دخول الجنة.
- 6:52
مثقال حبة خردل من الكبر يحول دون الجنة لأن الكبر ينازع الألوهية، وهو من أخطر ما يتولد عن العجب.
- 7:21
العجب يؤدي إلى نسيان الذنوب والاستهانة بها حتى استحلالها، فيسودّ القلب ويقسو ويعجز عن قبول الموعظة.
- 8:22
العجب يفضي إلى نسيان المنعم وإدمان المعصية وأمن مكر الله، وهو من أخطر آفاته على القلب.
- 9:07
أمن مكر الله يقسّي القلب ويقطع الاتصال بالله والناس، فلا تنفع معه موعظة ولا نصيحة.
- 10:03
آفات العجب تتسلسل من الكبر إلى قسوة القلب وصولًا إلى تفكك الاجتماع البشري، ونزعه واجب.
- 11:02
يوم حنين نموذج قرآني على خطر العجب بالكثرة، إذ أدى إلى الهزيمة حتى نصرهم الله من عنده.
- 12:03
النصر من الله لا من الكثرة، وحين دخلت كلمة نحن دون بعون الله تجلّت النفس الأمارة بالسوء.
- 12:50
الكلمات الإيمانية لا تنفع إن خلت من الشعور الحقيقي، والعجب مرض قلبي لا لساني يحتاج علاجًا داخليًا.
- 13:36
العجب يقطع اتصال الأفراد بعضهم وبالله فيتفكك المجتمع، والقضاء عليه شرط لنهضة الاجتماع البشري.
- 14:34
النهي عن العجب ورد في القرآن بالمعنى في آيات عديدة كالنهي عن تزكية النفس وظن المنعة بالحصون.
- 15:20
حديث الثلاث المهلكات يذكر العجب صراحة بلفظ إعجاب كل ذي رأي برأيه إلى جانب الشح والهوى.
- 16:18
النبي ﷺ أمر بالاستقلالية عن الناس في الآفات كالعجب والهوى حتى لو انتشرت، ونهى عن الإمعة.
- 17:02
ابن مسعود رأى أن القنوط واليأس من رحمة الله والعجب هما مفتاحا الهلاك اللذان يجب الحذر منهما.
- 17:58
القنوط واليأس من رحمة الله سبب هلاك كالعجب، والدعاء مدخر وعبادة ولا يجوز اليأس من الاستجابة.
- 18:27
النوم مع الندم على التقصير أفضل من القيام مع العجب بالعبادة، لأن الندم عبادة والعجب يبطل الطاعة.
- 19:27
الندم بعد الذنب عبادة تقرّب من الله، والعجب بعد الطاعة معصية تبطلها وهو من حيل الشيطان الدقيقة.
- 20:01
العجب والكبر وجهان لعملة واحدة، والغزالي أفرد للكبر بابًا مستقلًا لأنه يتولد عن العجب ويرتبط به.
ما هو منشأ آفة العجب وكيف تنشأ في النفس؟
العجب ينشأ من نظر الإنسان إلى حوله وقوته وحول نفسه وقوتها، فينسب ما وهبه الله إلى نفسه. وقد نهى الله ورسوله عن العجب وأمرا بضده وهو نسبة الأمر إلى الله والحمد والشكر. فالعجب يأتي من الغفلة عن أن كل ما بالإنسان هو من فضل الله لا من حوله هو.
ما الفرق بين من ينسب نعمة العلم والمال إلى نفسه ومن ينسبها إلى الله؟
من ينسب العلم أو العمل أو المال إلى جهده الذاتي يقع في العجب، وهذا ضد معنى لا حول ولا قوة إلا بالله. أما من يشعر في قلبه أن الفضل لله وأن النعمة منه سبحانه فلا يكون مُعجَبًا. فالعجب هو نسبة النعمة إلى النفس دون الله.
هل الفرح بنعمة الله والتحدث بها يُعدّ عجبًا؟
الفرح بنعمة الله وقول ربنا أكرمني ليس عجبًا، بل هو من باب قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدّث. العجب يكون حين ينسب الإنسان النعمة لنفسه لا لله، أما من يشعر أنه لا حول له ولا قوة وأن الله تفضل عليه فهو شاكر حامد لا مُعجَب.
ما هي حقيقة العجب كما عرّفها العلماء؟
حقيقة العجب هي استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى. ومن ذلك قوله تعالى ولا تمنن تستكثر، أي لا تنسب الفضل إلى نفسك بل انظر إلى المنعم واشكره. فالعجب إذن هو الغفلة عن الله وادعاء أن النعمة من الجهد الذاتي.
ما معنى الإدلال بالنعمة وكيف يكون منشأً للعجب؟
الإدلال هو أن يقول الإنسان إن النعمة منه ومن جهده الذاتي وعرق جبينه، وهذا ما يسميه العلماء تدليلًا بالنعمة. وهذا الشعور هو حقيقة العجب؛ إذ يرى الإنسان أنه هو الذي أتى بالنعمة من كده ونفسه لا من فضل الله.
ما الآفات التي يجرّ إليها العجب وما أولها؟
العجب بلية لأنه يجر إلى آفات كثيرة، وأولها الكبر. فمن اعتقد أنه هو الذي فعل كل شيء بعلمه وقدرته أصبح يرى نفسه شيئًا عظيمًا، وهذا ينتهي بنسبة شيء من الألوهية إلى النفس والعياذ بالله.
كيف يكون فرعون نموذجًا للعجب والكبر وما خطورة الكبر؟
فرعون قال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، فنسب الملك والنعمة لنفسه وهو مخلوق لم يصنع شيئًا، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر وأغرقه. والكبر المتولد عن العجب خطير جدًا، قال النبي ﷺ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. ولذلك أفرد الإمام الغزالي للكبر بابًا مستقلًا.
لماذا يكفي مثقال حبة خردل من الكبر لحرمان صاحبه من الجنة؟
حبة الخردل تزن واحدًا على ستة آلاف من الجرام، وهي شيء صغير جدًا، ومع ذلك فإن هذا القدر من الكبر يحول دون دخول الجنة. والسبب أن الكبر فيه نزاع ينازع الألوهية، فهو ليس مجرد رذيلة أخلاقية بل هو ادعاء في مقام الله سبحانه.
كيف يؤدي العجب إلى نسيان الذنوب واستحلالها وقسوة القلب؟
العجب يجعل الإنسان يشعر بالتمكن فيهمل ذنوبه ويستهين بها، وكثرة الوقوع في الذنب تؤدي إلى استحلاله. وإذا حصل ذلك اسودّ القلب نكتة بعد نكتة حتى يقسو فلا يستمع إلى موعظة، لأنه تعوّد على المعصية وكأنها جزء من الحياة.
كيف يؤدي العجب إلى إدمان المعصية ونسيان الله وأمن مكره؟
العجب يؤدي إلى نسيان المنعم، فإذا نسي الإنسان أن النعمة من الله نسي أن هناك منعمًا، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى نسوا الله فنسيهم. ومن ثَمّ يقع في إدمان المعصية ثم يأمن مكر الله ظانًا أن الله سيكرمه دون سبب.
ما علاقة أمن مكر الله بقسوة القلب وانقطاع الاتصال بالنصيحة؟
من أمن مكر الله ظن أن الله سيكرمه دائمًا دون أن يكون له عهد على ذلك، وهذا نتيجة نسيانه للمنعم. فيقسو قلبه فلا يستمع إلى موعظة ولا يطلب استشارة ولا تؤثر فيه نصيحة، وينقطع الاتصال بينه وبين الله.
كيف تتسلسل آفات العجب لتصل إلى القدح في الاجتماع البشري؟
تبدأ آفات العجب بالكبر ثم استعظام الأعمال ثم نسيان المنعم ثم قسوة القلب، وكل هذه الآفات تتولد بعضها من بعض. وتنتهي في النهاية إلى القدح في الاجتماع البشري وتفككه. ولذلك يجب نزع العجب من القلوب حتى لا يقع المجتمع في هذه الآفات.
كيف أعجب الصحابة بكثرتهم يوم حنين وما النتيجة؟
يوم حنين أعجب المسلمون بكثرتهم فلم تغنِ عنهم شيئًا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولّوا مدبرين كما في سورة التوبة. وهذا يدل على أن العجب بالكثرة والقوة الذاتية يقدح في الاجتماع البشري ويُفقد النصر. والله سبحانه نعى على المسلمين هذا الموقف تحذيرًا لهم.
لماذا النصر من عند الله لا من الكثرة وكيف تدخل النفس الأمارة بالسوء؟
الله سبحانه نصر المسلمين يوم حنين من عنده لا من كثرتهم، فلما شعروا بالكثرة قالوا نحن أقوياء ولن نُهزم، فدخلت النفس الأمارة بالسوء بكلمة نحن دون بعون الله أو بإذن الله. وهذا هو جوهر العجب الذي يُفقد الإنسان والجماعة التوفيق الإلهي.
ما الفرق بين التلفظ بالكلمات الإيمانية والشعور الحقيقي بها في القلب؟
الكلمات الإيمانية كإن شاء الله وبعون الله لا تنفع إذا كانت فارغة من المضمون، بل لا بد أن يعيش الإنسان فيها بالإيمان والشعور والالتجاء والمناجاة. والعجب مرض القلب لا مرض اللسان أو العقل، فلا بد من الشعور الحقيقي بالمنة والنعمة من الله.
كيف يقدح العجب في الاجتماع البشري ويؤدي إلى تفككه؟
العجب يؤدي إلى قطع اتصال الأفراد بعضهم ببعض، وإذا لم يلتجئ المجتمع إلى الله لم ينصره الله. وقد قال تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإذا حلّ العجب في القلوب تفككت الجماعة. ولذلك القضاء على العجب شرط لبناء مجتمع متقدم زاهر.
هل ورد النهي عن العجب في القرآن والسنة باللفظ أم بالمعنى فقط؟
النهي عن العجب ورد في القرآن بالمعنى دون اللفظ في آيات كثيرة، كقوله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وقوله وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله. كما ورد النهي عن تزكية النفس في قوله فلا تزكوا أنفسكم. وكل هذه الآيات تتضمن النهي عن العجب وإن لم تستعمل حروف العين والجيم والباء.
ما هي الثلاث المهلكات التي ذكرها النبي ﷺ وما موضع العجب فيها؟
قال النبي ﷺ في حديث الطبراني عن ابن عمر: ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه. فالشح المطاع هو البخل وعدم الإنفاق في سبيل الله، والهوى المتبع هو اتباع النفس لا كتاب الله وسنة رسوله، وإعجاب كل ذي رأي برأيه هو العجب بلفظه الصريح.
ما معنى حديث النبي ﷺ في النهي عن اتباع الهوى والعجب حتى لو انتشرا؟
قال النبي ﷺ إذا رأيت هوى متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه وشحًا مطاعًا ودنيا مؤثرة فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة. ومعناه ألا يطيع المسلم الناس في هذه الآفات حتى لو انتشرت. وقال أيضًا لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت.
ما هما مفتاحا الهلاك عند ابن مسعود رضي الله عنه؟
قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب. القنوط هو اليأس من رحمة الله وقد قال تعالى لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. والعجب هو نسيان الله والغرور بالنفس. وكلاهما طرفا نقيض: إما يأس من الله أو غرور بالنفس.
كيف يكون القنوط واليأس من رحمة الله سبب بلاء وهلاك؟
القنوط واليأس من رحمة الله خطر عظيم، وقد حذّر ابن مسعود منه مع العجب باعتبارهما سبب البلاء والهلاك. ومن مظاهر القنوط أن يقول المسلم إنه يدعو كثيرًا ولا يُستجاب له، وهذا خطأ لأن الدعاء مدخر وعبادة. والله قال في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي فلا بد من حسن الظن بالله.
لماذا قال أحد الصالحين إن النوم مع الندم أفضل من القيام مع العجب؟
قال أحد الصالحين لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا. ومعناه أن من نام وفاتته صلاة الليل ثم أصبح نادمًا على تقصيره في حق الله أفضل ممن قام الليل كله ثم أصبح معجبًا بنفسه ومتفاخرًا بعبادته.
كيف يكون الندم بعد الذنب عبادة والعجب بعد الطاعة معصية تبطلها؟
الندم الذي يظهر في قلب المؤمن بعد الذنب هو عبادة حقيقية، بينما العجب الذي يأتي بعد الطاعة معصية تبطل تلك الطاعة. وهذا من حيل الشيطان الدقيقة التي يوهم بها الإنسان أن العمل الصالح المصحوب بالعجب أفضل من الذنب المصحوب بالندم، وهو عكس الحقيقة.
ما العلاقة بين العجب والكبر وهل هما وجهان لعملة واحدة؟
العجب والكبر وجهان لعملة واحدة كما قرر العلماء، فالعجب هو المنشأ الداخلي والكبر هو الظهور الخارجي لنفس الآفة. وقد أفرد الإمام الغزالي للكبر بابًا مستقلًا في إحياء علوم الدين لأنه يتولد عن العجب ويستحق دراسة مفصلة.
العجب آفة قلبية تنشأ من نسبة النعم إلى النفس، وتجر إلى الكبر وقسوة القلب وتفكك المجتمع.
آفة العجب تنشأ حين ينسب الإنسان ما وهبه الله من علم أو عمل أو مال إلى جهده الذاتي ناسيًا المنعم سبحانه. وحقيقة العجب كما بيّنها الغزالي هي استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى الله، وهو ضد معنى لا حول ولا قوة إلا بالله التي هي كنز من كنوز العرش.
يتسلسل العجب في آفات خطيرة: يولّد الكبر الذي حذّر منه النبي ﷺ بأن مثقال حبة خردل منه يحول دون دخول الجنة، ثم ينتقل إلى نسيان الذنوب واستحلالها واسوداد القلب وأمن مكر الله. وعلى مستوى الجماعة، يقدح العجب في الاجتماع البشري كما جرى يوم حنين. وقد رأى ابن مسعود أن العجب والقنوط هما مفتاحا الهلاك، بينما الندم بعد الذنب خير من العجب الذي يبطل الطاعة.
أبرز ما تستفيد منه
- العجب هو استعظام النعمة ونسبتها للنفس مع نسيان المنعم سبحانه.
- العجب يولّد الكبر ونسيان الذنوب وقسوة القلب وأمن مكر الله.
- الندم بعد الذنب عبادة، والعجب بعد الطاعة معصية تبطلها.
- العجب يقدح في الاجتماع البشري ويفككه كما في درس يوم حنين.
- القنوط والعجب مفتاحا الهلاك عند ابن مسعود رضي الله عنه.
مقدمة الحلقة والسؤال عن منشأ آفة العُجب من كتاب إحياء علوم الدين
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا، أهلًا وسهلًا بكم.
تحدثنا في لقاءات سابقة يا مولانا عن المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين، واليوم وصلنا إلى العُجب يا مولانا، فنريد أن نعرف ما هو منشأ هذا المرض أو هذه الآفة التي هي العُجب؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. العُجب نهى عنه الله ورسوله وأمرنا بضده، وهو أن ننسب الأمر لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك أمرنا بالحمد والشكر؛ لأن العجب يأتي من نظر الإنسان إلى حوله وقوته، إلى حول نفسه وقوتها.
حقيقة العُجب في نسبة النعم من علم وعمل ومال إلى النفس دون الله
أي يعني وهبه الله سبحانه وتعالى شيئًا من العلم فيعتقد أن هذا من تحصيله هو ومجهوده هو وفعله هو، وهبه الله شيئًا من التوفيق في العمل فيعتقد أن هذا من براعته ومن اجتهاده، وهبه الله شيئًا من المال فيعتقد أن هذا المال من تحصيله ومن جهده ومن فعله هو.
وهذا كله ضد «لا حول ولا قوة إلا بالله» التي هي كنز من كنوز العرش. فالعجب أن ينسب الإنسان العلم أو العمل أو المال أو النعمة لنفسه دون الله.
يعني هنا الكلام أنه لا ينسبها إلى الله، أما لو قال «لا حول ولا قوة إلا بالله»، أما لو شعر في نفسه من الداخل أنه الحمد لله وأن الفضل هو لله وأن النعمة هي من الله سبحانه وتعالى فلا يكون عجبًا.
الفرق بين الفرح بنعمة الله والعُجب بها ونسبتها إلى النفس
ولذلك يتكلمون عن ذلك الشخص الذي يخاف من زوال النعمة، يخاف من زوال النعمة التي معه، يعني هذا ليس عجبًا. هذا ليس عجبًا، هذا الشخص الذي يفرح بالنعمة لأنها نعمة، يقول: يا سلام، ربنا أكرمني بأفضل كرم، ألا إن هذا ليس عجبًا عندما يقول ربنا أكرمني، لا يكون عجبًا.
هذا من باب:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]
نعم؛ لأنه يشعر أنه لا حول له ولا قوة، وأن الله تفضل عليه فضلًا عظيمًا، وأنه شاعر بهذه النعمة وممتن لها، وأنه شاكر وحامد لله سبحانه وتعالى.
تعريف العُجب باستعظام النعمة ونسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى
هناك من ينسب هذه النعمة لنفسه، أي أنها من جهده، من حاله. فالعجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى، هذه الكلمة الأخيرة هي حقيقة العُجب.
ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]
يعني لا تقل إنني عملت وعملت وفعلت، أنت لم تفعل شيئًا، بل أنت وُفقت إلى العمل يا أخي. انظر إلى المنعم ولا [تنسَ] شكر المنعم وانظر إليه، ولا تنظر إلى النعمة [وتقول] إنها منك.
مفهوم الإدلال بالنعمة ونسبتها إلى الجهد الذاتي كمنشأ للعُجب
إذ إن الشيء الذي يدفع الإنسان إلى العجب هو حبه لنسبة النعمة إليه، وهذا يسميه الذين يكتبون في هذه المعاني الراقية «الإدلال»، الإدلال يعني أنه يقول إن النعمة هذه منه، ويسمون هذا أنه يدلل بنعمته.
من الممكن منها سيدنا، خذوا كلمة الدلال - الدلع - يعني أنه شيء آخر يدل على أنني أفعل هذا الفعل من جهدي الذاتي وأجلبه من عرق جبيني، هذا شقايا.
نعم، أي هكذا يعني هذا من كدي ومن نفسي وما إلى آخره، فهذه هي حقيقة العجب.
سؤال عن الآفات التي تترتب على العُجب وأولها الكِبر
والعجب هذا بلية؛ لأنه يجر إلى آفات كثيرة.
[المذيع]: نحن نعلم يا سيدنا أن الذي يرتكب خطأً مثل الذي يبني مبنى هندسيًا، فإذا أخطأ في شيء سيترتب عليه أخطاء أخرى، فالعُجب ما الآفات الأخرى التي يمكن أن تأتي نتيجة هذا العُجب؟
[الشيخ]: آفاته كثيرة، نعم، منها الكِبر. العُجب هذا يولد الكِبر، نعم، فإذا كنتُ أنا الذي فعلت كل هذا وإنما أتيته عن علم مني وعندي وكذا إلى آخره، فأكون أنا شيئًا، يعني أنا هكذا - والعياذ بالله تعالى ولله المثل الأعلى - يعني أنسب إلى نفسي شيئًا من الألوهية، أعوذ بالله.
نموذج فرعون في نسبة النعمة لنفسه وخطورة الكِبر المتولد عن العُجب
نعم، صحيح:
﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ [الزخرف: 51]
أليست هذه الأشياء؟ كلها ملكي، النهر يجري من تحتي، أنا الذي صنعته، كأنه هو الذي صنعه وهو مخلوق يدخل - لا تؤاخذني - دورة المياه، ولم يفعل شيئًا ولم يصنع شيئًا. والله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه الملك، والله سبحانه وتعالى هو الذي أخذه أخذ عزيز مقتدر وأغرقه.
يعني إذن هو ليس له شيء في الحقيقة وهذه دعوة كاذبة. فالعجب يولّد نوعًا من الكِبر، أي أن الكِبر خطير جدًا، يقول فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كِبر»
ولذلك رأينا الإمام الغزالي أفرد للكِبر بابًا آخر الذي سيتولد عن العجب، وحينها سنتحدث كثيرًا إن شاء الله في حلقة مستقلة عن الكِبر.
خطورة مثقال حبة خردل من الكِبر ومنازعة الألوهية
لأن الكِبر هذا مصيبة، انظر: مثقال حبة من خردل، حبة الخردل واحد على ستة آلاف من الجرام، واحد على ستة آلاف من الجرام، الجرام ستة آلاف حبة خردل، سبحان الله!
يعني شيء صغير جدًا، أي هباءة هكذا، يعني لو الكِبر يوزن هكذا هذا لا ينفعنا. لماذا؟ لأنه في نزاع ينازع الألوهية.
الآفة الثانية للعُجب نسيان الذنوب والاستهانة بها حتى استحلالها
النقطة الثانية أن العُجب يؤدي إلى نسيان الذنوب. نسيان الذنوب يكون عندما لا يشعر أنه فعل شيئًا، فقد أصبح متمكنًا، أنا رجل متمكن، نعم.
وإهمالها والاستهانة بها يؤدي إلى كثرة وقوعها، وكثرة وقوعها تؤدي إلى استحلالها. يقول لك: هذا هو، أي ذنب؟ بالرغم من أنه كان يعلم أول أمس أنه ذنب، لكن من كثرة الوقوع فيه تحدث الاستهانة والاستحلال.
إذا حصل هذا اسودَّ القلب، فالقلب لا يزال نكتة سوداء بجانب نكتة سوداء بجانب نكتة سوداء، وإذا اسودَّ القلب قسا فلا يستمع إلى الموعظة أبدًا؛ لأنه تعوَّد - خلاص - على المعصية وكأنها جزء لا يتجزأ من كينونة الحياة.
إدمان المعصية وانقطاع الاتصال بالله ونسيان المنعم من آثار العُجب
كأنك تقول له اذهب ومُت وأنت تقول له اترك الذنب، كأنك تقول له بالضبط أمِت نفسك.
[المذيع]: كأنه أدمنه يا مولانا، أدمنه.
[الشيخ]: أدمنه، ما هو هذا إدمان، وهناك إدمان في العمل فعلًا ولا يُترك هكذا. العجب يؤدي إلى نسيان المنعم - والعياذ بالله تعالى - ينسى أن هذه نعمةٌ فينسى أن هناك مُنعِمًا، لا إله إلا الله.
﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]
فأنساهم أنفسهم. يعني إذن هنا سينقلنا إلى مصيبة أخرى من آفات العُجب، وهي أنه حينئذٍ يأمن مكر الله، يا ساتر!
أمن مكر الله وقسوة القلب وانقطاع الاتصال بالنصيحة والموعظة
يأمن مكر الله! آه، ولذلك تجدهم وهم يتكلمون لديهم عُجبٌ هكذا، يقول لك: ما الأمر؟ إن الله سيكرمني في الدنيا وفي الآخرة. لماذا؟ لديك عهد على الله سبحانه وتعالى أن يفعل هذا؟
هو نسي المنعم فأنساه الله نفسه، فاستعظم العمل فنسي الذنب، فقسا قلبه فلم يعد يستمع إلى الموعظة، وانقطع الاتصال الذي أتحدث عنه، هكذا انقطع الاتصال، الاتصال الذي بينه وبينه [أي بينه وبين الله] ذهب وانقطع.
لا أستطيع أن أكلمه، لا يسمع نصيحة ولا يطلب استشارة، وما خاب من استشار، صحيح، وما ضلّ من استخار. ولذلك هو لا يطلب استشارة ولا يسمع نصيحة ولا تؤثر فيه موعظة.
تسلسل آفات العُجب من قسوة القلب إلى القدح في الاجتماع البشري
نعم، كل هذا من أين يأتي؟ من قسوة القلب التي جاءت من أين؟ من الكِبر المتتالي، من استعظام الأعمال، من نسيان المنعم، من مجموعة الآفات التي تتولد عن العجب.
آفات خطيرة جدًا؛ ولذلك نحتاج إلى أن ننزع هذا العجب ونرميه ونتخلص منه حتى لا نقع في هذه الآفات المؤدية في النهاية إلى القدح في الاجتماع البشري.
[المذيع]: القدح في الاجتماع البشري، حسنًا، دعنا نعرف تفصيل أو معنى هذه العبارة بعد الفاصل يا سيدنا، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
العُجب بالكثرة يوم حنين وكيف قدح في الاجتماع البشري
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، وحلقة اليوم عن العُجب. مولانا، قبل أن نذهب إلى الفاصل، فضيلتكم قلتم لنا أن العُجب يؤدي إلى القدح في الاجتماع أو في الإجماع البشري؟
[الشيخ]: طبعًا، هذا الذي أخذته من سورة التوبة، والله سبحانه وتعالى ينعي على المسلمين الأتقياء الأنقياء - جيل الصحابة - وفي وسطهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أعجبتهم كثرتهم، نعم.
يوم حنين في سورة التوبة يقول:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]
يا ساتر! صحيح!
النصر من عند الله لا من الكثرة والشعور بالقوة الذاتية يفسد الإيمان
إذن من أين جاء النصر؟ إن ربنا يقول:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25]
يعني نصركم أيضًا يوم حنين، فالله سبحانه وتعالى نصرهم من عنده وليس من كثرتهم. فلما أن شعروا بالكثرة، ما معنى ذلك؟ أننا أقوياء، نحن سنحضره، نحن نحن، لا نُهزم اليوم من قلة، نحن كثيرًا.
بدأنا، ها قد بدأنا، فإذا نحن دخلت [النفس الأمارة بالسوء]؛ ولذلك سموها النفس الأمارة بالسوء. «نحن» دخلت، لا يوجد «بعون الله»، لا يوجد «بإذن الله».
الفرق بين التلفظ بالكلمات الإيمانية والشعور الحقيقي بها في القلب
وهناك أناس يستهينون هكذا ويقولون لك: يعني هل هذه الكلمة هي التي ستفعل؟ لا، ليست الكلمة، [بل] الإيمان، الشعور، الالتجاء، المناجاة، إنك تكون مع الله فعلًا، إنك أنت تشعر بالمنة والنعمة فعلًا.
وليس أنك تقول بلسانك «إن شاء الله» و«بعون الله» وما إلى ذلك وهي فارغة من المضمون. هذه الكلمة كلمة إيمانية فلا بد أن تعيش فيها وليس أن تتلفظ بها.
فإذن العجب هو من أمراض القلوب وليس من أمراض الألسنة أو العقول أو كذا، هذا شيء في القلب في النفس.
العُجب يقدح في الاجتماع البشري ويقطع اتصال الأفراد ببعضهم وبالله
فالله سبحانه وتعالى نعى علينا هذا وهذا يقدح في الاجتماع البشري. الاجتماع البشري الذي هو ماذا؟ إننا لو كنا كجماعة، جماعة هو الاجتماع البشري، ها هم مجتمعون.
وهذا الاجتماع البشري إذا التجأ إلى الله فإن الله ناصره:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
فإذا هذه الحالة من العُجب تؤدي إلى قطع اتصال الأفراد بعضهم ببعض، وتؤدي إلى عدم نظر الله إلى الجماعة فتتفكك.
ولذلك كان العُجب قادحًا في الاجتماع البشري. إذا أردنا أن يكون مجتمعنا مجتمعًا رائقًا فائقًا متقدمًا زاهيًا زاهرًا، يبقى لا بد علينا القضاء على العُجب في قلوبنا.
ورود النهي عن العُجب في القرآن والسنة بالمعنى وباللفظ
[المذيع]: هل يا سيدنا العجب يأتي في النهي باستخدام كلمة عجب (العين والجيم والباء)؟ أم يمكن أن يأتي في الأحاديث والآيات بمعانٍ أخرى؟ هل يمكن أن يأتي بالمعنى وليس باللفظ؟
[الشيخ]: قال تعالى مثلًا:
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحشر: 2]
لما قال الله سبحانه وتعالى مثلًا في الكهف:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
أي مثلًا، فكل هذا فيه نوع من أنواع العجب.
النهي عن تزكية النفس وحديث ثلاث مهلكات في ذم العُجب
لما الله سبحانه وتعالى ينهانا ويقول:
﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]
يكون هذا نهيًا عن العجب ولكنه لم يستعمل العين والجيم والباء بالذات، يعني «أعجب بنفسه» أو «أعجب» أو «إعجاب المرء بنفسه».
لكن في الحديث مثلًا أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
قال النبي ﷺ: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه»
الشح المطاع: البخل، البخل، عدم الإنفاق في سبيل الله. وهوى متبع: ليس المتبع كتاب الله وسنة رسوله، ليس المتبع أمر الله ونهيه، لا، إنه الهوى الذي أريده. وإعجاب كل ذي رأي برأيه، أو إعجاب المرء بنفسه، وهنا كلمة إعجاب ظهرت، نعم، التي هي بالعين والجيم والباء.
حديث النبي في التحذير من الهوى المتبع والعجب والشح وعدم اتباع العامة
يعني نعم، ولذلك لا يمكن أن يرد المعنى ويمكن أن يرد اللفظ. والنبي عليه الصلاة والسلام قال صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إذا رأيت هوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وشحًا مطاعًا، ودنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»
يعني لا تطع الناس في هذه الآفات حتى ولو انتشرت.
قال النبي ﷺ: «لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، وطِّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا»
فإن أساءوا فلا تظلموا.
قول ابن مسعود في أن القنوط والعُجب هما مفتاحا الهلاك
نعم، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: الهلاك في اثنتين، الهلاك في اثنتين، هاتان الاثنتان هما اللتان سيهلك بهما الإنسان، وهما اللتان حذر منهما ابن مسعود ورأى أنهما مفتاحا الهلاك.
[المذيع]: نعم، ما هما؟
[الشيخ]: القنوط والعجب. القنوط، القنوط بالطاء، بالطاء ليس بالتاء، لا، بالطاء معناها اليأس من رحمة الله:
﴿لَا يَايْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [يوسف: 87]
والعجب؛ لأنه نسيان الله. يعني إما أنك تتذكر ربنا وتيأس منه - لا -:
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»
فلا بد أن يكون ظنك في الله حسنًا وأن يكون عندك نوع من أنواع الحب والرجاء في وجه الله سبحانه وتعالى.
التحذير من القنوط والعُجب معاً وخطورة اليأس من رحمة الله
القنوط والعجب هما اللذان يراهما ابن مسعود أنهما سبب البلاء والهلاك كله. فاحذر أيها المسلم أن تيأس من رحمة الله.
نسمع أحدهم يقول: إنني أدعو كثيرًا وربنا [لا يستجيب]، احذر أن تقول هكذا، فإن دعاءك مدخر ودعاؤك عبادة، ودعاؤك شيءٌ جميل، وهكذا.
قول أحد الصالحين أن النوم مع الندم أفضل من القيام مع العُجب
ولذلك كان أحد الصالحين كما وَرَدَ يقول:
«لأن أبيتَ نائمًا وأصبحَ نادمًا أحبُّ إليَّ من أن أبيتَ قائمًا وأصبحَ مُعجَبًا»
الله! نعم، يعني أنا سأنام وفاتتني صلاة الليل، ولم أقم لصلاة الليل ولن أقوم للصلاة ولن أفعل، لكن وأنا مستيقظ في الصباح وأقول: بسم الله، والله أريد أن أقوم لصلاة الفجر نادمًا على ما قصرت في حق الله سبحانه وتعالى.
نعم، هذا أفضل من أن أقوم في الليل وأذهب مثل الديك الشركسي إلى المسجد لأصلي الفجر وأنا معجب بنفسي، آه، أنا طوال الليل قائم، أنا طوال الليل قائم، آه، فهذا لا، دعنا نتجنبه.
الندم بعد الذنب عبادة والعُجب بعد الطاعة معصية تبطلها
دعنا نتجنب هذا المعنى، وهذا الذنب سيء والإثم سيء، لكن الندم الذي يظهر في قلب المؤمن بعد الذنب أفضل من العجب الذي يأتي بعد الطاعة فيبطلها، ما شاء الله.
انتبه انتبه! لأن بعض الناس يقولون لك: كيف ذلك؟ أليس من الأفضل أن أعمل الخير ثم أعجب به بدلًا من أنني عندما أقع في الذنب؟ قال: لا، إن الندم هو عبادة، لكن العجب هو معصية حقيقية، فانتبه جيدًا؛ لأن هذه من حيل الشيطان الدقيقة.
خاتمة الحلقة والعُجب والكبر وجهان لعملة واحدة ووعد بالحلقة القادمة
[المذيع]: جميل، نعم، كان لدينا سؤال يا سيدنا عن أقسام العجب، يمكننا ضمه في الحلقة القادمة مع الكبر، إذ إن العجب والكبر مرتبطان، فهما وجهان لعملة واحدة.
[الشيخ]: الحقيقة تعني وجهان لعملة واحدة، نعم، العجب والكبر وجهان لعملة واحدة، مثل الجنيه، تنظر إليه من هنا تجد وجهًا ومن هناك [تجد وجهًا آخر]، لكنه جنيه واحد، صحيح، مثل الملك والكتابة وجهين لعملة واحدة.
[المذيع]: الوقت مع فضيلتك يجري يا مولانا، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد من فضيلته وعلى هذا العلم، على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما هي حقيقة العجب كما عرّفها العلماء؟
استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم
ما أول آفة يولّدها العجب في القلب؟
الكبر
ما الذي قاله النبي ﷺ عمّن كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر؟
لا يدخل الجنة
ما الثلاث المهلكات التي ذكرها النبي ﷺ في حديث الطبراني؟
الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه
ما الذي حدث للصحابة يوم حنين بسبب إعجابهم بكثرتهم؟
ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وولّوا مدبرين
ما الذي رآه ابن مسعود رضي الله عنه مفتاحَي الهلاك؟
القنوط والعجب
ما معنى القنوط الذي حذّر منه ابن مسعود؟
اليأس من رحمة الله
ما الذي قاله أحد الصالحين مفضّلًا النوم مع الندم على القيام مع العجب؟
لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا
ما الفرق بين الفرح بنعمة الله والعجب بها؟
الفرح بنسبة النعمة لله مشروع، والعجب بنسبتها للنفس مذموم
ما الذي يُسمّيه العلماء الإدلال في سياق العجب؟
نسبة النعمة إلى الجهد الذاتي لا إلى الله
ما الذي يحدث للقلب حين يستهين الإنسان بذنوبه ويستحلها بسبب العجب؟
يسودّ ويقسو فلا يستمع إلى الموعظة
ما الذي يُعدّ ضد العجب وعلاجه وفق ما ورد في المحتوى؟
نسبة الأمر إلى الله والحمد والشكر
ما ضد العجب الذي أمر به الإسلام؟
ضد العجب هو نسبة الأمر إلى الله سبحانه وتعالى والحمد والشكر، والشعور بأن كل نعمة من فضل الله لا من حول الإنسان وقوته.
ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله في سياق العجب؟
هي كنز من كنوز العرش وتعني أن الإنسان لا يملك حولًا ولا قوة من نفسه، وهي ضد العجب الذي ينسب النعمة إلى الجهد الذاتي.
ما الآية القرآنية التي تأمر بالتحدث بنعمة الله دون أن يكون ذلك عجبًا؟
قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدّث، وهي تأمر بالتحدث بالنعمة شكرًا لله لا افتخارًا بالنفس.
ما الآية التي تنهى عن تزكية النفس وتُعدّ نهيًا عن العجب؟
قوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى، وهي نهي عن العجب وإن لم تستعمل لفظ العجب صراحة.
كيف يؤدي العجب إلى أمن مكر الله؟
العجب يؤدي إلى نسيان المنعم، فإذا نسي الإنسان الله أنساه الله نفسه، فيظن أن الله سيكرمه دائمًا دون سبب وهذا هو أمن مكر الله.
ما الحديث القدسي الذي يدل على وجوب حسن الظن بالله في مقابل القنوط؟
قال الله تعالى في الحديث القدسي أنا عند ظن عبدي بي، وهو يدل على أن حسن الظن بالله واجب وأن القنوط واليأس من رحمته محرّم.
لماذا يُعدّ العجب مرض القلب لا مرض اللسان؟
لأن العجب شعور داخلي في النفس يتعلق بنسبة النعمة للذات، وليس مجرد كلمات تُقال باللسان، فالتلفظ بالكلمات الإيمانية دون الشعور بها لا ينفع.
ما الذي يعنيه قوله تعالى نسوا الله فنسيهم في سياق العجب؟
يعني أن من نسي الله بسبب العجب وانشغل بنفسه أنساه الله نفسه، فضاع وانقطع عن الهداية والتوفيق.
ما الشرط الذي وضعه القرآن لنصر الجماعة في قوله إن تنصروا الله ينصركم؟
الشرط هو نصرة الله بالالتجاء إليه وترك العجب والاعتماد على الكثرة والقوة الذاتية، فالنصر من الله لا من العدد.
ما الفرق بين الندم والعجب من حيث الأثر على العمل الصالح؟
الندم بعد الذنب عبادة تقرّب من الله، بينما العجب بعد الطاعة معصية تبطل تلك الطاعة وتُفسدها.
ما معنى حديث لا يكن أحدكم إمعة؟
الإمعة هو من يتبع الناس في كل شيء فيقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت، والنبي ﷺ نهى عن ذلك وأمر بالاستقلالية في الحق.
ما العلاقة بين العجب والكبر وفق ما قرره العلماء؟
العجب والكبر وجهان لعملة واحدة، فالعجب هو المنشأ الداخلي والكبر هو الظهور الخارجي، وقد أفرد الغزالي للكبر بابًا مستقلًا في إحياء علوم الدين.
ما الذي يعنيه قوله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا في سياق العجب؟
تعني أن هؤلاء يظنون أنهم يعملون الخير وهم في الحقيقة يُسيئون، وهذا نوع من العجب الذي يعمي صاحبه عن رؤية حقيقة أعماله.
ما الذي يحدث للاجتماع البشري حين يسود العجب في المجتمع؟
يؤدي العجب إلى قطع اتصال الأفراد بعضهم ببعض وانقطاع الجماعة عن الله، فتتفكك وتضعف ولا ينصرها الله.
ما الدعاء المدخر الذي ذُكر في سياق التحذير من القنوط؟
ذُكر أن دعاء المسلم مدخر وعبادة حتى لو لم يُستجَب له فورًا، فلا يجوز أن يقول إنه يدعو كثيرًا ولا يُستجاب له ويقنط من رحمة الله.
