شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الهبة | أ . د علي جمعة
- •العمرى هي أن يهب شخص لآخر بيتاً أو منفعة مدة حياته، كأن يقول: هذه الشقة لك مدة عمرك.
- •الرقبى هي أن يهب شخص شيئاً لآخر بشرط أن يرجع إليه إذا مات المُعطَى له قبله، حيث يترقب كل منهما موت صاحبه.
- •الهبة تُملك بالقبض، وهو استلام المُتهِب للشيء الموهوب بيده، وهذا أولى الأقوال وأنسبها لمكارم الأخلاق.
- •اختلف الفقهاء في الرجوع بالهبة بعد استقرارها وقبضها، فمنهم من أجازه ومنهم من حرمه محتجاً بحديث "ليس لنا مثل السوء الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه".
- •لا يجوز الرجوع في الهبة إلا للأصول كالأب والأم والجد والجدة، لأسباب كالتأديب أو التسوية بين الأولاد أو دفع الفتنة.
- •حديث "أنت ومالك لأبيك" يدل على أن ملك الفروع لا يزول عن الأصول.
تملّك الهبة بالقبض والإذن وتعريف العمرى والرقبى
وإنما يملكه المتهب بقبضه والإذن مما يهب.
هناك شيء اسمه العمرى والرقبى، يعني ما هي العمرى والرقبى؟ يعني آتي عندي بيت ولي صديق صدوق، إن الصديق الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك، فالصديق الصدوق يريد بيتًا وما له بيت، قلت له: تعال عندي بيت ها هو فارغ، مدة حياتك اجلس فيه، مدة حياتك أعمرتك هذا البيت.
معنى أعمرتك البيت وأثرها في طمأنة المتهب
أعمرتك مشتقة من عمرك، يعني طوال حياتك لا تقلق، أنت ستقلق أنك أصبحت في الشارع وأذهب أين وآتي من أين وأتضرر هنا وهناك، وعندما أكبر سأذهب إلى دار المسنين، فدع ذلك، خذ الشقة هاهي وأنا لست أريدها مدى حياتك.
أنا وهبته منفعة هذه الشقة مدة حياته، فأعمرته هذه الشقة. أعمرته يعني ماذا؟ يعني جعلت الشقة لمدة عمره.
الفرق بين صيغة ما عشتُ وما عشتَ في العمرى
أو أقول له: انتبه عمرك [أي مدة حياتك في هذه الشقة]؛ لأن أنا مسيطر على أولادي وأعرفهم أنهم لا يعصون لي أمرًا حيًّا أو ميتًا، وعندما أموت سيستمرون أيضًا تاركينك أنت عمهم.
أو أقول: لا، أولادي فاسدون ولا يراعونني في الدنيا، ولذلك أنا سأعطيك هذه الشقة ما دمت حيًّا، فلما أموت ستنتقل [الشقة] إلى من لا يرحم ولا يخاف الله وهم الورثة، فانتظر منهم كل بلاء؛ لأن هؤلاء أولاد عاقون لا يسمعون لي ولا يعملون بما أقول لهم، ويقولون سنبيع هذه الشقة ولا يأبهون لك حتى لو قيل لهم هذا عمكم، ولا يرضون أن يبروا أباهم ولا يبروا الناس الكبار.
الفرق بين صيغة ما عشتُ وما عشتَ وأثرها على مصير الشقة
فأحيانًا تكون ما عشتُ [بضم التاء، أي مدة حياة الواهب]، وأحيانًا تكون ما عشتَ [بفتح التاء، أي مدة حياة المتهب]. هذا هو الفرق.
ما عشتُ تعني أنه عليك أن تجهز نفسك في اليوم الذي تصلي فيه عليَّ [أي يوم وفاة الواهب] أن تبحث لك عن شقة أخرى، وسيكون هذا موت وخراب ديار.
أما ما عشتَ فتعني أننا ضامنين الأولاد ونكتب إذن عقدًا يجعلهم أيضًا يستمرون في فعل الخير.
تعريف الرقبى والجمع بين صيغتي عشتُ وعشتَ في عقد واحد
فلماذا لا نجمع بينهما عشتُ أو عشتَ؟ أي لو مُتَّ [أنت المتهب] قبلي فسترجع [الشقة] إليَّ، ولو مُتُّ [أنا الواهب] قبلك فترجع للورثة. وهذه التي تسمى الرقبى.
يترقب كل واحد منهما موت صاحبه؛ خائف يقول: أنا خائف لعله يموت فيطردني الأولاد، فهو يترقب؛ لأنه لو مات ستعود [الشقة] إليه. وأنا أيضًا خائف، والله صاحبي هذا يموت، فلو مات ستعود لي أنا. وهكذا، فإذن الرقبى تُ تَ [أي عشتُ وعشتَ معًا].
أنواع عقود العمرى والرقبى الثلاثة وبيان الصيغة الرابعة الباطلة
يبقى [الرقبى] مضمومة ومفتوحة مع بعض. يبقى العمرى نوعان: عشتَ أو عشتُ، والرقبى تُ تَ.
واحد أيضًا بعد كل الشرح هذا يقول لي: ماذا تعني تُ تَ؟ تعني تاء مضمومة وتاء مفتوحة، يعني عشتُ أو عشتَ في عقد واحد.
فتكون العقود كم نوعًا؟ هكذا ثلاثة:
- ما عشتُ هذه واحدة.
- ما عشتَ هذه الثانية.
- ما عشتُ أو عشتَ هذه الثالثة.
لا عشتُ ولا عشتَ؟ أنت لا يوجد عقد هكذا! ستكون كيف الرابعة؟ فهي لا تصح.
بصيغة وقوله: أعمرتك ما عشتُ أو عمرك أو أرقبتكما، إذن بذلك جمع بين الاثنين.
متى تُملك الهدية وقصة الشجار بين المُهدي والمُهدى إليه
طيب، وإن ما يملكه المتهب بقبضه. متى تصبح الهدية ملكي؟
أنت جئت إلي لتصالحني فجئت معك بقطعة حلوى هكذا، وأنا ما إن رأيتك على الباب حتى وضعت الشيء [قطعة الحلوى على الطاولة] ودخلت وجلست.
دخلت وقلت لك: آه، لقد جئت يا خراب الشوم، ألك عين تأتي إلى هنا؟ قلت لي: يا أخي، لاقيني ولا تغديني، عيب الذي أنت تقوله هذا، أنا آتٍ لأصالحك وأحضر لك هدية. فأقول: ما أنا بمريد لك ولا أريد هديتك.
فتشاجروا مع بعضهم البعض، فأنت وأنت ماشي ماذا فعلت؟ ذهبت وأخذت الهدية وسرت، قلت: الأطفال أولى بها. وذلك لأنه حدث شجار بينهما. فمتى تُمتَلك الهدية؟
القول الأول في تملك الهدية بالقبض والقول الثاني بالتناول
فقالوا اختلفوا في الكعكة هذه:
القول الأول: قال لك تملكها بالقبض، ويعني أنه سلمها لي في يدي هكذا، فأنا وضعتها على الطاولة ودخلنا جلسنا تخاصمنا، وأنت خارج لا يجوز لك أن تأخذها؛ لأنها أصبحت ملكي. وهذا رقم واحد بالقبض.
القول الثاني: أم بالتناول؟ فتحتها ووضعتها في فمي فملكتها هكذا. قبل أن وضعتها في فمي قال لي: أقسم قسمًا عظيمًا أنك لا تقترب منها ولا تأكلها، هذه حاجتي، ويسحبها مني.
هذا القول الثاني يقول ماذا؟ أن الهدية لا تُملك إلا عندما يضعها الرجل في فمه، وهذا كلام يعني أنها موضوعة أمامه هكذا وعينه عليها يا عيني، ويأتي فيسحبها من أمامه ويقول له: هذه ملكي، قم واخرج، فيأخذها ويطرده، أو يقول له: أنا ذاهب فيأخذها ويمضي.
القول الثالث في تملك الهدية بالازدراد وترجيح العلماء للقبض
القول الثالث أسوأ من هذا القول، قال: يملكها بالازدراد [أي البلع]، يعني عندما يبتلعها، عندما تصبح في بطنه بالداخل.
طيب وهي في فمه؟ قال: من حقك أن تقول له أخرج ما في فمك، فكيف أطعمك يا ابن اللذين وأنت تشتمني وأنت تمضغ في الشيء الخاص بي؟ أخرج ما في فمك!
العلماء قالوا ماذا؟ قالوا بأن الأولى هو القول الأول [وهو القبض]؛ لأنه يتناسب مع مكارم الأخلاق. يعني الأول الذي هو القبض الذي أتى به الشيخ هنا، وهو أن الهدية تُملك بماذا؟ بالقبض.
أما بالتناول صعبة قليلًا، فلنفترض قال له: أخرج ما في فمك؟ قالوا: هل بذلك ليس عليه شيء؟ قالوا: لا؛ لأنه لا يناسب كرم الأخلاق، ولا حتى لو كان ذبح أباك لا تُخرِج اللقمة من فمه.
فالذي يقول أنها تُملك بالازدراد مصيبة كبيرة. فإذن الهبة تُملك بماذا؟ بالقبض.
حكم الرجوع في الهبة بعد القبض وحديث الكلب يرجع في قيئه
طيب، الرجوع في الهبة: افرض أن واحدًا كما قلنا الآن سلمني العلبة التي تحتوي على الحلاوة ووضعتها في مكان ثم تشاجرنا، وهو خارج رجع في كلامه فأخذ العلبة، ولكن بعد أن استقرت الهبة وقُبضت اختلف الفقهاء فيها.
فأحدهم قال: لا يجوز وهذا حرامٌ عليه:
قال النبي ﷺ: «ليس لنا مثل السوء، الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه»
هذا الحديث رُوي بروايتين: رواية تقول «الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه»، والرواية الثانية تقول «ليس لنا مثل السوء، الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه».
الخلاف في جواز الرجوع في الهبة بين الإباحة والتحريم
الذي وصل إليه الحديث من غير زيادة «ليس لنا مثل السوء» قال: يجوز أن يرجع؛ لأن الكلب إذا ما تناول قيئه لم يكن ذلك حرامًا، هو كلب فقط، يعني وضيع يعني [أي أن التشبيه للتنفير لا للتحريم].
والثاني قال: لا؛ لأن كل مساوئ الأخلاق من الحرام، «ليس لنا مثل السوء» في الحديث نفسه، فما ينبغي أن نتخلق بمثل السوء. وهذا الذي نأمر به: لازم الهبة أن تكون كذلك [أي لا رجوع فيها].
«ليس لنا مثل السوء»: إذا أعطيتها وقبضها فلا ترجع فيها ولا رجوع بعده.
استثناء الأصول من حرمة الرجوع في الهبة وأسباب ذلك
إلا الأصول [أي الأب والأم والجد والجدة]، يعني لا ترجع فيها، لماذا؟ لأنه ليس لنا مثل السوء، والإنسان لا يقبل على نفسه أن يكون كلبًا ويتقايأ ويرجع في قيئه، يعني شيئًا يعني شيئًا قبيحًا جدًّا فظيعًا. فإذن علينا ألا نفعل هذا.
إلا الأصول، إلا إذا كان أبي هو الذي فعل ذلك [أي وهب ثم أراد الرجوع]، يعني جاء لي بشيء وذهب فسحبه مني، سحبه مني، فيبقى لا بد مع شفقته عليَّ أن يكون يؤدبني في الحالة التي مثل هذه.
يجوز له أن يسحب الهبة مرة أخرى؛ لأنه رأى أن المصلحة في هذا السحب:
- •كتأديب [للولد].
- •كتسوية بين الأولاد.
- •كدفع للفتنة.
- •كنوع من أنواع الاحتياج.
فيبقى إذن إلا الأصول. الأصول هي التي تقدر [على الرجوع]، وهو الأب والجد والأم والجدة وهكذا إلى آخره، الأصول من لهم عليَّ ولادة.
قاعدة أنت ومالك لأبيك وعدم زوال ملك الفروع بالرجوع
ولا رجوع بعده إلا الأصول ترجع؛ إذ ملك الفروع لا يزول [أي أن ما يملكه الابن لا يخرج عن سلطة الأب بالكلية].
يبقى أنت ومالك لأبيك، يعني [فللأب حق الرجوع في هبته لأولاده عند الحاجة والمصلحة].
فاللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.
