شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الوقف | أ .د علي جمعة - شرح متن الزبد, فقه

شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الوقف | أ .د علي جمعة

16 دقيقة
  • الوقف إخراج المسلم للمال من ملكه وجعله ملكًا لله، بحيث تبقى عينه دون تصرف فيها بأي وجه.
  • اشترط الشافعية أن يكون الوقف عقارًا، بينما أجاز المالكية وقف النقود للاستثمار مع حبس أصلها وصرف إيراداتها في وجوه الخير.
  • يضع الواقف شروطًا لمصارف الوقف كطلبة العلم أو الفقراء أو الصحة أو الأمن أو الدفاع عن الأوطان.
  • شرط الواقف كنص الشارع لا يجوز تغييره حفاظًا على ثقة الناس بالوقف.
  • قام الوقف بأدوار عظيمة في التعليم والدعوة والصحة والأمن، وضرب مثالًا بالأوقاف على الأزهر.
  • حارب المستعمرون نظام الوقف لأنه كان يضمن استقلالية العلماء وحريتهم.
  • الوقف نوعان: خيري وأهلي، والأهلي ألغي في مصر سنة 1946م.
  • يشترط في الوقف: أن يكون من مالك، وبعين ينتفع بها مع بقائها، وألا يكون في معصية.
  • الوقف لازم لا يرجع فيه، ويُعيَّن له ناظر يدير شؤونه ويرممه ويؤجره.
  • الوقف كالحر لا يدخل تحت اليد ولا يباع إلا للاستبدال بنظر الناظر أو القاضي.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة باب الوقف وتعريفه وحقيقته في الفقه الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

باب الوقف، والوقف يخرج فيه المسلم من ملكه ويجعل الشيء ملكًا لله، بحيث أن تبقى عينه هكذا لا تتغير، ولا يُتصرَّف فيها لا ببيع ولا بشراء ولا بهبة ولا بأي تصرف كان.

اشتراط الشافعية العقار في الوقف وإجازة المالكية وقف النقود

ولذلك اشترط الشافعية فيه أن يكون عقارًا؛ أرضًا أو مباني، ولا يكون منقولًا كالسيارة مثلًا، ولا يكون نقودًا.

أما المالكية فأجازوا أن يكون الوقف من النقود، وهو موافق لعصرنا؛ حيث إننا نوقف مبلغًا معينًا من الأموال ونضعها للاستثمار، تُحبس عينها ثم نصرف إيراداتها في وجوه الخير.

وهذا أرفق بالأعمال، خاصة في ظل الكثير من القوانين التي جعلت العقار وكأنه لا قيمة له؛ تثبيت الإيجار وعدم خروج الساكن وهكذا إلى آخره، فكأنه لا قيمة له.

حقيقة الوقف ونقل الملكية من الواقف إلى ملك الله وجماعة المسلمين

فحقيقة الوقف أنك تأتي بشيء له قيمة من عقار أو نقد — والنقد ليس معتبرًا عند الشافعية الذين نقرأ الكتاب الخاص بهم، [ولكنه معتبر] عند المالكية — ونضعه فنخرجه من ملكنا ونجعله في ملك الله.

ومعنى ملك الله أنه صار ملكًا لجماعة المسلمين، ثم بعد ذلك يأتي الواقف ويضع شروطًا لوقفه، فيقول: هذه الثمرة، هذا الربح، هذا الريع، هذا الدخل الذي يأتي من الوقف أين يذهب؟

مصارف الوقف المتنوعة من طلبة العلم إلى شؤون الأمة

فيجعله مرة على طلبة العلم، أو على الفقراء والمساكين، أو يجعله على شؤون الصحة، أو يجعله على شؤون رعاية الأمن بين الناس، أو يجعله في سبيل الله يُنفق في الدفاع عن الأوطان، أو يجعله وهكذا في أي سبيل من السبل التي يقوم بها المسلم في نفسه، أو المجموعة في مجموعها، أو الأمة في ذاتها.

شرط الواقف كنص الشارع وأهمية الحفاظ على ثقة الواقفين

وشرط الواقف كنص الشارع؛ يعني لا يجوز أن نغير ما اشترط [الواقف]، لأننا لو غيرناه لذهبت الثقة بالوقف، وأراد الأغنياء أن يوقفوا ثم يتشككون في أنك تأتي من بعدهم وتغير مرادهم، وهم يريدون أن تذهب هذه الأرباح وهذه الأموال إلى جهات معينة بالذات.

وأقام الله سبحانه وتعالى كل قلب فيما يشغله؛ شغل كل قلب بشيء، فشغل بعضنا بالعلم، وشغل بعضنا بالفقر والعطف على المساكين، وشغل بعضنا بالصحة والعطف على المرضى، وشغل بعضنا بالأيتام، وشغل وهكذا. فالله سبحانه وتعالى شغل كل قلب بشيء مختلف عن الشيء الآخر، لكن الكل يكتمل في رعاية شؤون الأمة.

محاربة المحتل الإنجليزي للوقف وإلغائه في العراق ومصر

والوقف تركه كثير من الناس، وبدأ كثير من المسلمين في العصر الحاضر يعودون إليه بعد أن حاربه المحتل. عندما كانت إنجلترا هنا [في مصر] وفي العراق ألغت الوقف.

فعندما ألغت الوقف في العراق، كان الخطيب يأخذ من الأوقاف وليس من الحكومة. الوقف هذا الذي يقولون عليه الآن مؤسسات المجتمع المدني، ولكن [هذا] كلام أجنبي مترجم. لكن عندنا [في الإسلام] الوقف؛ يعني ماذا؟ يعني أوقفته لله. دائمًا ربنا في الحكاية، دائمًا كلمة ربنا عندنا. عندهم ما يوجد [ذلك]؛ يقول لك مؤسسات المجتمع المدني التي هي التراست أو المؤسسة أو ما هو المجتمع المدني — الناس يعني — طيب أين ربنا؟ ما عليه ربنا؟ هذا بعدين، طيب ما عليه.

دور الوقف التاريخي في التعليم والصحة والأمن ورعاية الأزهر

نحن إذن عندنا الوقف هذا قام بدور التعليم، كل التعليم والدعوة والصحة والأمن كان تابعًا للوقف.

ولذلك الأوقاف التي وُقفت على الأزهر لا يعلم مقدارها إلا الله، حتى أنهم وقفوا على شيخ الأزهر أن يُضيف الضيوف، فقد كان بيته مفتوحًا دائمًا والناس تأتي لتأكل ليلًا ونهارًا.

وجعلوا له أوقافًا بحيث إذا نزل عن بغلته أمام الأزهر فقرأ الفاتحة للواقف استحق شيئًا من الوقف. ما صدقوا! يعني اعمل أي شيء سأعطيك. ويأخذ الشيخ لكن لا يبني بها عقارات ولا عِزَبًا ولا كذلك، وإنما يردها على طلبة العلم فقط. يبقى الشيخ خاصتهم؛ يعني لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، فكان يعطي من عنده.

كيف ألغى الإنجليز الأوقاف بحيلة التنظيم والسيطرة على الخطباء

فلما جاء الإنجليز ألغوا الأوقاف. جاءوا وقالوا: نريد أن نلغي الأوقاف يا إخواننا. قالوا لهم: كيف؟ قالوا: ننظمها. ما هو أول شيء تبدأ فيه؟ في التنظيم، ننظمها.

قالوا: ستنظمونها كيف؟ أنت الشيخ تأخذ كم؟ قال له: ثلاثة جنيهات في الشهر. قال له: حسنًا، خذ ستة جنيهات، سننظمها، نأخذ منكم الأوقاف وننظمها ونعطيك ستة جنيهات. قال له: ما من مانع، أنا لا أمانع أبدًا، الثلاثة ستصبح ستة، حسنًا.

الأول [أي قبل التنظيم] كان يصعد على المنبر ويقول ما يريده، ويلعن من دخل [البلاد من] الإنجليز والأمريكان وجميع المحتلين واليهود، وهو غير خائف؛ لأن رزقه من الأوقاف، لا أحد له سلطان عليه.

تهديد الخطباء بقطع الراتب بعد إلغاء استقلال الأوقاف

خذ الستة جنيهات. جلبوه [أي استدعوه]، قالوا له: لا تتكلم مرة أخرى بهذا الكلام. قال لهم: لا أتكلم! أنا رجل حر. قالوا له: يا حبيبي، نقطع عنك الراتب الذي هو الستة جنيهات. فدخل في الدائرة [أي وقع في الفخ].

اعتراض فرنسا على الأوقاف العثمانية وتعجب الشيخ الكوثري

وجاء اعتراض من السفير الفرنسي إلى الباب العالي [الدولة العثمانية] بأنه يجب على تركيا أن تلغي الأوقاف.

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى: فتعجبنا في المشيخة، ما شأن فرنسا والأوقاف؟ نحن ما شأنها بالأوقاف! عندما تطلب رعاية الأقليات، رعاية الكاثوليك في البلاد، رعاية... كان من المعقول أن فرنسا كاثوليكية وترعى رعاياها أو دينها، يعني معقول. لكن ما شأنها وما شأن الأوقاف؟ أوقاف أيّ [شيء] التي هم يتكلمون فيها هذه؟

ما فعله الإنجليز في العراق من إلزام الخطباء بنصوص مكتوبة

قال [الكوثري]: حتى علمنا ما فعله الإنجليز في العراق؛ أنهم ذهبوا فألغوا الأوقاف ونظموها، وجعلوا الرجل الذي يخطب على المنبر يجب أن يقول الكلام الذي في النص المكتوب.

وإن لم يقل الكلام الذي في النص المكتوب فماذا يفعلون به؟ يلغون الراتب ويخصمون من الستة جنيهات ويلغونها، فيصبح الرجل مشردًا. ومعنى ذلك أنه إن تكلم [بغير ما يريدون عوقب].

دور الوقف في تعليم الناس الحرية والكرامة والعزة

انظر ماذا فعل الوقف: علّم الناس الحرية، علّم الناس الكرامة، علّم الناس العزة، مع رعاية مؤسسات المجتمع المدني لقضايا لا تستطيع الدولة أن تقوم بها.

هذا الوقف أخذوه منا بعد ذلك وأطلقوا عليه اسم تراست أو مؤسسة أو لا أدري ماذا، وطبقوا هذه الفكرة ونجحت. وأصبح هناك وقف فولبرايت، وفي وقف فورد، وفي وقف كذا وكذا، ورعى الأبحاث العلمية وفتح المستشفيات لمكافحة الأمراض والسرطان وكذلك إلى آخره، وتطورت الأبحاث في كافة المجالات من هذه المؤسسات، من فكرة الوقف الإسلامي.

قداسة الوقف باعتباره ملكًا لله وضرورة احترامه وصيانته

التي فيها خرج الملك من ملكك إلى ملك الله. حين تعرف أن هذا ملك لله تعمل ماذا؟ هذا المسجد ملك لله، قم احترمه وقدّسه.

وإذا جاء أحد نقول له مثلًا: أصلح لنا مصباحًا، فيقصّر في عمله كهربائيًا، قم قل له: في بيت ربنا، اغشش خارج بيت ربنا ولكن في بيت ربنا [لا]! يعني يستعظمون هذا الأمر.

أو كان الوقف كذلك في قداسة هذا [الملك لله]، ولكن تجرأ عليهم النُّظّار وأفسدوا فسادًا عريضًا فيها وسرقوا مالها — والعياذ بالله تعالى — فضُربت الحضارة الإسلامية في مقتل، ولكنها لم تمت بإذن الله. بعد ما أخذت الطعنة من الفجرة الحرامية أيضًا، لا تزال باقية كما هي، هكذا نامت ولم تمت.

شروط صحة الوقف من أهلية الواقف وملكيته لما يوقفه

يبقى إذن لا بد أن تكون مالكًا لما تريد أن تتبرع به، أهلًا لذلك التبرع؛ ألا يكون طفلًا صغيرًا ولا مجنونًا ولا كذلك.

ولذلك يقول [المصنف]: صحته من مالك تبرع؛ الصحة الخاصة به أن تكون مالكًا وأن تتبرع بهذا الشيء.

اشتراط بقاء العين في الوقف عند الشافعية وسعة الفقه الإسلامي

بكل عين جاز أن يُنتفع بكل عين فتبقى؛ النقود ليست أعيانًا، كل عين تبقى [كـ] المباني والأراضي. هذا عند من؟ عند السادة الشافعية الذين نحن نقرأ لهم الآن، ولكن الفقه الإسلامي أوسع وأرحب مما نقرأ.

والعين هذه يُنتفع بها، فلا توقف لي شمعة تنطفئ وانتهت، ولا توقف لي مثلًا مصباحًا ينكسر انتهى، ذهبت عينها. لا، هو يريد عينًا باقية حتى تسمى وقفًا.

وإلا فعندما أتبرع للمسجد بشمعة أو بزيت أو بمصباح، فما هذا؟ يكون تبرعًا، يكون صدقة وتبرعًا، لكنه لا يكون وقفًا.

وجوب كون الوقف عقارًا وإمكانية استبداله إذا انهدم أو تغيرت ظروفه

يجب أن يكون الوقف عندهم [أي الشافعية] يبقى؛ يكون الذي يكون مثل العقار والأرض.

فلنفترض أن العقار انهدم؟ قال: انتهى، لا بأس، علينا نستبدله إذن. فلنفترض أن قطعة الأرض ظهر فيها طريق صلاح سالم — أنا عملت قطعة أرض هكذا ووقفتها لله، وبعد ذلك بعد منذ مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة جاء شيء يسمى طريق صلاح سالم أو طريق الأوتوستراد وافتُتح فيها —

فماذا نفعل؟ أن نستبدلها ونبيعها ونأتي بقطعة بعيدة نستبدل بها شيئًا آخر، حتى يظل الثواب مستمرًا.

وجوب كون الوقف منجزًا حالًا لا معلقًا على المستقبل

بكل عين يجوز أن يُنتفع بها مع الباقي منجزًا عليه. ويجب أن يكون هذا الآن حالًا؛ لا تقول: أنا سأوقف هذا إن شاء الله بعد غد. يجب أن تقول: أنا أوقفت هذا حالًا الآن منجزًا موجودًا.

لا تقل: أنا البيت الذي سأبنيه سأوقفه، ما أنت لم تبنه بعد! يجب أن يكون شيء موجودًا حتى تملكه وتؤهله ويصبح واردًا أن ننقله من ملكنا إلى ملك الله، الملك جاهز أن أسلّمه.

أنواع الوقف الخيري والأهلي وإلغاء الوقف الأهلي في مصر

ووسط وآخر؛ إن انقطع فهو إلى أقرب واقف، رجع الوقف.

الوقف نوعان: وقف خيري ووقف أهلي. والوقف الأهلي هذا معناه أن أوقف شيئًا على أولادي وأحفادي، وهذا أُلغي إلغاءً هنا في مصر سنة ستة وأربعين وألف وتسعمائة [1946م].

والوقف الخيري وهذا باقٍ إلى اليوم. واليوم في مقال في الأهرام يدعو فيها الدكتور شوقي الفنجري إلى إعادة النظر في قوانين الوقف وتعديلها، حتى يستطيع الناس بسهولة أن يوقفوا، وأن يعود دور المسلمين في رعاية أمورهم مرة أخرى.

اشتراط نفي المعصية في الوقف وعدم جواز الوقف على الحرام

فيبقى إذا انقطع هذا الوقف وأعطيناه لأقرب شخص [من الواقف]. والشرط فيما عمّ نفي المعصية؛ لا يجوز أن توقف لمعصية.

أوقفت لله هذا على أن يُدار به خمّارة، كيف قال؟ والله لكي يستمتع الناس! لا يصلح هذا، الحانة هذه حرام، الخمر حرام.

قال: نعم، ولكن عندما أشربها هكذا أسكر وأنسى همومي. قال له: أنت تنسى ماذا؟ قال له: كنت أظن وعقلي دفتر — ما هو سكران! — لا يصلح.

لا يصلح أن نقف على معصية، يجب أن تكون جهة بِرّ.

شروط الوقف من عدم التتابع والتسوية ودور الناظر في إدارته

وبشرط ألا تكره التتابع والتسوية والمعارضة والتقديم والتأخير.

نظارة تعمره وتؤجره: كلما نقوم بوقف نجعل له ناظرًا يدير شؤونه ويرممه ويؤجره ويجعله محلًا للانتفاع. يقول للناس: تعالوا اسكنوا هنا في هذا البيت كنُزُل أو كفندق مجانًا لابن السبيل، وهكذا يقوم بتنفيذ ذلك للشرط الخاص بهذا الرجل [الواقف].

لزوم الوقف وعدم جواز بيعه وتشبيهه بالأحرار والصدقة الجارية

والوقف لازم وملك البال انتهى؛ يا هذا اخرج من ذمتك ولا يعود ثانية، وهو ملك لله. ومعنى ملك لله يعني ملك لجماعة المسلمين؛ فالله لا ينال منه نفع ولا ضرر، هذا كله لنا.

والوقف والمسجد كالأحرار؛ يعني الحر لا يدخل تحت اليد، والوقف لا يدخل تحت اليد. هل ينفع أن تبيع واحدًا حرًّا؟ قال: لا ينفع. قال له: لا ينفع أن تبيع وقفًا. طبعًا إلا إذا كان هناك استبدال، وهذا يكون بنظر الناظر أو بنظر القاضي.

فيكون الوقف هذا مسألة فيها تبرع، صدقة جارية:

قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد يدعو له، أو علم يُنتفع به»