الدرس التاسع والثلاثون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي |كتاب البيع 1|أ.د. علي جمعة
- •البيع جائز بإجماع في دين الله، وله ثلاثة أركان إجمالا وستة تفصيلا: العاقدان (البائع والمشتري)، والصيغة (الإيجاب والقبول)، والمحل (الثمن والمثمن).
- •يشترط في العاقدين أن يكونا عاقلين، بالغين، ومالكين للشيء المبيع.
- •يجب أن يتوافق الإيجاب والقبول في المحل والثمن، وأن يكونا باللفظ في الأمور الثمينة.
- •تجوز المعاطاة في الأشياء البسيطة دون الحاجة للفظ، أما الأشياء الثمينة فلا بد من اللفظ.
- •يشترط في الثمن والمثمن الطهارة، فلا يجوز بيع النجاسات كالخمر والدم.
- •ابتكر الفقهاء نظرية "رفع اليد عن الاختصاص" للتعامل بالنجاسات المنتفع بها كالسماد والدم للعلاج.
- •الفرق بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص هو الضمان، ففي البيع يضمن البائع السلعة قبل التسليم، أما في رفع اليد فلا ضمان.
- •يشترط في المبيع أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع السمك في الماء أو الطير في الهواء.
افتتاح كتاب البيع وقصة الصوفي الذي ألّف في المعاملات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: كتاب البيع.
سألوا أحد الصوفية قالوا: ألِّف لنا في التصوف، فألَّف لهم كتاب البيع، وقال: المعاملة إذا صحَّت مع البشر صحَّت المعاملة مع الله، وإذا صحَّت المعاملة مع الله كنتَ في طريقه.
أي أنه لا يوجد شيء يُسمَّى هذا علم منفصل عن ذاك، لا، بل كله علم واحد؛ لأن معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى هي طريق الله، ولا نعبد الله سبحانه وتعالى إلا بما أراد. فلا بدَّ على المسلم أن يتعلم هذه الأشياء.
أركان البيع الثلاثة إجمالًا والستة تفصيلًا في الفقه الإسلامي
والبيع بالإجماع جائز في دين الله، لم يختلف في ذلك اثنان. وله أركان ثلاثة إجمالًا، ستة تفصيلًا:
-
العاقدان: وهما البائع والمشتري، وبين البائع والمشتري يفتح الله، فإذا أول شيء فيما بينهما يفتح الله. هؤلاء هم العاقدان.
-
الصيغة: وتتضمن القبول والإيجاب، كأن تقول: بعتُك هذا الكتاب، فتقول أنت: اشتريتُ هذا الكتاب.
-
المحل: وهو الكتاب والمال الذي سيكون مقابل الكتاب. يُسمِّيه [الفقهاء] الثمن والمُثمَن؛ الثمن وهو المال، والمُثمَن وهو الشيء الذي له ثمن. مُثمَن، لا تقل مُثَمَّن ولا مُثمِن ولا مُثمَنون، أيُّ شيء خطأ، ما اسمه؟ مُثمَن.
ملخص أركان البيع الستة وشروط البائع والمشتري من عقل وبلوغ وملكية
طيب، حسن. إذن ثلاثة أركان إجمالًا وستة تفصيلًا، أم لا كذلك؟ البائع والمشتري، القبول والإيجاب، الثمن والمُثمَن. انتهى.
طيب، البائع والمشتري يجب أن يكونا ماذا حتى يكون البيع شرعيًّا؟
- يجب أن يكونا عاقلَيْن، إذن بيع المجنون لا يصح.
- يجب أن يكونا بالغَيْن، فعندما يذهب طفل صغير في سنِّ ست سنوات ليبيع ويشتري فذلك لا يصح، ويقع البيع باطلًا.
- يجب أن يكونا مالكَيْن، وإلا فكيف تذهب لتبيع كتاب صاحبك؟ لو بعتَ كتاب صاحبك فستكون فضوليًّا ويكون عقدك باطلًا.
حكم بيع الفضولي عند أبي حنيفة وتعليق العقد على إقرار المالك
هل انتبهتَ لهذه النقطة؟ أليس كذلك، ما هو أحيانًا يضطر أحد إلى بيع شيء ليس ملكه، يبيع شيئًا ليس ملكه.
فـأبو حنيفة رحمه الله قال: نجعل العقد معلَّقًا بين السماء والأرض حتى يُقِرَّ المالك بالبيع، وإذا لم يُقِرَّ بالبيع فإن الفضولي يضمن ما فرَّط فيه إن كان قد فرَّط في شيء.
قصة البقرة المصدومة وحكم ذبحها إنقاذًا للموقف دون إذن المالك
كيف [يكون بيع الفضولي]؟ تمشي بقرة متبخترة في الطريق الزراعي ولا يهمها، ما هي بقرة. ما أنت عندما تريد أن تقول لأحد إنه أحمق تقول له ماذا؟ يا بقرة، ولكن حرام عليك أن تصف الإنسان بالبهيمة، ولكن ها هي بقرة.
هذه البقرة كانت تعبر وأنت قادم بسرعة فائقة، فصدمتَ البقرة، فسقطت البقرة بين الحياة والموت.
هذه إذا ماتت بهذه الصفة فهل يصبح أكلها حلالًا أم حرامًا؟ تصبح حرامًا؛ لأنها لم تُذبَح ذبحًا شرعيًّا، إنها اصطدمت فتصبح كأنها مثل الموقوذة أي المضروبة، أليست هي موقوذة؟ تصبح مثل المتردية، تصبح مثل النطيحة، فكلها ضُرِبت في رؤوسها فماتت.
ضياع البقرة بين اللحم المحرم والمنفعة الفائتة وإنقاذ الموقف بالذبح والبيع
فصاحبتنا البقرة هذه ستموت الآن وستضيع علينا، ستضيع هباءً. بقرة كانت تجرُّ لي المحراث أو تجرُّ لي الساقية أو أنتفع بلبنها أو عاملها للتربية أيَّ شيء، وكذلك ستضيع من ناحية اللحم نفسه الذي سنأكله؛ لأنه سيصبح محرَّمًا علينا، يعني ماتت ميتة غير طبيعية، انتهى الأمر.
ذهبتَ وضربتَ [البقرة بالسيارة]، قم أنت واقف، أنا صدمتُها بالسيارة وأنت واقف، هذه البقرة ملكك. لا، قلتُ: الله! حسنًا، ها أنا الآن سألحق بها وأذبحها، فقمتُ ولحقتُ بها وذبحتُها: بسم الله والله أكبر، وقمتُ بذبحها إنقاذًا للموقف.
هل مالكها قال لك اذبحها؟ لا، لم يقل اذبحها، هو غير موجود.
بيع اللحم بدون إذن المالك وحكم الشافعي ببطلان عقد الفضولي
وجدتَ اللحم سيفسد، وأنت ليس لديك ثلاجة ولا ثلج ولا شيء والجو حار، فذهبتَ وبعتَ اللحم وأحضرتَ ميزانًا مثل الأطفال المشاغبين الذين يقفون على الطريق يبيعون لحمًا خارج ماذا؟ خارج التسعيرة. لا شأن لنا بهذه الحكاية خارج التسعيرة هذه، نحن نريد أن نرى العقد صحيح أم لا.
هذا عقد فضولي؛ ذبحها وقام ببيعها. فـالإمام الشافعي يقول لك: ولا أهتمُّ بالكلام هذا، وهذا عقد باطل، والرجل هذا يضمن ثمنها.
مطالبة المالك بثمن البقرة كاملًا وضمان الفضولي للفرق في الثمن
عندما جاء [الفضولي] ليبيع اللحم حصل على ألفين ونصف، حصل على كم؟ ألفان ونصف من البيع. البقرة بثلاثة آلاف.
فجاء المالك يقول: أين بقرتي؟ قال له: صُدِمت، وأكثر الله خيره حسنين أفندي ذبحها وباعها. فيقول له: أعطني الثلاثة آلاف. قال له: لا يوجد إلا ألفان ونصف. فيقول: ليس لي شأن، أنا أريد الثلاثة آلاف.
فيقوم حسنين أفندي بإخراج الثلاثة آلاف ويدفع من عنده الخمسمائة؛ لأن هذا بيع باطل إذ أنه لا يملك هذا اللحم.
وجوب الملكية في البيع وحق المالك في أخذ الثمن كاملًا ديانةً وقضاءً
إذا لا بدَّ أن يكون الواحد مالكًا لهذا الشيء [الذي يبيعه].
وينبغي على هذا المالك أنه يقول له شكرًا وأن يأخذ الألفين وخمسمائة ديانةً، وإلا لا يكون رجلًا محترمًا. ولكن افترض أنه ليس رجلًا محترمًا، فماذا سنفعل؟ سندفع له أيضًا الخمسمائة ونحن نقول له: خذ الخمسمائة وحسبنا الله ونعم الوكيل، هكذا لأنك نذل وضيع؛ لأنني أنقذتُ لك الشيء من الموت.
فقال لي: لا، لستُ منتبهًا، فأنا كنتُ سأقبض على الذي يقود السيارة وآخذ منه الثلاثة أيضًا، ما كانت تموت في مصيبة.
الحث على الشهامة وابتغاء وجه الله في المعاملات وعدم الخوف من الخسارة
هل تنتبه؟ وهكذا قلتُ له: إذن اذهب خذ الخمسمائة من الرجل. قال لي: إنه ذهب. قلتُ له: إنه كان سيذهب حينها يا صديقي.
ولكن على كل حال، ما هو الحق والمستحق؟ إنه يجب أن أعطيه الثلاثة آلاف. ولذلك بعض الناس لا يحبون الشهامة؛ لأن عاقبتها الندامة، ويحبون الدناءة. لماذا يحبون الدناءة؟ لأنه يريح نفسه، يريح نفسه هكذا.
لا، يوجد ثواب في الآخرة للشهامة لا تتصوروه في عقولكم. ولذلك لا بدَّ من الإيمان باليوم الآخر. ما الذي يجعلني شهمًا هكذا؟ أن أرجو وجه الله. فلتترك هذا الكلام الفارغ كله، يجب أن نبتغي وجه الله يا إخواني، يجب أن نبتغي وجه الله.
المبادرة بالعمل الصالح لوجه الله والتوكل عليه في العاقبة
وعلى الفور تبادر بذبحها وبيعها وما إلى ذلك، لا تقول إني سأتكبَّد خسارة، لا. وليُحنِّن الله قلب صاحبنا هذا فيقول لكم: شكرًا، لقد فعلتم فيَّ خيرًا وما إلى ذلك.
الصورة العجيبة لهذه الوضاعة [أنك] تفعلها لوجه الله، فربنا يُخرجك منها. قد يختبرك في المرة الأولى ولكن في المرة الثانية لا، وتسير الحكاية.
فاحذر، اجعل قلبك معلَّقًا برب العالمين دائمًا.
ملخص شروط المتعاقدين وشروط الإيجاب والقبول في عقد البيع
فإذن لا بدَّ أن نكون عقلاء، لا بدَّ أن نكون بالغين، لا بدَّ أن نكون مالكين للشيء. هذه الشروط نسمِّيها شروط ماذا؟ المتعاقدان.
في الإيجاب والقبول يجب أن يتوافقا، أي أنني أقول لك: إنني سأبيع لك بعض الملوخية هذه، فتقول لي: حسنًا وافقتُ على كيلو الكوسة. لا يصح!
أنا أبيع لك كتاب الزُّبَد فتقول لي: حسنًا اشتريتُ منك كتاب أبي شجاع. لا يصح! بعتُ لك الزُّبَد بعشرة صاغ فقلتَ: اشتريناها بخمسة. لا يصح؛ لأنه غير متوافق.
شروط صحة الإيجاب والقبول من اللفظ والتوافق في المحل والثمن
فيجب أن يكون الإيجاب والقبول أول شيء فيهما أن يكون لفظًا باللسان حتى نسمع. ثانيًا أن يكونا متوافقَيْن في المحل وفي الثمن وفي كل شيء.
أنا أبيعك الكتاب فتقول لي: حسنًا وأنا أستعيره منك. فهذا غير متوافق؛ لأن هذا بيع وهذه إعارة، فلا يوجد توافق الإرادتين. والرضا ما لم يحصل يجب أن تتوافق الإرادتان.
حكم المعاطاة في البيع والفرق بين المحقرات والأشياء الثمينة
رقم ثلاثة: الله، طيب، افترض أنه لا يوجد لفظ. قال [العلماء]: في المحقَّرات أم في الأمور المهمة؟ قال له: ماذا يعني؟
قال: يعني جئتُ لأشتري سيارة بخمسين ألف جنيه، وضعتُ الخمسين ألف جنيه في كيس وذهبتُ ووضعتُها لك على المكتب وأخذتُ المفتاح وسرتُ بالسيارة. لا يصح! هذا معاطاة، يعني ماذا؟ سلَّم وتسلَّم بدون لفظ، بدون "بعتُك السيارة" فقال ماذا؟ "قبلتُ فاشتريتُ منك السيارة بخمسين".
لكن إني ذهبتُ ووضعتُ الخمسين وأخذتُ المفتاح من صمت. هذا لا يصح في الأشياء الثمينة.
جواز المعاطاة في المحقرات كالجريدة والفول دون الممتلكات الثمينة
حسنًا، في المحقَّرات بربع جنيه فول، الجريدة، ألقي للرجل وأنا ماشٍ بالسيارة الجنيه وأتناول منه الجريدة وأنا ماشٍ، لا أقول له بعتُك ولا اشتريتُك. قال لي: لا يحدث شيء، هذه أشياء بسيطة.
لكن البيت وقطعة الأرض والسيارة، هذه أشياء مهمة، هذه ممتلكات لها قيمة. لكن الجريدة بعد أن تقرأها ترميها، ليس لها قيمة.
التعليق الطريف على تدهور قيمة العملة وانتقال الجنيه إلى رحمة الله
هذا، والجنيه لم يعد موجودًا، انتقل إلى رحمة الله وصلَّينا عليه هنا الجنازة. أتذكرون؟
هل نحن صلَّينا حقيقة الجنازة؟ قولوا: لا، لسنا نتذكر؛ لأنه لم يحدث. هو حدث عمليًّا في الحياة الدنيا أن صلَّينا على الجنيه الجنازة، وبعد ذلك على العشرة، وبعد ذلك على المائة، وداخلون على الألف الآن، سنصلِّي كذلك.
فالحاصل أن كل بند من البنود له شروط.
اشتراط طهارة الثمن والمثمن وحرمة بيع الخمر ووجوب إتلافها
والثمن والمُثمَن قال [المصنف]: الثمن والمُثمَن لا بدَّ أن يكون طاهرًا.
قال [أحدهم]: لا، أصل أنا كنتُ طيَّارًا وعندنا في الطيران يوزِّعون زجاجات خمر، وبعد ذلك أنا تبتُ إلى الله وعندي زجاجة خمر، فأنا سأنزل إلى البقَّال وأعطيه زجاجة الخمر وآخذ منه جبنة رومي وخبزًا. بقَّال يبيع خمرًا بجانبنا!
قلتُ له: لا يصلح هذا؛ لأن الثمن نجس، التي هي الخمرة هذه نجسة، لا يصلح. فقال: ماذا أفعل بها؟ ولكن مشفق من الخسارة. قلتُ له: اذهب واسكبها في دورة المياه مع البول؛ لأنها مثل البول. خمر مثل البول، الذي يشرب خمرًا يكون يشرب بولًا، فهي مكانها دورة المياه وتسكب عليها الماء، هذا أفضل.
نجاسة الخمر وقبح شربها وكونها أم الخبائث في الشريعة الإسلامية
رائحتها كيف؟ واحد يشرب خمرًا، طيب، وهذا يعني عندما آخذه يتكلم كيف؟ يُقبِّل زوجته كيف؟ زوجته تطيقه كيف؟ هذا واحد يشرب خمرًا والعياذ بالله.
يعني انظر، خمر ما هذا؟ نجاسة، يعني بول يعني. كيف يعني يشرب خمرًا كيف؟
ولذلك الخمر أمُّ الخبائث. فهو جلب الخمر ويريد أن يبدِّلها. قال ماذا؟ قال: تاب. كيف تبتَ كيف؟ قال: أنا سآخذ الخمر وأنزل بها للبقَّال أشتري بها، هي الخمر أصلية صنف جيد من الذي يوزِّعونه في شركات الطيران لكي تكون مخمورًا.
حرمة مبادلة الخمر بالسلع ووجوب إتلافها في دورة المياه
وعندما قال الرجل: هي بخمسة وأربعين جنيهًا، سأعمل له خصمًا عشرون في المائة وأخذ أشياء بستة وثلاثين وهو أيضًا رابح فيها فسيسعد.
إذا نقول له حلال أم حرام؟ حرام!
حسنًا، ماذا أفعل بها؟ في دورة المياه، عدم المؤاخذة، ترميها هكذا وتسكب عليها المياه. يقول: لماذا؟ لأن رائحتها نجسة، نعم.
لكي لا يتكبَّر أحد علينا، عندما تشرب أنت المغفَّل نجاسة تصمت واستر نفسك؛ لأن فمك نجس. حسنًا، هل أدركت؟
حرمة بيع النجاسات كالبول والدم وإشكالية نقل الدم في الطب الحديث
النجاسة مثل ماذا؟ البول والدم وهذه الأشياء كلها لا يجوز أن تُباع وتُشترى.
قال لي: ماذا تقول الدم؟ قلتُ له: نعم، إن الدم نجس. قال لي: لكن الدم الآن مفيد؛ لأننا نقوم بعمليات نقل الدم، وأحيانًا يمكن أن أدفع فيه نصف ثروتي لأن فصيلته نادرة أو شيء من هذا القبيل.
فهذا الدم يعني مهم للأمور الطبية والحوادث بالذات وما إلى ذلك والنزيف إلى آخره. فماذا ستفعلون يا جماعة الشافعية في هذه الحكاية؟ قال: لا نبيعه ولا نشتريه.
مفهوم رفع اليد عن الاختصاص في الفقه الشافعي للتعامل مع النجاسات المنتفع بها
إذن ماذا ستفعلون؟ قال: رفع اليد عن الاختصاص.
ما هو رفع اليد عن الاختصاص هذا؟ قال: إذا كانت يدك على نجاسة يُنتفَع بها، فهل ممكن نجاسة ويُنتفَع بها؟ قال: نعم، مثل السماد. السماد عبارة عن الخارج من البقر والغنم وما إلى ذلك، ونستعمله في السماد العضوي في الأرض، وأحسن منه لا يوجد؛ لأنه مع وضعه هذا إلا أنه مفيد للأرض ومفيد للزرع. نجاسة هي لكن ممكن نستفيد منها.
الدم نجاسة صحيح، ولكن يمكن أن ننقذ به حياة إنسان، نستفيد منه، ليس لدينا أغلى من حياة الإنسان.
الفرق بين الملك والاختصاص في النجاسات وأن الملك لا يكون إلا في الطاهرات
فماذا نفعل إذا [أردنا تداول الدم]؟ قال: تخيَّل أن الدم في كيس. قلتُ له: صحيح. قال لي: هذا الكيس أنت يدك عليه، يدي عليه، ماذا يعني؟ يعني في حوزتك.
قلتُ له: حسنًا، قل في ملكي وانتهى الأمر. قال لي: لا، الملك لا يكون إلا في الطاهرات. إياك أن تقول ملك، هذا ملكي. لا، قل: هذا خاصَّتي.
فيبقى هناك فرق بين ملكي وبين خاصَّتي، لي، يختصُّ بي، يدي عليه. يدي عليه يعني ماذا؟ يعني في حوزتي، في جيبي، في صندوقي، في بيتي، في حظيرتي، في خزانتي. أنا الذي لي التصرف فيه، هذا معنى الاختصاص، أي أنه مختصٌّ بي.
أصل كلمة بتاعي في العامية المصرية من متاعي وقلب الميم باءً عند العرب
ملكي، أي بالعامية نقول ماذا؟ (ملكي)، (بتاعي). جاءت من أين؟ من متاعي. والعرب يقلبون الميم في أول الكلام باءً، مثل:
﴿بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]
مكة سمَّاها ماذا؟ بكة؛ لأن الميم ما دامت في أول الكلام تُقلَب عندهم باءً. فالمصريون فعلوا ذلك، أشيائي جعلوها ماذا؟ (بتاعي). أمثلة للعامية: (والبتاع بتاع البتاع لما البتاع جه في البتاع)، وهذه الأشياء أصبحت شائعة عندهم على الفور، التي أصلها ماذا؟ أشيائي. تعلَّم يا ولد!
عدم جواز بيع النجاسات لأنها ليست ملكًا وآلية رفع اليد عن الاختصاص في السماد
فهذا الأمر، الطريق فيه [أي في تداول النجاسات]؛ لأنها ليس فيها، ليس في ملكي. وما دام ليس في ملكي فهل يصح أن أبيعها؟ لا يصح أن أبيعها؛ لأنه لا يجوز أن أبيع ما ليس في ملكي.
فما دامت هذه ليست في ملكك فماذا تفعل؟ أنا أريد أن آخذ مقابل السماد، أموال البقر الخاص بي والسماد الخاص بي.
فقاموا ووضعوا هذه النظرية الخاصة بـرفع اليد عن الاختصاص. فأقول لك: تعال خذ هذه الحجرة التي فيها السماد، أنا سأعطيها لك، ولا تقل سأبيعها لك؛ لأنه لا يوجد بيع. أنا سأعطيها لك بمائة جنيه.
آلية انتقال ملكية النجاسة بعد رفع اليد عن الاختصاص وتحولها لمتاع المشتري
وأخذتَ منك المائة جنيه، تذهب فتأتي بسيارتك وتحمل السماد من الحظيرة وتذهب في سبيلك. فور أن يصبح في سيارتك يصبح ملكك، هذا يصبح متاعك.
فيكون رفع اليد عن الاختصاص نلجأ إليه في حالة تداول النجاسات. كنتُ سأخطئ هنا وأقول بيع النجاسات، خطأ؛ لأنه لا يوجد بيع إلا للطاهرات. لا نسمِّيه بيعًا، نسمِّيه تداولًا، يعني انتقاله من واحد إلى آخر. لا تقل بيع، خطأ. ما هو هذا؟ تداول.
معنى رفع اليد عن الاختصاص عمليًّا بالسماح للمشتري بأخذ السلعة النجسة
التداول هذا يتم كيف؟ عن رفع اليد. ورفع هذا يعني أنني قد تركتُك والسلعة محل التفاهم.
أنا كنتُ واقفًا هكذا أمام باب الحظيرة أمنعك من الدخول، وبعد ذلك ذهبتُ ماشيًا. يعني ماذا؟ يعني سمحتُ لك بأن تدخل، لكن لم أبِع إليك النجاسات.
كذلك: هات لي يا عمِّ كيس دم. قال لي: ادفع كذا، ادفع ثمانين جنيهًا. قلتُ له: ها هي الثمانين جنيهًا. فقال لي: خذ الكيس. ها؟ خذ الكيس، أي مُدَّ يدك وخذ الكيس. هذا ليس بيعًا وشراءً، هذا رفع اليد عن الاختصاص.
الرد على من يساوي بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص بأنهما شيء واحد
الموظف الخاص ببنك الدم سمح لي أن أمدَّ يدي على الكيس وآخذه في مقابل ثمانين جنيهًا وضعتُها له على الطاولة، ولا يُسمَّى هذا في الشرع لا بيع ولا شراء.
قالوا: ما الفرق؟ أنتم تلفُّون وتدورون، لماذا هكذا؟ ما هذه مثل هذه، وأحمد مثل الحاج أحمد! سمَّيتموها بيعًا، سمَّيتموها رفع اليد عن الاختصاص، ما هي هي! وجالس فقط تصدِّعون رؤوسنا وتشترطون في الأول الملك وبعدئذ تقولون لا ليس الملك وبعدئذ تلفُّ وتدورون، يا أخي أنتم لديكم شيء عجيب هكذا!
قلنا له: لا، اصبر، فأنت لا تفهم إطلاقًا. هذا قبل أن يعلِّمكم الإنسان يفقد صبره. اصبر ووسِّع صدرك.
الفرق الجوهري بين البيع ورفع اليد عن الاختصاص هو الضمان في حالة التلف
هناك فرق. قال لي: ما الفرق؟ قلتُ له: الفرق هو الضمان.
ما الفرق بين البيع وبين رفع اليد عن الاختصاص؟ الضمان. كيف؟
قلتُ له: حدث بعد أن أخذتُ المبلغ منك على القهوة في القرية وقلتُ لك أن تذهب لتأخذ السماد من الحظيرة، إن حضرتك تأخَّرتَ قليلًا وقلتَ لي: حسنًا انتظر حتى أدخِّن واحدة (بوري). تعرفون (بوري) يعني ماذا؟ (جوزة)، يعني (شيشة)، يعني دخان لا دين ولا دنيا يعني. لا، معلومات فقهية أقصد يعني، ولا مثلًا؟
قصة احتراق الحظيرة بعد تأخر المشتري وأثر ذلك على الضمان في رفع اليد
حسنًا، حسنًا، هل يُعقَل أن أبدأ هكذا؟ ولكن اصبر حتى أدخِّن حجرًا من الدخان، ما هذا؟ قال لك: هذا (الجوزة) نوع من أنواع التدخين ولكنه رديء قليلًا.
فجلستَ تدخِّن، وبعد التدخين شربتَ يانسون، وبعد اليانسون شربتَ كوب حُلبة - بالضم هكذا في اللغة - حُلبة حصى. وبعد أن شربتَ حُلبة حصى لعبتَ اثنين دومينو، أنت كنتَ في المقهى.
ثم قمتَ وذهبتَ إلى الحظيرة فوجدتَها قد احترقت واشتعلت فيها النار، حادثة!
لو كان بيعًا لردَّ الثمن ولكن رفع اليد عن الاختصاص لا ضمان فيه
لو كان هذا بيعًا وشراءً لكنتُ رددتُ لك المائة جنيه. لمَّا كان قد رفع يدًا عن الاختصاص سأقول لك: أنا أخذتُ المائة جنيه في مقابل السماح لك بفتح الباب، وأنا لم أمنعك من أن تفتح الباب. فتحتَ الباب وجدتَها محترقة، ليس لي شأن!
انظر إلى الفرق بين البيع والشراء ورفع اليد عن الاختصاص. أي رفع اليد عن الاختصاص أخطر؛ فأنا ليس لي تدخُّل، أنا رفعتُ يدي عن الاختصاص.
مثال الدم وأخذ فصيلة خاطئة والفرق في الضمان بين البيع ورفع اليد
حسنًا، في الدم دفعتَ الثمانين جنيهًا. قال لي: ادخل خذ الذي تريده من الداخل. فدخلتُ وقمتُ بأخذ كيسًا فصيلة (بي) وأنا أريد (زيرو).
ذهبتُ إلى الرجل فقال: لا يصلح. رجعتُ مرة أخرى فقلتُ له: أرجِع لي هذا. فقال: لا، لن أرجعه. هل أنا فعلتُ شيئًا؟ أنت الذي دخلتَ وأخذتَ، أنا سمحتُ لك بالدخول بثمانين جنيهًا. هات ثمانين جنيهًا أخرى.
لو كان هذا بيعًا وشراءً لكان يجب أن تتحدَّد الفصيلة، وكنا طالبنا هذا الرجل بأنه يجب أن يغيِّر له الكيس. فيكون هناك فرق أم لا يوجد فرق؟
التحذير من التسوية بين البيع والربا والرد على من يساوي بين البنوك الإسلامية والربوية
إن كان هناك فرق فلا تجلس تتَّهم الفقهاء بأن هذا مثل هذا وهذا مثل هذا، مثل البيع والربا. يقول لك: ما هي هي! ما هذه البنوك مثل تلك البنوك! حتى الذين يعملون في البنوك يقولون هذا، إن الهيئة واحدة: أموال تُدفَع وسلعة تُؤخَذ، ما هي هنا كذلك وهنا كذلك.
لا، صبرًا صبرًا! الآثار الخاصة بالعقد مختلفة. ولذلك يوجد فرق بين البيع والشراء وبين رفع اليد عن الاختصاص.
متى نلجأ لرفع اليد عن الاختصاص وحكم بيع البول والكلاب النجسة
إذن رفع اليد عن الاختصاص نلجأ إليه متى؟ عندما تكون السلعة نجاسة يُستفاد منها.
طيب، واحد يريد أن يبيع البول، لا يصلح. يقول لك: مرة شخص صعيدي جاء لعمل تحليل بول هنا، وبعد ذلك وهو يحلِّل البول طلبوا منه اثني عشر جنيهًا. قال: ما هذا؟ بربع جنيه في البلد! والبول من عندهم. ففي البلد هناك يبيعون له البول ويحلِّلونه ويعطونه التحليل جاهزًا من غير أي شيء. لا، غلبنا! وأنا صعيدي على فكرة.
طيب، بدلًا من أن يغضب الصعيدي، ليس ملكه [البول] الذي يملكه. فما دام نجسًا فليكن ملكه، فليستعمله كما يشاء في المنفعة أو يتركه مرة أخرى لغيره بثمن. أما أنا فيمكنني، أما ملكه فلا، ليس ملكه أبدًا.
حكم تداول الكلاب النجسة كالبوليسي وكلب الصيد والأعمى برفع اليد عن الاختصاص
والحمد لله أنه أحد قد فهم. نعم، يمكن، ولكن لا تقل يبيعها بل قل يعطيها، نعم بثمن أغلى يمكن.
وكذلك الأمر كذلك الكلب. كلب الصيد هذا، هو ما هو نجس. فشخص يأتي ليشتري مني كلبًا، أقول له: لا يصلح.
قال رسول الله ﷺ: «نهى عن ثمن الكلب»
فيقول لي: إذن ماذا سأفعل؟ هذا الكلب هذا غالٍ، هذا مدرَّب، هذا مُنفَق عليه. الكلب البوليسي وكلب الحراسة وكلب الصيد وكلب كذا، هذه كلاب نادرة. وكلب الأعمى الذي يستخدمه الأعمى في تحركاته، هذه كلاب غالية.
نقول له: يجب أن يُرفَع اليد عن الاختصاص. رفع اليد عن الاختصاص [هو الحل في تداول هذه النجاسات المنتفع بها].
شروط المبيع من الطهارة والانتفاع والقدرة على التسليم والملكية وختام الدرس
إذا قال [المصنف]: وإنما يصح بالإيجاب وبقبوله أو استيجاب، في طاهر - يجب أن يكون طاهرًا - منتفَع به، قُدِر تسليمه - يقدر تسليمه.
يبقى لا يجوز بيع السمك في الماء ولا الطير في الهواء؛ لأنه لازم يقدر على تسليمه. مِلك الذي العقد نظر.
وهكذا نرى المرة القادمة؛ لأنه كله قلناه تقريبًا في هذه الجلسة. نتركها كما هي ونبدأ أيضًا بالبيع، ولكن هذا ما قدَّمناه له تقدمة.
