اكتمل ✓
تفسير الآية 246 من سورة البقرة وأحكام القتال في سبيل الله وبيان الظلم - تفسير, سورة البقرة

ما تفسير الآية 246 من سورة البقرة وما الأحكام المستنبطة منها في القتال والجهاد؟

الآية 246 من سورة البقرة تحكي قصة الملأ من بني إسرائيل حين طلبوا من نبيهم تعيين ملك يقاتلون تحت قيادته في سبيل الله، مستندين إلى إخراجهم من ديارهم وأموالهم. تُقرر الآية أن القتال المشروع سببه الدفاع عن النفس ورد العدوان لا الطغيان، وأن التولي يوم الزحف من الكبائر السبع الموبقات التي تُبطل الحسنات. كما استنبط العسكريون المسلمون منها حكمًا بجواز الاعتذار عن القتال قبل التحرك لا بعده.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز الاعتذار عن القتال بعد التحرك؟ القرآن يُجيب بحكم عسكري دقيق مستنبط من قصة بني إسرائيل.

  • الآية 246 من سورة البقرة تعرض قصة الملأ من بني إسرائيل الذين طلبوا ملكًا يقاتلون تحته في سبيل الله بعد إخراجهم من ديارهم.

  • القتال في سبيل الله مشروع للدفاع عن النفس ورد العدوان واسترداد الحقوق، لا للطغيان أو العدوان الابتدائي.

  • التولي يوم الزحف من الكبائر السبع الموبقات التي لا تكتفي بإثبات الذنب بل تُبطل الحسنات وتمحوها.

  • القرآن الكريم كتاب هداية وتشريع مستمر يُستنبط منه أحكام حديثة كأنظمة التجنيد والسيطرة عليه.

  • وصف الله المتولين عن القتال بالظالمين لأنهم تصرفوا في ملك غيرهم إذ النفس ملك لله وحده.

مقدمة في اتصال شرع الله واستمراره من موسى إلى محمد عليهما السلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يتحدث عن بني إسرائيل، ويبيّن أن شرع الله سبحانه وتعالى متصل مستمر، وأنه لا ينقض الأساس الذي أُنزل به الناموس الأكبر على موسى [عليه السلام].

وأنه ما أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الأمة من بعده به إلى يوم القيامة، إنما هو استمرار واتصال لسنة الله في كونه، ولما فطر الله الخلق عليه، ولما أجرى سنته في الاجتماع البشري فيه.

قصة الملأ من بني إسرائيل وطلبهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله

حيث يقول [الله تعالى]:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِن بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ [البقرة: 246]

فلا بد في القتال في سبيل الله أن يكون له سبب؛ ليس من أسبابه العدوان، ولا من أسبابه الطغيان، إنما من أسبابه الدفاع عن النفس، والرد بالمثل، والردع للمجرمين.

الرد على من يرفض الجهاد وبيان ضرورة الردع والإعداد للعدو

بعض الناس الآن يقول لك: لا تجاهد! كيف؟ وما نُزع الجهاد من قوم إلا ذلّوا. هل الطرف الآخر سيسكت؟ إنه لن يسكت؛ لأنه ليس لديه [قتال] في سبيل الله ولا يعرفه.

ولذلك يجب أن أُفهمه أنه إذا جاء إلى هنا [أرض المسلمين] ستصبح مقبرة له، كي يخافون فيرتدعون، فيأخذ بعضهم بعضًا وينصرفون، أو لا يأتون أصلًا.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]

ليخاف [العدو]! إنما هكذا؟! لا داعي للجهاد لأنه يوجد إنسانية؟ لا، نحن نعرف الإنسانية جيدًا، عارفين الإنسانية في طبيعتها، ونعرف الإنسانية في واقعها، ونعرف الإنسانية كيف نعالجها، وكيف نقف في صد العدوان عندما ننهي هذه الحالة من الطغيان.

إقرار القرآن بأن الإخراج من الديار والأموال يبيح القتال لاسترداد الحقوق

قالوا:

﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا﴾ [البقرة: 246]

وأموالنا. حسنًا، ويُقرّ هذا الكلام أن الإخراج من الديار والأموال حرام، وأن الاستعمار والاحتلال بدون وجه حق حرام.

وها هم قد أُخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فأباح لهم هذا [الوضع] طلب القتال لاسترداد الحقوق.

التولي يوم الزحف من الكبائر السبع الموبقات وأثره على الحسنات

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 246]

يبقى هنا بدأوا في الخروج عن التكليف، وفي ارتكاب الذنب، وفي التولي يوم الزحف، وهو من الكبائر، من السبع الموبقات: الكفر بالله، وعقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف من السبع الموبقات.

ماذا تفعل هذه الموبقات؟ والعياذ بالله تعالى، هو أن الحسنات يُذهبن السيئات، هذه هي القاعدة [العامة]، لا بل إن هذه السيئات [الموبقات] تُذهب الحسنات وتُبطل العمل.

يا له من صنف من المعاصي خبيث سيء أسود؛ لأنه يقضي على الحسنة التي تمحو في ذاتها المعصية والذنب، يقضي على الماحي بالبطلان، يمحوه هو! يبقى ربنا قد سلّط الذنوب الكبار هذه على الحسنات نفسها فأبطلتها.

﴿وَلَا تُبْطِلُوٓا أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ [محمد: 33]

حكم عسكري مستنبط من الآية في جواز الاعتذار عن القتال قبل التحرك لا بعده

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 246]

هنا أخذ العسكريون المسلمون من الآية هذه حكمًا غريبًا قليلًا لكنه مهم. ما هو؟ قال لك: والله يجوز لك أن تعتذر عن القتال، تقول: أنا لستُ سأشارك في المعركة القادمة هذه، قبل التحرك.

فلنفترض أننا تحركنا، لا يجوز لك أن تعتذر. وطبّقوا هذه القصة وستجدونها موجودة في قوانين البلاد، أخذوها منا.

[في البلاد] التي ليس فيها تجنيد إجباري، يقول لك: والله تعالى تطوّع، فتطوّعتَ، نحن سنذهب نحارب في المكان الفلاني. قال: لا، أنا لستُ محاربًا معكم، يُجيز له القانون هذا.

فلم يقل [أحد شيئًا]، وابتدأت الطائرات تتحرك وركب الطائرة، وبعد ذلك بعد أن ركب قال: لا، أنا لا أريد أن أحارب! قالوا: لا يصلح! إذن لا يصلح، يكون هذا توليًا وجريمة ويُعاقب عليها.

القرآن كتاب تشريع وهداية مستمرة وليس مجرد قصص ماضية

الله! بناءً على هذا نحن يمكن هكذا نأخذ من القرآن ونعمل تشريعات هكذا، تشريعات تصل إلى كيف يتم التجنيد وكيف يتم السيطرة على التجنيد.

أنا أقول يعني: عندما نأتي لنقرأ القرآن لا نقرأه باعتبار أنه قصص مضت وانتهت وكانت في زمانها وكان زمان وانتهى. لا! هذا كتاب هداية للعالمين، لمن أراد أن يجعله كذلك، وإذا به يعطي كل يوم جديدًا تستطيع به أن تحيا في حياتك.

بقاء الخير في القليل وتسمية المتولين عن القتال ظالمين لتصرفهم في ملك الله

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]

أيضًا الخير لا ينعدم، أيضًا ناس محترمة [بقيت ثابتة]، لكن سبحان الله يكثر الخبث ويقل الخبث حسب الأحوال.

﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246]

فسمّى هؤلاء الناس [المتولّين عن القتال] ظلمة. فما هو الظلم؟ قال لك: التصرف في ملك الغير.

طيب، وهؤلاء تصرفوا في ملك غيرهم، كيف؟ كتب الله عليه [القتال]. انظر كيف هذه النفس التي هي ملك مَن؟ هي ملك ربنا. كتب عليها القتال فيقول له: لا، لستُ مقاتلًا! فيكون قد تصرّف في ملك غيره، فتكون هذه جهة الظلم إذن؛ أنه بمعصيته لربه تصرّف في ملك غيره.

﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما السبب الذي استند إليه بنو إسرائيل في طلبهم القتال في سبيل الله؟

إخراجهم من ديارهم وأبنائهم

ما الذي تفعله الكبائر الموبقات بالحسنات وفق ما تُبيّنه الآية؟

تُبطل الحسنات وتمحوها

كم عدد الكبائر السبع الموبقات التي ذُكر منها التولي يوم الزحف؟

سبع

متى يجوز للمقاتل الاعتذار عن المشاركة في القتال وفق الحكم المستنبط من الآية؟

قبل التحرك فقط

ما تعريف الظلم الذي استُنبط من وصف المتولين عن القتال بالظالمين؟

التصرف في ملك الغير

ما الغاية من الإعداد العسكري وفق الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾؟

إرهاب العدو وردعه عن الاعتداء

ما الذي يُقرره القرآن بشأن الاستعمار والاحتلال بغير حق؟

حرام ويُبيح للمظلوم القتال لاسترداد حقوقه

ما الذي يُميّز القرآن الكريم عن كونه مجرد كتاب قصص تاريخية؟

أنه كتاب هداية وتشريع مستمر صالح لكل زمان

ما الذي يُشير إليه قوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ في سياق الآية 246؟

أن الخير لا ينعدم وبقي قليل ثابت على التكليف

ما العلاقة بين شريعة موسى وشريعة محمد عليهما السلام وفق مقدمة التفسير؟

شريعة محمد استمرار واتصال لسنة الله التي بدأت مع موسى

ما الآية القرآنية التي تتحدث عن طلب بني إسرائيل ملكًا يقاتلون تحت قيادته؟

الآية 246 من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

ما الأسباب المشروعة للقتال في سبيل الله؟

الدفاع عن النفس، والرد بالمثل، وردع المجرمين. أما العدوان والطغيان فليسا من أسباب القتال المشروع.

ما معنى الناموس الأكبر في سياق التفسير؟

الناموس الأكبر هو الشريعة الكبرى التي أُنزلت على موسى عليه السلام، وهي أساس شرع الله المتصل المستمر.

ما الكبائر السبع الموبقات التي ذُكر منها التولي يوم الزحف؟

من الكبائر السبع الموبقات: الكفر بالله، وعقوق الوالدين، والتولي يوم الزحف، وغيرها. وهي معاصٍ تُبطل الحسنات.

كيف تختلف الكبائر الموبقات عن سائر الذنوب في أثرها على الحسنات؟

القاعدة العامة أن الحسنات يُذهبن السيئات، لكن الكبائر الموبقات تعكس هذه القاعدة فتُبطل الحسنات وتمحوها.

ما الحكم العسكري المستنبط من قوله تعالى ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾؟

يجوز الاعتذار عن القتال قبل التحرك، أما بعد التحرك فلا يجوز ويُعدّ توليًا وجريمة يُعاقب عليها.

كيف وجد الحكم الفقهي المستنبط من الآية طريقه إلى القوانين الحديثة؟

في البلاد التي لا يوجد فيها تجنيد إجباري، يُجيز القانون للمتطوع الانسحاب قبل التحرك لا بعده، وهو مبدأ مأخوذ من هذا الحكم الإسلامي.

لماذا وصف الله المتولين عن القتال بالظالمين؟

لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، والنفس ملك لله. فحين كتب الله القتال على الإنسان فأبى، تصرف في ملك ربه فاستحق وصف الظالم.

ما دلالة قوله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ في الآية 246؟

تدل على أن الخير لا ينعدم في الناس، وأن ثمة قلة تبقى ثابتة على التكليف حتى حين يتولى الأكثرون.

ما الفرق بين قراءة القرآن باعتباره قصصًا تاريخية وقراءته باعتباره كتاب هداية؟

قراءته كقصص تاريخية تجعله منتهيًا بانتهاء زمانه، أما قراءته ككتاب هداية فتجعله يُعطي كل يوم جديدًا من التشريعات والأحكام الصالحة لكل عصر.

ما الآية التي استُشهد بها لبيان وجوب الإعداد العسكري لردع العدو؟

قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].

ما الذي يُثبته القرآن بشأن الإخراج من الديار والأموال؟

يُقرر القرآن أن الإخراج من الديار والأموال بغير حق حرام، وأن الاستعمار والاحتلال بدون وجه حق محرم.

ما معنى قوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ في سياق الحديث عن الموبقات؟

النهي عن ارتكاب الكبائر الموبقات التي تُبطل الأعمال الصالحة وتمحو الحسنات، كالتولي يوم الزحف.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!