الدرس الثالث والأربعون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الصلح | أ.د. علي جمعة - شرح متن الزبد, فقه

الدرس الثالث والأربعون | شرح متن الزبد | الفقه الشافعي | باب الصلح | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الصلح لا يكون صحيحاً إلا بعد الإقرار وبعد الخصومة بلا إنكار.
  • لا يصح تسمية ما يتفق عليه الطرفان صلحاً إذا كان هناك إنكار للحق من أحدهما.
  • الفرق بين الصورتين: الأولى المنكر يعطي جزءاً من المبلغ ليتخلص من الإزعاج، والثانية المقر يدفع ما يستطيع بعد إقراره بالحق.
  • ما يدفع مع الإنكار ليس صلحاً بل هو من باب دفع الشر أو السحت أو البلطجة.
  • الصلح الشرعي يكون على بعض العين المتنازع عليها، والباقي يكون هبة أو براءة للدين.
  • يمكن أن يكون الصلح في البيع أو الإجارة أو السكنى أو العارية.
  • تطبيقات أخرى للصلح تشمل وضع الجذع على حائط الجار، أو إشراع جناح معتلٍ في الطريق.
  • يجب مراعاة حقوق الجار في حالات فتح الأبواب أو النوافذ التي قد تؤدي إلى كشف العورات.
  • لا بد من إذن الجار والحصول على ترخيص عند إجراء تعديلات قد تؤثر على الخصوصية.
  • يجب على المسلم غض البصر ومراعاة حقوق الجار التي عظمها الإسلام.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

شرط الإقرار وعدم الإنكار لصحة عقد الصلح بين المتخاصمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

ولكن الصلح لا يكون إلا بعد الإقرار، وبعد الخصومة بلا إنكار. يبقى إذا لا يصح أن نسمي ما يتفق عليه الناس من غير إقرار بصلح.

مثال على خصومة فيها إنكار لا يصح فيها الصلح

اثنان متشاجران مع بعضهما البعض، واحد يقول له: عندك عشرة آلاف جنيه، قال له: والله ما أخذتها. قال له: فاحلف يمينًا على يمينك أنك أخذتها العشرة آلاف.

كل واحد يظن أنه صادق بينه وبين ربه؛ واحد يعرف أنه أعطاه، والآخر يقول: أبدًا لم آخذ. فلا ينفع الصلح هنا، يعني لو اتفقا وقال له: نقسم المبلغ نصفين، هات خمسة وسأترك لك خمسة، فالثاني بسبب إزعاج الرأس والإلحاح فقال: حسنًا، خذ خمسة هذه واكفني الشر.

لا يُعتبر هذا صلحًا، لماذا؟ لأن هذه المعاملة فيها خصومة وإنكار وليس فيها إقرار. فلا بد في الصلح أن يتم أولًا الإقرار دون إنكار.

الفرق بين صورة الإنكار وصورة الإقرار في الصلح

أي أن صورتها [صورة الصلح الصحيح] أنني أعطيتك عشرة آلاف جنيه، فقال له: نعم. انظر إلى الفرق؛ هذا الفرق: الآخر يقول له: أبدًا والله ما أعطيتني، وهذا يقول: والله أعطيتك.

لكن هناك الصورة الثانية: أنا أعطيتك عشرة آلاف جنيه، قال له: نعم صحيح. هاتهم. قال له: ليس معي ولا قرش ولا أعرف كيف أعطيك، سأحضر لك من هنا وهناك وسنبيع حلي المرأة، سأحضر لك خمسة. قال له: حسنًا، هذه الخمسة أفضل من أن يضيعوا جميعًا.

إذن هذا صلح، فلماذا سُمّي صلحًا؟ لأنه كان بعد إقرار خالٍ من الإنكار.

ما لا يسمى صلحًا وإنما هو دفع للشر والبلطجة

حسنًا، فهمنا هذا. لا يسمى الأول صلحًا. هذا يسمى ماذا؟ يسمى إنه هذا يكفينا شره، أريد أن أكتفي شره. ليس صلحًا هذا؛ لأن أصلًا أقول: ما في ذمتي شيء، ولكنني سأعطيك خمسة آلاف لأنك شخص بلطجي.

هذا في نفسي من الداخل هكذا: ما أنا لست مصدقًا، وسيادتك تلح إلا يجب أن تعطيني. طيب، خذهم واذهب. إذن هذا ليس الصلح، هذا ليس معنا هنا في الكتاب.

هذا "خذهم واذهب"، هذا ما هذا؟ نوع من أنواع السحت، نوع من أنواع البلطجة، نوع من الأنواع [التي يقال فيها]: يكفينا شره.

باب الصلح جائز مع الإقرار بعد خصومة بلا إنكار

باب الصلح: الصلح جائز مع الإقرار. انظر كيف: الصلح جائز مع الإقرار، فماذا من غير إقرار؟ إذن ليس الصلح [صحيحًا]. لننظر إذن أي شيء آخر نبقى نبحثه في موضع آخر، لكن هنا الصلح جائز مع الإقرار بعد خصومة بلا إنكار.

يبقى في خصومة، هذه الخصومة حدث بعدها عدم إنكار بل إقرار. أحضر العشرة، قال له: لا، لن أحضر، ليس معي. تخاصموا، ذهبوا إلى القاضي، والقاضي قال له: حسنًا، ألا تعرف يعني تأخذ جزءًا وانتهى؟ قال له: نأخذ الخمسة وننتهي من الإزعاج والقضايا وهذا الأمر.

ما دمت مقرًّا، قال: نعم، في ذمتي، نعم والله أخذتهم منه، ولكن لا أستطيع. إذن يكون هناك إقرار بلا إنكار.

الصلح يكون ببعض المدعى به هبةً أو براءةً للدين

وهو [الصلح يكون] ببعض المدعى في العين. هم عشرة، سددنا منهم كم؟ خمسة. يبقى الصلح لا ينفع [أن يكون بأكثر من المدعى به].

يبقى أنا في ذمتي عشرة، جئت أمام القاضي هكذا. أنت يا فلان رفعت ضدي قضية، طيب أنا سأعطيك اثني عشر على الفور. أنت أخذتهم؟ قلت: نعم أخذتهم، ولكن أن تأخذني إلى المحاكم وتهينني أمام حضرة القاضي، فما هذا؟ هذا صلح؟ لا، هذا ليس صلحًا؛ لأنه أعطى كم؟ اثني عشر. الصلح يكون على بعض العين.

[وبقية العين تكون] هبة أو براءة للدين. طيب، بقية العين ذهبت إلى أين؟ قال له: هبة، أو ماذا؟ أو انتهينا وبرأت ذمتك من الدين. هذا براءة، يقول لك هكذا: براءة. تقول له: براءة، انتهى. براءة، أي براءة الذمة.

أنواع الصلح الأخرى كالبيع والإجارة والإعارة في الأعيان

يعني وفي سواه [أي في غير الدين] بيع أو إجارة، والدار للسكنى هي الإعارة. يعني يمكن أن يكون فيه ليس ديونًا [فقط]؛ يمكن أن يكون أنك أخذت مني سيارة، فماذا يكون هذا عندما أنت سددت جزءًا من ثمنها؟ ماذا يسمى ذلك؟ يكون بيعًا.

طيب، أنت أخذت الشقة وسكنت فيها، قلت لك: أنا لم أعطك شقتي مجانًا، أليس كذلك؟ طيب يا أخي، أليست هذه الشقة لها إيجار؟ نعم، وأنت تعرف أن لها إيجارًا، أليس كذلك؟ نعم.

طيب، هات الإيجار، لقد مضت عليك سنتان الآن. قال: لا، أنا ليس معي مال. اتفقنا أمام القاضي أن يدفع سنة وسنة تروح [تُسقط]. إذن ماذا تكون السنة التي راحت؟ تسمى إعارة. هل أنا عندما أعيرك الشقة تذهب لتسكن فيها بدون إيجار، ماذا تكون؟ تكون إعارة. أعرتك الشقة، ردها لي ثانية.

حكم الصلح في وضع الجذع على حائط الجار وإشراع الجناح

بالشرط أبطل وأجز في الشرع على مرور ووضع الجذع. كان قديمًا البيوت وهي تُبنى يضعون الجذع على حائط الجار، الجذع الذي سيُسقف به السقف يضعونه على حائط الجار. فيلزم أن يأخذ إذنه، يلزم ربما يدفع مالًا، ربما يقوّي الحائط، يحدث أشياء كثيرة.

اختلفنا، ذهبنا إلى القاضي، نحن نقول الصدق ونحن الاثنان متفقان وأقررنا، وعفوت عنه أو عن جزء، فيكون ذلك صلحًا.

وجاز إشراع جناح معتلٍ أيضًا. كانوا يعملون السوق ويخرجون المشربية خارجًا هكذا، لمسلم في نافذ من سُبُل [أي في طريق مفتوح من الاتجاهين].

شروط جواز إخراج المشربية في الطريق المفتوح والمسدود

عندما يكون الشارع مفتوحًا من الاتجاهين - كان قديمًا يُسد فيصبح حارة مسدودة - ولكن عندما يُفتح من الاتجاهين فيجوز أن يُخرج هذا [الجناح]؛ لأنه سيكون فيه منفذ وسيولة. ولكن لو أنه كان مسدودًا فسيحدث اختناقًا لمن يمر من هذا الخروج الخاص بالمشربية.

[بشرط أن] لم يؤذِ من مرّ، البروز لهذه المشربية لا يؤذي المارة.

حكم تقديم الباب في الحارة المسدودة وضرورة إذن الشركاء

وقدّم بابك، وجاز تأخير بإذن الشركاء. كان قديمًا الحارة السد [المسدودة]، هل أنت ساكن وبابك في أول البيت أم في نهاية البيت؟

إذا كان في نهاية البيت فستكون القصة مستورة؛ لأنه سيمر عليك ويرى الحائط ولن يكشف أهل بيتك. حسنًا، أنا سأقدمه بهذا الشكل [إلى أول البيت]، سأكشف أهل بيته، فيجب أن يكونوا حريصين على إغلاق الباب.

أليست هذه تكلفة عليهم؟ قال: يجب أن يكون ذلك بإذنهم.

مراعاة العورات عند البناء وأخذ الترخيص من الحي والجار

ونحن عندما نبني ونأتي لأخذ الترخيص من الأحياء، يجب على مهندس الحي أن يراعي العورات ويقول له: لا، إنك إذا فتحت الباب هنا هكذا فستنظر إلى جارك، وأنت فاتح ستشاهد المرأة وهي غير محجبة.

وذهبوا قائلين المثل الشعبي: جارك إن لم يرك من وجهك فسيراك من قفاك. لماذا؟ لأنه طوال العمر مرة تنفتح هكذا، مرة تتصرف هكذا، ما هو جارك سيراك فاتحة النافذة وهي لا تنتبه. جارك إذا لم يرك من وجهك فسيراك من قفاك وأنت لست منتبهة.

وجوب غض البصر ومراعاة حقوق الجار في الإسلام

هل تدرك أنه يجب على الجار أن يغض البصر، ويجب على الجار أن يراعي الجار، ويجب على الجار أن ينتبه، وحتى لو نظر هكذا فليغض بصره فورًا ولا يبقى يحدق، وهو يفعل ذلك فهو محرم.

ويجب أن تكون حقوق الجار كثيرة، حتى ظننت أنه سيورّثه عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأنه كأننا نعيش مع بعضنا البعض، كأننا معًا سويًّا. أما نحن مع بعضنا البعض فعلًا، فالبيت لو انهدم فإنه ينهدم على الجميع.

ضرورة إذن شركاء الدرب والجار عند تقديم الباب أو تغييره

فشركاء الدرب يجب أن يعطوه ترخيصًا بأن يفعل ذلك [تقديم الباب]. فقام الرجل المهندس هذا وقال له: حسنًا، وما شأنك يا أخي؟ لا، ليس هناك شيء اسمه أنت مالك. يقول له: هذا سيكشف عورة الجار، تقديمك لهذا الباب سيؤدي إلى أنك ستنظر إلى الجار. أعطني ترخيصًا من الجار.

فيجب على الجار أن يكتب تعهدًا بأن: نعم، أنا موافق. لماذا؟ قال له: هذا بيت جعلناه مكتبة، ليس فيه نساء ولا شيء. قال له: والله هذا، أنا رجل عجوز وأنا محتاجهم، وليس لدي أولاد وأولادي رحلوا. أو مثلًا يقول له: لا، هذا رجل طيب، رجل من الصالحين.

نغلق يا سيدي نحن الباب هذا، يا ما تحملنا، لن نتحمله نحن، أو إلى آخره. المهم يجب أن يكون بإذن الجار.

خلاصة القاعدة: الصلح لا يكون إلا عن إقرار بلا إنكار

فيبقى إذن الصلح لا يكون إلا عن إقرار. نحفظ هذه الكلمة إذن: والصلح لا يكون إلا عن إقرار بلا إنكار، والله تعالى أعلى وأعلم.