كيف أطهر قلبي من أمراض القلوب كالغرور والكبر والرياء وما علاجها؟
تطهير القلب من أمراض القلوب كالغرور يكون بثلاثة أمور: العقل الذي يمنع الإنسان من الأخطاء، والمعرفة التي تُعرّفه بضعفه أمام الله فيبتعد عن الغرور، والعلم الحقيقي الذي يدلّ على الله. يُضاف إلى ذلك مراقبة القلب من الكبر والحسد والرياء، ومناجاة الله والتوجه إليه، والجمع بين حسن الظن بالله والعمل الصالح.
- •
هل يكفي أن تقول قلبي أبيض دون عمل صالح، أم أن هذا هو عين الغرور الذي حذّر منه النبي ﷺ؟
- •
الغرور من أمراض القلوب الشائعة المستوطنة، وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى عن شبهة فاسدة.
- •
أصناف المغترين عند الإمام الغزالي ثلاثة: من اغترّ بعلمه، ومن اغترّ بعمله الظاهر مع إهمال قلبه، ومن اغترّ بوعظه دون تطبيقه على نفسه.
- •
الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل الصالح، فمن أحسن الظن بالله أحسن العمل، ولا يجوز الأمن من مكر الله.
- •
أمراض القلوب وشفاؤها يرتكز على ثلاثة أمور: العقل الذي يعقل الإنسان عن الخطأ، والمعرفة التي تُعرّفه بنفسه وربه، والعلم الذي يدلّ على الله.
- •
مناجاة الله والجلوس معه سبحانه تصنع أثرًا كبيرًا في القضاء على الغرور، وحين يزول الغرور تدخل الأنوار في القلب.
- 0:07
مقدمة الحلقة بتناول موضوع الغرور من أمراض القلوب استنادًا إلى الآية القرآنية وكتاب إحياء علوم الدين.
- 0:54
الغزالي ينبّه على الغرور والكبر ضمن أمراض القلوب في باب التخلية، والمغرور لا يستمع لأحد كالشيطان.
- 1:46
الفرق اللغوي بين الغُرور والغَرور، والدنيا تخدع الإنسان بزينتها الفانية كما يخدعه الشيطان.
- 2:42
الدنيا فانية لم تدم لأحد، والأماني الكاذبة تُغرق الإنسان في الغرور بتوهّمه الخير دون عمل.
- 3:20
النبي ﷺ داوى الحماقة بالنهي عن الغرور، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
- 3:49
الغرور تعريفه سكون النفس للهوى عن شبهة فاسدة، وهو من أمراض القلوب الشائعة المستوطنة بين الناس.
- 4:26
أنواع الغرور: غرور الكفار الأشد، وغرور العصاة الذين يتفاخرون بمعاصيهم ظنًا أنها محمودة.
- 5:17
الرجاء في رحمة الله يجب أن يقترن بالخوف من مقامه، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
- 6:05
الاعتماد على بياض القلب دون عمل هو تمنٍّ على الله الأماني، والرجاء الحقيقي لا يعني الإملاء على الله.
- 6:37
الأمن من مكر الله خسارة، والرجاء الحقيقي مقرون بالعمل الصالح لا بالتمني والتواكل.
- 7:31
الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل الصالح، فمن جمع الرجاء مع العمل نال الأجر ومن اكتفى بالأماني وقع في الغرور.
- 8:06
حديث النبي ﷺ يكشف أن حسن الظن الحقيقي بالله يستلزم حسن العمل، ومن ادّعاه دون عمل فهو مغرور.
- 8:41
مثال الساعة المعطلة يوضح أن القلب الذي لا يُنتج عملًا صالحًا كالساعة الفاسدة التي تحتاج إلى إصلاح.
- 9:20
أمراض القلوب وشفاؤها من الغرور يكون بالجمع بين حسن الظن بالله والعمل الصالح، وإلا كان الغرور خادعًا.
- 10:16
الغزالي يصف أصناف المغترين في إحياء علوم الدين وصفًا ينطبق على كل عصر، وأسباب التمني متعددة.
- 11:02
الفرقة الأولى من المغترين اغترّت بعلمها وأهملت العمل، ظانّةً أن العلم وحده يكفي للنجاة.
- 11:32
الفجوة بين علم الدين والتديّن تُفضي إلى غرورين: عالم يهمل التديّن، ومتديّن يدّعي العلم.
- 12:18
الفرقة الثانية أتقنت العمل الظاهر لكن أهملت مراقبة القلب فدخله الكبر والحسد والرياء من أمراض القلوب.
- 13:26
الفئة الثالثة اغترّت بوعظها ظانّةً أن الدعوة إلى الفضيلة تعني التحلّي بها، والصواب البدء بالنفس أولًا.
- 14:11
مناجاة الله والجلوس معه سبحانه من أهم علاجات الغرور، وقد حُرم منها كثيرون في العصر الحاضر.
- 15:06
الغزالي ذكر ضمن أصناف المغترين من يتصدق علنًا طلبًا للمحافل ويكره الصدقة السرية.
- 15:41
الإرشاد إلى قراءة إحياء علوم الدين والعيش معه لأنه برنامج عمل شامل قرأه بعض العلماء ستين مرة.
- 16:11
علاج الغرور يبدأ بصحة الهمة وحب الوصول إلى الحق، ثم يقوم على ثلاثة أمور: العقل والعلم والمعرفة.
- 17:00
العبد ينجو من الغرور بالعقل والعلم والمعرفة، والعقل فطرة غريزية كنور في القلب يمنع الأخطاء.
- 17:53
العقل أساس السعادات والقلب يتحكم فيه، فإذا علا القلب على العقل والعقل على السلوك زال الغرور.
- 18:46
المعرفة تُبعد عن الغرور لأن من عرف ضعفه وفنائه عرف قوة الله وبقاءه فغلب حب الله على قلبه.
- 19:43
العلم الحقيقي هو الذي يدلّ على الله لا مجرد معلومات، وهو الركن الثالث في علاج الغرور من أمراض القلوب.
- 20:39
ثمرة العقل والمعرفة والعلم زوال الغرور ودخول الأنوار في القلب، وهو الهدف النهائي من تخلية القلب.
ما هو الغرور وما مواصفاته وما علاقته بأمراض القلوب؟
الغرور من أمراض القلوب التي حذّر منها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. وهو من الموضوعات التي يتناولها كتاب إحياء علوم الدين في باب تخلية القلب من القبائح، إلى جانب الوسواس والكذب والغيبة والرياء والكبر.
ما علاقة الغرور بأمراض القلوب وما موقع الغزالي منه؟
الغرور من أمراض القلوب التي نبّه عليها الإمام الغزالي في باب التخلية، أي تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح، إلى جانب الوسواس والكذب والغيبة والرياء والكبر والفخر. والإنسان المغرور لا يستمع إلى أحد، ولذلك كان من أسماء الشيطان الغَرور.
ما الفرق بين الغُرور والغَرور وكيف تخدع الدنيا الإنسان؟
الغَرور بفتح الغين هو الشيطان لأنه يَغُرّنا ويؤدينا إلى الغُرور بضم الغين. والدنيا تَغُرّ الإنسان بمعنى تخدعه، ومن ذلك قول الزاهد: يا دنيا غُرّي غيري، أي ابحثي عن شخص آخر تخدعيه لأنني أعرف حقيقتك أنك فانية زائلة.
كيف تخدع الدنيا الإنسان وما دور الأماني في الغرور؟
الدنيا تخدع الإنسان لأنها فانية زائلة لم تدم لأحد، والله ينزعها من يد ويضعها في يد أخرى. والأماني أيضًا تجعل المرء مغرورًا في نفسه كما قال تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، إذ يتوهم الإنسان الخير لنفسه دون أساس حقيقي.
كيف داوى النبي ﷺ الحماقة والغرور؟
النبي ﷺ داوى الحماقة بأن نهانا عن الغرور، وقال: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على الله» وهو غير راضٍ أن يعمل. فالكيّس يحاسب نفسه ويعمل، والأحمق يتمنى دون عمل.
ما تعريف الغرور وهل هو من أمراض القلوب الشائعة؟
الغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى والشهوة ويميل إليه طبع الإنسان، وبذلك يُخدع الإنسان من الشيطان. ومن اعتقد أنه على خير بناءً على شبهة فاسدة فهو مغرور. وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون، لذا فالغرور من أمراض القلوب الشائعة المستوطنة.
ما أنواع الغرور وما حكم التفاخر بالمعصية؟
أشد أنواع الغرور هو غرور الكفار الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، ثم غرور العصاة والفساق الذين لا يرون في معاصيهم غضاضة بل يتفاخرون بها. والتفاخر بالمعصية خطأ شرعي لأن المعصية نكد وليست شيئًا محمودًا.
ما التوازن المطلوب بين الرجاء في رحمة الله والخوف من مقامه؟
الرجاء في رحمة الله مطلوب، لكن لا بد أن يكون وجهه الثاني الخوف من مقام الله وهيبته، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. وقال الله في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»، فيجب أن نظن فيه المغفرة والرجاء وأيضًا أنه حكيم عزيز.
هل يصح أن يقول الإنسان قلبي أبيض ويترك العمل معتمدًا على رحمة الله؟
لا يصح ذلك، فقول الإنسان قلبي أبيض مع ترك العمل هو تمنٍّ على الله الأماني. نرجو الله أن يغفر له، لكن الرجاء الحقيقي لا يعني الإملاء على الله، بل نحن نرجو الله ولسنا نملي عليه.
لماذا لا يجوز الأمن من مكر الله والاكتفاء بالتمني دون عمل؟
لا يجوز الأمن من مكر الله لأن الله قال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقد قرن الله الإيمان بالعمل، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، فالرجاء إنما هو في رحمة الله عند العمل لا عند التواكل.
ما الفرق بين الأماني والرجاء وما دور العمل في التمييز بينهما؟
الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل؛ فمن كان في رجاء وعمل في آنٍ واحد فالله يجازيه خيرًا. أما من يجلس مستقرًا يقول قلبي أبيض دون عمل فقد غرّه بالله الغرور، وهذا هو عين الأماني التي حذّر منها القرآن.
ما معنى حديث النبي ﷺ: لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل؟
النبي ﷺ قال: «إن قومًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نحسن الظن بالله»، ثم قال: «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل». أي أن حسن الظن الحقيقي بالله يستلزم حسن العمل، فمن ادّعى حسن الظن وأهمل العمل فهو مغرور لا محسن ظن.
ما مثال الساعة المعطلة وما دلالته على العلاقة بين القلب والعمل؟
ضرب العلماء مثلًا بالساعة التي لا تعمل عقاربها، فقلبها فاسد ولا بد من إصلاحه. كذلك الإنسان الذي يدّعي بياض قلبه دون عمل كالساعة الفارغة البطارية التي لا تتحرك، فلا بد من إصلاح القلب بالعمل.
كيف يكون شفاء القلب من الغرور وما علاقة العمل بذلك؟
شفاء القلب من الغرور يستلزم الجمع بين حسن الظن بالله والعمل الصالح، فمن ادّعى بياض قلبه دون عمل فهناك غرور يخدعه وشيطان يضلّله. أما من أحسن الظن وأحسن العمل فقد سلك طريق أمراض القلوب وشفاؤها الحقيقي.
ما أسباب التمني التي تجعل الناس مغرورين وما أصناف المغترين عند الغزالي؟
ذكر الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين أن المغترين أصناف كثيرة، ووصف حالًا مستمرة تنطبق على كل عصر. وأسباب التمني تتنوع بحسب ما يغترّ به الإنسان من علم أو عمل أو وعظ أو مال.
كيف يقع العالم في الغرور باغتراره بعلمه وما خطورة ذلك؟
الفرقة الأولى من المغترين هم الذين أتقنوا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا النظر في أفعالهم، فلم يحفظوا جوارحهم عن المعاصي. اغترّوا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يُعذَّب مثلهم، وهذا ممنوع في الدين لأن العلم يجب أن يكون دافعًا للتديّن.
ما الفجوة بين علم الدين والتدين وكيف تُفضي إلى الغرور؟
هناك فجوة كبيرة بين علم الدين والتديّن؛ فالمتديّن قد يظن نفسه عالمًا وهذا خطأ، والعالم قد لا يكون على التديّن الكافي وهذا خطأ أيضًا. ومن يقول أنا عالم دين فأنا في الجنة سواء عملت أم لا فهو واقع في الغرور، وهذا يُفضي إلى مصيبتين: عالم غير متديّن، ومتديّن يظن نفسه عالمًا.
كيف يقع المتعبد في أمراض القلوب رغم إتقانه العمل الظاهر؟
الفرقة الثانية من المغترين أتقنوا العلم وعملوا به وواظبوا على الطاعات الظاهرة، لكنهم لم يراقبوا قلوبهم ولم يُطبّقوا التخلية والتحلية. فدخل قلوبهم الكبر والحسد والرياء وطلب العلوّ، وقد قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم.
كيف يقع الواعظ في الغرور رغم دعوته الناس إلى الخير؟
الفئة الثالثة من المغترين اشتغلوا بالوعظ والتذكير والكلام في الأخلاق والزهد، لكنهم ظنوا أن مجرد الدعوة إلى الفضائل يجعلهم موصوفين بها. والصحيح أن على الواعظ أن يبدأ بنفسه أولًا ثم بمن يعول، فهناك فِرَق كثيرة من الغرور: من اغترّ بعلمه، ومن اغترّ بعمله، ومن اغترّ بوعظه.
كيف تُعالج مناجاة الله الغرور وما أثرها في القلب؟
مناجاة الله شيء مهم جدًا في علاج الغرور، وهي أن يجلس الإنسان مع الله ويتوجه إليه طالبًا التوفيق ألّا يتكبر ولا ينسى. وقد حُرم الناس من المناجاة في العصر الحاضر لكثرة الأحداث، والجلوس مع الله والعيش معه يصنع أثرًا كبيرًا في القضاء على الغرور.
هل ذكر الغزالي الغرور بالمال والصدقة العلنية ضمن أصناف المغترين؟
نعم، ذكر الغزالي أن من المغترين فرقة تنفق الأموال في الصدقات على المساكين لكنها تطلب بذلك المحافل الجامعة وتكره التصدق في السر. فهم يتصدقون علنًا بكميات كبيرة لكنهم لا يتصدقون في السر، وهذا نوع من الغرور بالعمل الظاهر.
لماذا يُرشد الغزالي إلى قراءة كتاب إحياء علوم الدين والعيش معه؟
كتاب إحياء علوم الدين يصف أصنافًا كثيرة من المغترين بتفصيل لا تتسع له دقائق البرنامج، ولذلك يُرشد الناس إلى الرجوع إليه والعيش معه. وقد كان العلماء قديمًا يُخلّصونه ثم يذاكرونه مرة أخرى، ومنهم من قرأه أربعين مرة ومنهم من قرأه ستين مرة لأنه برنامج عمل جميل.
ما أساليب علاج الغرور وما دور الهمة في ذلك؟
هناك أساليب كثيرة لعلاج الغرور، وأولها صحة الهمة؛ فإذا فترت همة الإنسان في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر، أما إذا صحّ حبه للشيء اهتدى إلى الحيل التي توصله إلى المطلوب. والعلاج الجامع يقوم على ثلاثة أمور: العقل والعلم والمعرفة.
ما الأمور الثلاثة التي ينجو بها العبد من الغرور وما معنى العقل فيها؟
العبد ينجو من الغرور بثلاثة أمور: العقل والعلم والمعرفة. والعقل سُمّي عقلًا لأنه يمنع الإنسان من فعل الأخطاء ويعقله عنها، كالعقال الذي يثبّت الغترة. والعقل فطرة غريزية كنور في القلب يدرك به الإنسان حقائق الأشياء.
كيف يكون العقل أساس السعادات وما علاقة القلب به في التخلص من الغرور؟
العقل هو أساس السعادات كلها لأنه أساس التكليف، وهو الذي يتحكم في السلوك. والقلب هو الذي يتحكم في العقل، فلا بد أن يعلو القلب على العقل والعقل يعلو على السلوك، ولو حدث ذلك يتخلص الإنسان من الغرور. ودرجات الإنسان في الجنة على قدر عقله.
كيف تُعالج المعرفة الغرور وما معنى من عرف نفسه عرف ربه؟
المعرفة تُعالج الغرور لأن من عرف نفسه عرف ربه؛ فمن عرف أنه ضعيف عرف أن الله قوي، ومن عرف أنه فقير محتاج عرف أن الله غني، ومن عرف أنه فانٍ عرف أن الله باقٍ. وإذا عرف الإنسان هذه الحقائق ابتعد عن الغرور وغلب حب الله على قلبه.
ما الفرق بين العلم الحقيقي والمعلومات وكيف يُعالج العلم الغرور؟
العلم الحقيقي في لغة القرآن هو الذي يدلّك على الله، أما أي معرفة لا تدلّ على الله فهي مجرد معلومات وليست علمًا. فالطبيب الجرّاح الذي يرى في كل ما يكتشفه دليلًا على عظمة الله ويقول سبحان الله هو صاحب علم حقيقي. وهذا العلم الذي يُسند إلى الله هو الذي يُعالج الغرور ضمن أمراض القلوب وشفاؤها.
ماذا يحدث للقلب عند زوال الغرور وما ثمرة العقل والمعرفة والعلم؟
عند زوال الغرور بالعقل والمعرفة والعلم تدخل الأنوار في القلب. هذه الأمور الثلاثة تُبعد الإنسان عن الغرور وتُخلّيه عنه، وثمرتها النهائية هي قلب مضيء بنور الله بعيد عن ظلمة الغرور والكبر.
أمراض القلوب وشفاؤها من الغرور يكون بالعقل والمعرفة والعلم الحقيقي الذي يدلّ على الله مع العمل الصالح.
أمراض القلوب كالغرور والكبر والحسد والرياء من أخطر الآفات التي حذّر منها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين، وأكثرها انتشارًا الغرور الذي عرّفه بأنه سكون النفس إلى ما يوافق الهوى عن شبهة فاسدة. وقد نبّه الغزالي إلى أن أصناف المغترين كثيرة، منهم من اغترّ بعلمه فأهمل العمل، ومنهم من أتقن العمل الظاهر وأهمل مراقبة قلبه.
شفاء أمراض القلوب وعلاج الغرور يرتكز على ثلاثة أمور: العقل الذي هو فطرة غريزية كنور في القلب يمنع الإنسان من الأخطاء، والمعرفة التي تُعرّف الإنسان بضعفه فيعرف قوة الله فيبتعد عن الغرور، والعلم الحقيقي الذي يدلّ على الله لا مجرد معلومات. ويُضاف إلى ذلك مناجاة الله والجمع بين حسن الظن به والعمل الصالح، إذ الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل.
أبرز ما تستفيد منه
- الغرور من أمراض القلوب الشائعة وهو سكون النفس للهوى عن شبهة فاسدة.
- الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل الصالح، فمن أحسن الظن أحسن العمل.
- علاج الغرور ثلاثة: العقل والمعرفة والعلم الذي يدلّ على الله.
- حين يزول الغرور تدخل الأنوار في القلب ويغلب حب الله عليه.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن الغرور
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: تحدثنا في سبع حلقات سابقة يا مولانا عن كتاب إحياء علوم الدين وعن أمور منها البعد عن الغيبة والنميمة إلى آخره. اليوم إن شاء الله يا سيدنا نريد أن نصل إلى موضوع الغرور. ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]
ما هو الغرور وما هي مواصفاته؟
تخلية القلب من القبائح وتنبيه الغزالي على آفات النفس والغرور
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في دور التخلية - تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح - نبّهنا الإمام الغزالي عن قضية الوسواس، وعن قضية الكذب، وعن قضية الغيبة والنميمة، وعن قضية السخرية والاستهزاء، وعن قضية الرياء والفحش والبذاءة.
وينبّهنا أيضًا فيما ينبّهنا على الغرور والكبر والفخر. هذا والإنسان إذا كان عنده غرور - والعياذ بالله تعالى - فإنه لا يستمع إلى أحد؛ ولذلك الشيطان كان من أسمائه الغَرور.
الفرق بين الغُرور والغَرور ومعنى خداع الدنيا للإنسان
الغَرور وهي التي وردت في الآية التي تفضلتم بها:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]
الغَرور الذي هو الشيطان هنا؛ لأنه هنا فرق بين غُرور بضم الغين وغَرور [بفتحها]، وهو غَرور لأنه يَغُرّنا ويؤدينا إلى الغُرور أيضًا. فهو غُرور الدنيا، كيف تكون تَغُرّني؟ يعني تخدعني.
يا دنيا غُرّي غيري! وفي عبارة "غُرّي غيري" نوع من أنواع المحسّنات البديعية جميلة؛ لأنها نفس الحروف لكن ترتيبها مختلف: غَرِّي غَيْري، غَرِّي غَيْري.
[المذيع]: سمّوه جناس تقريبًا يا مولانا، هذا ناقص يعني محرَّف.
[الشيخ]: نعم، محرَّف وليس تامًّا.
حقيقة الدنيا الفانية وخداعها للإنسان وزوالها عن كل أحد
نعم، طيب. يا دنيا غَرِّي غَيْري، يعني ابحثي لك عن شخص غيري تغرينه؛ لأنني أعرف حقيقتك: أنكِ إلى زوال، أنكِ فانية، أنكِ لا تساوين شيئًا، أنكِ لم تبقي ولم تدومي لأحد، بل ينزعك الله من يد هذا ويضعك في يد هذا.
إن أمرك ليس بيدك يا دنيا، وإنه في النهاية سيكون موت حقيقي. فقال تعالى:
﴿وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ﴾ [الحديد: 14]
الأماني أيضًا ماذا تفعل بالمرء؟ تجعله مغرورًا في نفسه.
حديث الكيّس من دان نفسه وعلاج الحماقة بالنهي عن الغرور
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:
قال النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على الله» وهو غير راضٍ أن يعمل.
[المذيع]: نعم، لكل داء دواء يُستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها.
[الشيخ]: صحيح، وكان بعض مشايخنا يقول: حتى الحماقة وجدت من يداويها، وجدت من يداويها؛ لأن سيدنا صلى الله عليه وسلم داوى الحماقة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: داوى الحماقة بأن نهانا عن الغرور.
تعريف الغرور وكونه من الأمراض الشائعة المستوطنة بين الناس
فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى والشهوة ويميل إليه طبع الإنسان، وبذلك نُخدع من الشيطان. فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل وإما في الآجل، وكان اعتقاده هذا عن شبهة فاسدة، فهو مغرور.
إذن، وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون في هذا. أكثر الناس إذن عندهم الغرور، فالغرور من الأمراض الشائعة المستوطنة.
[المذيع]: صحيح.
أنواع الغرور: غرور الكفار وغرور العصاة والفساق
أما أنواع الغرور فأشد الغرور هو غرور الكفار - أعوذ بالله - وغرور العصاة والفساق الذين لا يرون فيما يفعلون أي غضاضة.
أما غرور الكفار فأشار إليه قوله تعالى:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 86]
أما غرور العصاة فربنا كريم، وليس على العاصي والفاسق أن يفتخر بمعصيته. وهكذا فلا ينبغي لأحدهم أن يتفاخر بالمعصية. كثير من الناس تتفاخر بالمعصية وترى أن المعصية إنما هي شيء محمود، وهذا ليس صحيحًا. المعصية نكد.
التوازن بين الرجاء في رحمة الله والخوف من مقامه سبحانه
الرجاء في وجه الله مطلوب، كل شيء، ولكن هذا الرجاء لا بد أن يكون وجهه الثاني هو الخوف. فلا بد من أن يعرف العاصي أنه مع أن الله كريم ونرجو رحمته، ولكن الله سبحانه وتعالى أيضًا له رهبة وله هيبة.
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»
فلا بد أن نظن فيه خيرًا وأن نظن فيه المغفرة والرجاء، وأيضًا أن نظن فيه أنه حكيم وأنه عزيز.
قال النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»
الرد على من يقول قلبي أبيض ويتمنى على الله دون عمل
[المذيع]: جميل سيدنا، الحديث الذي تفضلت به فضيلتك والذي هو «أنا عند ظن عبدي بي»، في بعض الناس يقولون - وهذا ما نراه للأسف في مجتمعنا - يقول: أنا قلبي أبيض وأنا أعلم أن ربك رب قلوب، وأنا متأكد أن الله كريم، مهما كنت أرتكب المعاصي فأنا أرجو رحمته، الله سيغفر لي، لا شأن لكم بهذا الأمر، ربي هو رب القلوب وقلبي أبيض.
[الشيخ]: نرجو الله سبحانه وتعالى أن يغفر له.
[المذيع]: آمين يا رب.
[الشيخ]: ولكن هذا تَمَنٍّ على الله الأماني.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ما زلنا نقوله: نحن نرجو الله ولسنا نملي عليه.
التحذير من التمني على الله والأمن من مكره دون عمل صالح
لا، عندما يقول لي: أنا قلبي أبيض ودعني مع ربي، حاضر تفضل مع ربك وأنت قلبك أبيض وكل شيء، ولكنك هكذا تمنيت على الله الأماني.
على فكرة، وأنا عندما أعلِّم أولادي سأقول لهم: إياكم أن تفعلوا هكذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى:
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]
فكيف أأمن مكر الله؟ فلا بد من العمل. وربنا قرن الإيمان بالعمل:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَـٰهَدُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُولَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 218]
ليس آمنوا فقط.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أنهم هاجروا وجاهدوا، أولئك يرجون رحمة الله. فالرجاء إنما هو في رحمة الله عند العمل، لكن إذا كان تواكلًا أو لا يعمل، يقول لك: ربنا سيكرمني.
الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل الصالح
[المذيع]: نعم، يعني لو كان التمني، ما الفرق بين الأماني والرجاء والعمل؟
[الشيخ]: الفرق بين الأماني والرجاء هو العمل. العمل: أنت الآن في رجاء وفي عمل، لا يوجد مانع، والله سبحانه وتعالى يجازيك خيرًا.
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 185]
فإذن سنوفّى أجورنا وكل شيء. لكن الأماني التي هي يريد أن يجلس ويستقر فيها هكذا ويقول: إن قلبي أبيض، وأن قومًا قد غرّهم بالله الغرور.
حديث النبي: لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل
النبي يقول هكذا:
قال النبي ﷺ: «إن قومًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نحسن الظن بالله»
ها هم يقولون نحن نحسن الظن بالله!
قال ﷺ: «لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»
عليه الصلاة والسلام، هذا كلام سيدنا رسول الله. انظر كم جميل! يعني شيء حلو جدًا هكذا يا رسول الله.
أنا رجل قلبي طيب وقلبي أبيض وأنا في علاقة طيبة بيني وبين الله وهكذا إلى آخره. حسنًا، جميل، صحيح، ما تقوله كله حسن، وعلاقتي هذه ليست من شأنكم. حسنًا، موافق.
مثال الساعة المعطلة والرد على من يدّعي صلاح القلب دون عمل
طيب وبعد ذلك؟ قالوا: وبعد ذلك؟ أنا لن أفعل! إذن يعني إنه لأجل حسن الظن بالله؟ قال له: نعم. قالوا: لو أحسنت الظن لأحسنت العمل.
جميل، وضرب الناس مثلًا على ذلك: المنبّه الذي خلقه لنا الله، هذه الساعة. نعم، عندما تكون عقاربها لا تعمل يكون قلبها فاسدًا.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: يجب أن نذهب بها إلى الساعاتي ليصلحها. نعم، لأنه لو أن هذه الساعة بطاريتها قد انتهت فارغة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لا تعمل، لا يمشي، يجب أن أغيّر لها الحجارة [البطارية].
[المذيع]: صحيح.
لا بد من العمل مع حسن الظن بالله وإلا كان غرورًا يخدع صاحبه
هذا هو القلب هكذا. الإنسان الذي لا يعمل ويقول قلبي أبيض فأنا لن أعمل، سنقول له: قلبك أبيض، نحن نحب ذلك، قلبك أبيض والعلاقة بينك وبين الله جيدة، ولكن لا بد من العمل.
نعم، لأنك لو أحسنت الظن لأحسنت العمل، وما في عمل في الخارج يكون هناك غرور يخدعك، يوجد شيطان يخدعك. لو أحسنت الظن لأحسنت العمل.
[المذيع]: نعم، ما شاء الله. نثني عليك يا سيدنا، سنذهب إلى فاصل ونعود لنستكمل الحوار عن الغرور، الغرور والغَرور. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسباب التمني والغرور وأصناف المغترين عند الإمام الغزالي
[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. خرجنا للفاصل يا مولانا وعدنا، نريد أن نكمل الحوار المشوّق مع فضيلتكم عن الغرور. ما أسباب التمني التي تجعل الناس يتمنون أو يصبحون مغرورين ويقولون أنا سأكون من الذين ينجون يوم القيامة؟ هل هناك أسباب معينة ذكرها الإمام الغزالي؟
[الشيخ]: حيث تعرّض لهذا في كتاب إحياء علوم الدين وقال إن المغترّين أصناف كثيرة. منهم فرقة - وهو يتحدث هكذا عن عصره أيضًا، لكن ما شاء الله يعني إنه يصف حالًا مستمرة إلى عصرنا كأنه يتحدث عن وقتنا.
[المذيع]: يا سلام!
الفرقة الأولى من المغترين: من أتقنوا العلم وأهملوا العمل به
[الشيخ]: منهم فرقة أتقنوا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا النظر في أفعالهم.
[المذيع]: نعم، نظريًّا ليس عمليًّا، معه علم الدين لكن ليس لديه التديّن.
[الشيخ]: جميل، ولذلك لم يحفظوا جوارحهم عن المعاصي. فهؤلاء اغترّوا بعلمهم، اغترّوا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذّب مثلهم.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: وهذه الحكاية ممنوعة في الدين؛ لأنه لا بد أن يكون هذا العلم دافعًا للتديّن.
الفجوة الكبيرة بين علم الدين والتدين والخلط بينهما
لدينا فجوة كبيرة جدًّا بين الخلط بين علم الدين والتديّن؛ المتديّن يظن نفسه أنه عالم من علماء الدين وهذا خطأ، وعالم الدين ليس على التديّن الكافي وهذا خطأ أيضًا.
أنا عالم دين، أنا داخل الجنة!
[المذيع]: نعم نعم.
[الشيخ]: سواء فعلت أو لم أفعل، أنا في الجنة لأنني عالم! وهذا خطأ.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فيكون إذن هناك مصيبتين: المصيبة الأولى أن أكون عالم دين ولست متديّنًا، والمصيبة الثانية أن أكون متديّنًا وأظن نفسي عالم دين بمجالستي لعلماء الدين. لأنني تديّنت يا سيدي، أنت لا تمتلك مؤهلات العلم! يقول لك: والله أنا أصلي كل فرض في وقته. حسنًا، وما علاقة هذا؟ هذا تديّن مطلوب يُطلب من الجميع أن نفعل هكذا.
الفرقة الثانية: من أتقنوا العلم والعمل لكن أهملوا مراقبة قلوبهم
فرقة أخرى أتقنوا العلم وعملوا به، فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا المعاصي، إلا أنهم لم يراعوا ويراقبوا قلوبهم.
[المذيع]: لا إله إلا الله.
[الشيخ]: لم يبذلوا ما نذكره منذ حلقات من التخلية والتحلية [تخلية القلب من الآفات وتحليته بالفضائل]. نعم، فتراهم تركوا أنفسهم فدخل الكبر، دخل الحسد، دخل الرياء، دخل طلب العلوّ في الأرض، إرادة السوء، يعني دخلت أشياء كثيرة جدًّا في القلب.
[المذيع]: لا إله إلا الله.
[الشيخ]: رسول الله يقول:
قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
فأمرنا أن نتعهد الأعمال والقلوب، وأن القلب هو الأصل؛ إذ لا ينجو إنسان:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]
إلا من أتى الله بقلب سليم.
الفئة الثالثة: المغرورون بالوعظ والكلام دون تطبيق على أنفسهم
في الفئة الثالثة: اشتغلوا بالوعظ والتذكير والكلام في الأخلاق والزهد وما إلى آخره، لكنهم مغرورون أيضًا. يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بها.
[المذيع]: نعم، مجرد أنني أدعو الناس للصدق فأنا صادق هكذا؟
[الشيخ]: لا! هذه هي الحكاية: أن ابدأ بنفسك أيْ ثم بمن تعول.
فهناك فِرَق كثيرة من الغرور: هناك من اغترّ بعلمه، وهناك من اغترّ بعمله، وهناك من اغترّ بأن أخذ جانبًا وترك جوانب أخرى.
أهمية مناجاة الله والجلوس معه للقضاء على الغرور
كل هذا يؤول بنا إلى أن نقول: يا رب، يا رب، أي يا رب وفّقني لأن أكمل الطريق، يا رب وفّقني لأنني لا أنسى شيئًا، يا رب وفّقني ألّا أتكبر ولا أكون متكبرًا.
مناجاة الله شيء مهم جدًّا، وهي من الأشياء التي حُرمنا منها في عصرنا الحاضر لكثرة الأحداث وما إلى ذلك. المناجاة هي أن تجلس مع الله هكذا، وهذه أوقات مباركة الآن.
إن الجلوس مع ربنا والعيش معه سبحانه وتعالى والتوجه إليه بهذه المناجاة يصنع أثرًا كبيرًا جدًّا في القضاء على الغرور.
ملاحظة أن الغزالي وصف غرور العلماء والمتدينين لا أصحاب المال والنفوذ
[المذيع]: هنا يا سيدنا ملاحظة مهمة جدًّا، أو شيء ورد على خاطري: أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو يتحدث ويصف، معظمهم علماء متدينين! لم يذكر سيرة مثلًا المغرور بماله، المغرور بنفوذه، أو المغرور الذي يقول: ألا تعلم من تكلّم؟ ألا تعلم من أنا؟ إلى آخره.
[الشيخ]: ذكر أيضًا أن فرقة ينفقون الأموال في الصدقات على المساكين ويطلبون بذلك المحافل الجامعة، ويكرهون التصدّق في السرّ. إنهم يتصدقون في العلن بكميات كبيرة، لكن في السرّ لا.
[المذيع]: نعم.
الإرشاد إلى قراءة كتاب إحياء علوم الدين والعيش معه
فهو ذكر أصنافًا كثيرة، ولكن لأن البرنامج دقائق معدودة فنحن نُرشد الناس أيضًا إلى أن يرجعوا إلى الإحياء ويعيشوا مع الإحياء؛ لأن هذا الإحياء كان العلماء قديمًا يُخلّصونه ثم يذاكرونه مرة أخرى.
منهم من قرأه أربعين مرة، ومنهم من قرأه ستين مرة وهكذا؛ لأنه برنامج عمل جميل يمكن أن يعيش فيه [الإنسان].
علاج الغرور بالعقل والعلم والمعرفة وأهمية الهمة في طلب الحق
[المذيع]: حسنًا، في الختام تبقّى لدينا بضع دقائق. نريد أن نعرف ما علاج الغرور؟ ذكرت لنا المناجاة يا مولانا، فهل هناك أساليب أخرى للعلاج؟
[الشيخ]: هناك أساليب كثيرة للعلاج.
[المذيع]: لدينا حوالي ثلاث أو أربع دقائق يا مولانا.
[الشيخ]: نعم، الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق، وإذا صحّ منه حبه للشيء وهواه للشيء اهتدى إلى الحيل، اهتدى إلى الحيل.
[المذيع]: الحيل، نعم.
[الشيخ]: الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فهو يريد الحيلة التي يذهب بها إلى المطلوب.
ثلاثة أمور للنجاة من الغرور: العقل والعلم والمعرفة
فالعبد ينجو من الغرور بثلاثة أمور جميلة: بالعقل والعلم والمعرفة.
[المذيع]: العقل والعلم والمعرفة، جميلة.
[الشيخ]: العقل هذا اختلفوا، وما هو العقل هذا يعني؟ لكن العقل سُمّي عقلًا في اللغة العربية لأنه يمنع الإنسان من فعل الأخطاء، يعقله، يعقله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: العقال الذي هو الشيء الذي يربط شيئًا، ولذلك إخواننا في الخليج وغيره الغترة التي يلبسونها يضعون عليها عقالًا، عقالًا لأنها تُعقِل ماذا؟ الغترة هذه حتى لا تنزلق من هنا أو من هناك.
فالعقل هو فطرة غريزية، العقل هو فطرة غريزية كأنه نور في القلب يدرك به الإنسان حقائق الأشياء.
العقل أساس السعادات وقصة لوحة درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم
العقل؛ لأن الأساس أن أساس السعادات كلها هو العقل، أساس السعادات كلها هو التكليف هو العقل.
[المذيع]: جميل جدًّا.
[الشيخ]: كنت أسير مع شيخي هكذا في القاهرة، فوجدنا لوحة تقول: "درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم". لوحة معلّقة في الشارع هكذا! قال: يا سلام! لو كنت عرفت هذه العبارة وأنا صغير لكنت ألّفت فيها كتابًا: درجاتكم في الجنة على قدر عقولكم.
فقلت له: لماذا يا سيدنا الشيخ؟ قال: لأن العقل هو الذي يتحكم في السلوك، العقل هو الذي يتحكم في السلوك، والقلب هو الذي يتحكم في العقل.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: فلا بد أن يعلو القلب على العقل والعقل يعلو على السلوك، ولو حدث ذلك يتخلص الإنسان من الغرور.
المعرفة: من عرف نفسه عرف ربه وغلب حب الله على قلبه
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: هو العقل والمعرفة. فمن عرف نفسه عرف ربه؛ لو عرفت أنني ضعيف عرفت أن الله قوي، ولو عرفت أنني فقير ومحتاج عرفت أن الله غني ولا يحتاج لأحد، أنا لو عرفت أنني فانٍ عرفت أن الله باقٍ. فمن عرف نفسه عرف ربه.
فإذا عرف أحدنا هذه الحقائق فإنه يبتعد عن الغرور. المعرفة: من عرف نفسه فقد عرف ربه، حينئذ يغلب حب الله على قلبه. إذا عرف ربه غلب حب الله على قلبه، سيأتي له الغرور من أين يأتي حقًّا إذا كان حب الله قد دخل في قلبه؟
العلم الحقيقي هو الذي يدل على الله ويحول المعلومات إلى نور
الأمر الثالث الذي أقاوم به الغرور هو العلم. العلم، والعلم هنا - انظر في لغة القرآن - العلم هو الذي يدلّك على الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أيّ معرفة لا تدلّ على الله فهي مجرد معلومات، معلومات وليست علمًا. أما العلم فهو الذي يدلّك على الله.
[المذيع]: الله، ما شاء الله.
[الشيخ]: فلو أنك رأيت شخصًا ألّف كتابًا من ثلاثة مجلدات اسمه "الطب محراب الإيمان"، كل ما يرى هذا الرجل - وهو طبيب جرّاح الإنسان - كلما ينبهر ويقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، سبحان الله!
أهو هذا علم الطب؟ وهل هو علم الطب؟ نعم، هو بالطبع الطب في معلومات كثيرة، عندما نسندها إلى الله تسمّى في اللغة وفي الشرع وفي القرآن علمًا.
خاتمة الحلقة: زوال الغرور يدخل الأنوار في القلب
[المذيع]: الله يستحقك يا سيدنا.
[الشيخ]: يسمّى علمًا. فهناك ثلاثة أشياء: العقل والمعرفة والعلم، وهذه الأشياء الثلاثة تبعدنا عن الغرور، نتخلّى عنه إن شاء الله.
أتعلم ماذا سيحدث عندما يزول الغرور؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الأنوار تدخل القلب.
[المذيع]: ما شاء الله، الأنوار تدخل القلب! ربنا يفتح عليك يا سيدنا وينفعنا بأنوار فضيلتك إن شاء الله. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما تعريف الغرور في علم أمراض القلوب؟
سكون النفس إلى ما يوافق الهوى عن شبهة فاسدة
ما الفرق بين الغُرور والغَرور في اللغة العربية؟
الغَرور هو الشيطان لأنه يَغُرّنا، والغُرور هو الخداع الذي يقع فيه الإنسان
ما الأمور الثلاثة التي ينجو بها العبد من الغرور؟
العقل والعلم والمعرفة
ما الفرق بين الأماني والرجاء وفق ما جاء في الحديث النبوي؟
الفرق هو العمل الصالح، فمن أحسن الظن أحسن العمل
ما أشد أنواع الغرور وفق ما ذُكر في الحلقة؟
غرور الكفار
ما الذي يحدث للقلب عند زوال الغرور؟
تدخل الأنوار في القلب
ما وصف الإمام الغزالي للفرقة الأولى من المغترين؟
أتقنوا العلوم وأهملوا النظر في أفعالهم فلم يحفظوا جوارحهم
ما الآية التي تنهى عن الأمن من مكر الله؟
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
ما العلم الحقيقي في لغة القرآن الكريم؟
العلم الذي يدلّك على الله، أما ما لا يدلّ على الله فمعلومات فقط
ما الذي يتحكم في العقل وفق ما ذُكر في الحلقة؟
القلب
ما الخطأ الذي يقع فيه المتديّن حين يخلط بين التديّن وعلم الدين؟
يظن أن مجالسة العلماء تمنحه مؤهلات العلم الشرعي
ما الذي يُميّز الرجاء الحقيقي في رحمة الله عن التمني الكاذب؟
الاقتران بالعمل الصالح والهجرة والجهاد في سبيل الله
لماذا سُمّي الشيطان بالغَرور؟
سُمّي الشيطان غَرورًا بفتح الغين لأنه يَغُرّنا ويؤدينا إلى الغُرور، أي يخدعنا ويوقعنا في الاغترار.
ما معنى قول الزاهد: يا دنيا غُرّي غيري؟
يعني ابحثي عن شخص آخر تخدعيه، لأنني أعرف حقيقتك أنك فانية زائلة لم تدومي لأحد.
ما الحديث النبوي الذي يُميّز الكيّس من الأحمق؟
قال النبي ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على الله».
كيف داوى النبي ﷺ الحماقة؟
داوى النبي ﷺ الحماقة بأن نهانا عن الغرور، فالنهي عن الغرور هو الدواء الذي يعالج الحماقة.
ما الآية التي تدلّ على أن الرجاء الحقيقي مقرون بالعمل؟
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾.
ما الحديث القدسي المتعلق بحسن الظن بالله؟
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»، ويجب أن يكون الظن خيرًا مع الخوف من مقامه سبحانه.
ما دلالة مثال الساعة المعطلة على العلاقة بين القلب والعمل؟
الساعة التي لا تعمل عقاربها قلبها فاسد يحتاج إصلاحًا، كذلك من يدّعي بياض قلبه دون عمل فقلبه يحتاج إصلاحًا بالعمل الصالح.
ما الفرقة الثالثة من المغترين عند الغزالي؟
هم الذين اشتغلوا بالوعظ والتذكير والكلام في الأخلاق، وظنوا أن دعوتهم الناس إلى الفضائل تجعلهم موصوفين بها دون تطبيق على أنفسهم.
ما الآية التي تدلّ على أن النجاة بالقلب السليم؟
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، فلا ينجو إنسان إلا بقلب سليم.
ما معنى العقل في اللغة العربية وما علاقته بالغرور؟
العقل سُمّي عقلًا لأنه يمنع الإنسان من فعل الأخطاء ويعقله عنها، وهو فطرة غريزية كنور في القلب، وهو أول الأمور الثلاثة التي تُنجي من الغرور.
ما العلاقة بين القلب والعقل والسلوك في التخلص من الغرور؟
القلب يتحكم في العقل، والعقل يتحكم في السلوك، فإذا علا القلب على العقل والعقل على السلوك تخلّص الإنسان من الغرور.
كيف تُعالج المعرفة الغرور وفق مبدأ من عرف نفسه عرف ربه؟
من عرف ضعفه عرف قوة الله، ومن عرف فقره عرف غنى الله، ومن عرف فناءه عرف بقاء الله، فيبتعد عن الغرور ويغلب حب الله على قلبه.
ما الفرق بين العلم والمعلومات في لغة القرآن؟
العلم هو الذي يدلّك على الله، أما أي معرفة لا تدلّ على الله فهي مجرد معلومات وليست علمًا بالمعنى القرآني.
ما الذي يُميّز الصدقة المقبولة من صدقة المغرور عند الغزالي؟
المغرور بصدقته ينفق في العلن طلبًا للمحافل الجامعة ويكره التصدق في السر، أما الصدقة المقبولة فتكون خالصة لله سواء في السر أو العلن.
ما المصيبتان اللتان تنشآن من الخلط بين علم الدين والتديّن؟
المصيبة الأولى أن يكون الإنسان عالم دين وليس متديّنًا، والمصيبة الثانية أن يكون متديّنًا ويظن نفسه عالم دين بمجرد مجالسة العلماء.
