سورة البقرة | حـ 248 | آية 219 - 220 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •يشير القرآن إلى آداب السؤال والإجابة بصيغ مختلفة، فبينما يكرر "قل" مع الأسئلة المختلفة، يحذفها في إجابة السؤال عن الدعاء "فإني قريب".
- •الآيات القرآنية مرتبة بتوقيف إلهي وليست باجتهاد بشري، فهي محددة بدقة لحفظ القرآن وتثبيته.
- •الاختلاف في رسم الكلمات كـ"إبراهيم" بين سورة البقرة وبقية القرآن يؤكد أن القرآن محفوظ بنصه وشكله كما أنزل.
- •لا يجوز العبث بالقرآن أو تغيير رسمه، بل يجب المحافظة على الخط العثماني الأصلي.
- •دعا الله للتفكر في آياته، والفكر هو حركة النفس في المعقولات، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان.
- •مشكلة المسلمين اليوم تكمن في توقفهم عن التفكر واكتفائهم بتقليد الماضي.
- •ينبغي أن نجتهد كما اجتهد العلماء السابقون ونؤدي واجب وقتنا كما أدوا واجب وقتهم.
مقدمة في أسلوب السؤال والجواب في سورة البقرة وتنوع صيغ الرد القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219]
ثم يأتي سؤال آخر:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ...
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 219]
وبعد ذلك يعود فيقول له:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 215]
قال له: قل. فنلاحظ أن صيغة «يسألونك... قل» و «يسألونك... فقل» موجودة في القرآن، إلا عندما سأله [الناسُ] عن الدعاء؛ فإن الله تعالى قال:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
فلم يقل «قل» بل أجاب سبحانه مباشرة بقوله «فإني قريب».
ترتيب الآيات في القرآن توقيفي من عند الله وليس باجتهاد بشري
كذلك يقول الله تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
وبعد ذلك يقول: ماذا؟ في الدنيا والآخرة. فلماذا قال [الله تعالى] هكذا؟ لكي يحفظ القرآن ويتأكد من حفظه.
هذه هنا آية [مستقلة]، ولا يزال الكلام لم يكمل أيضًا، آية [أخرى]. انظر الكلام هنا آية. حاضر. إذن الآيات هذه ليس نحن الذين وضعناها بعقولنا.
تعال يأتي لك في موضع [آخر]، كذلك يقول لك:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
آية [مستقلة]. ألا نقول بعدها:
﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]
لو كان الأمر بالآراء لكانت لجنة ستجتمع وتضع ما تريده اقتراحًا. فلماذا إذن قال [الله] هكذا؟ تحفظ هكذا؛ فهذا يحفظ القرآن أكثر وأكثر.
كتابة اسم إبراهيم في سورة البقرة بدون ياء وفي باقي القرآن بالياء دليل على الحفظ التوقيفي
إبراهيم في سورة البقرة ليس فيها ياء، وفي باقي القرآن فيها ياء. الله! ما هو؟ ما معنى ما هو؟ إبراهيم هذا هو إبراهيم، هذا هو سيدنا إبراهيم [عليه السلام].
فما دام سيدنا إبراهيم هو [نفسه]، فلماذا تكتبونه في سورة البقرة من غير ياء وتكتبونه في سائر القرآن بالياء؟
[الجواب:] القرآن محفوظ؛ لا نزيد ولا ننقص، ولا نجعله يطّرد اطّرادًا قياسيًّا بحيث نضع الياء هنا ونحذفها من كل القرآن. ليس بإرادتك، ليس بعقلك؛ هذا هو نازل هكذا واتركه هكذا؛ لأنه من عند الله، على مستوى الحرف، على مستوى الأداء. ولذلك لا أحد يعبث به.
محاولات العبث بالرسم القرآني في العصر الحديث ووجوب الحفاظ على الخط العثماني
يا الله! هؤلاء المسلمون أصحاب مناهج عميقة جدًّا، لم يقم أحد إلا في العصر الحديث طبعًا وقال: تعال لنكتبه بأي كلام.
قالوا هكذا في العصر الحديث، ابتداءً من أتاتورك في تركيا، قال: ما رأيكم أن نكتبه بأي شيء هكذا؟ لا ينفع! يجب أن يُكتب هكذا بـالخط العثماني، ويجب أن توضع الآيات هكذا هو.
ونقول:
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
فيبقى أن الله أمرنا ليس بالتلاوة فقط، ولكن بـالتفكر.
تعريف الفكر بأنه حركة النفس في المعقولات وتميز الإنسان به عن الحيوان
والفكر هو حركة النفس في المعقولات. الفكر هكذا يعني: حركة النفس في المعقولات.
حركة النفس يعني ماذا؟ يعني عقلك هو يفكر، ينتقل من شيء إلى شيء، من شيء إلى شيء؛ هذا هو الفكر.
[وهذا الفكر] غير موجود إلا في بني آدم. الحيوان لديه شيء آخر عبارة عن ردّ فعل.
القرد إذا أحبّ قطعة [طعام] هكذا لا يستطيع أن يصل إليها ولا يقفز إليها، وفيها موزة، ووجد قطعة عصا أو غصن، يقوم فيمسك العصا ويأتي بالموزة. من أين؟ من القطعة التي لا يعرف كيف يطولها.
الفرق بين الإنسان والحيوان في التخطيط المسبق واستخدام الأدوات
أما الإنسان فيأخذ وهو خارج في الصباح العصا [معه]. القرد لا يفعل ذلك؛ لم نرَ قطّ قردًا يمشي بعصا.
الإنسان هذا غريب! لماذا الإنسان يمشي بعصا يمشي بها؟ هذا وأنت والحمد لله صحتك جيدة! قال: لا، لكي أضرب بها كذا وأعمل بها كذا، وهذا وأنا ماشٍ في [الطريق إلى] الصلاة وكلبان أو ثلاثة ينبحون عليّ، فهذه [العصا] لهم؛ العصيّ يعضّوا فيها بدلًا من أن يعضّوا فيّ أنا.
[فالإنسان] يفكر؛ حركة النفس في المعقولات، ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى مجهول؛ مقدمات ونتيجة.
تميز الإنسان بالقدرة على التحليل والاستنتاج وأمر الله بالتفكر
أفكر هكذا وأرتب: جملة أولى، جملة ثانية، الله! هذا يكون... آه! الإنسان هو فقط الذي يقول: «هذا يكون [كذا]»، ويأخذ كلامك ويحلله ويفسره ويبني عليه.
يقول لك: هذا أرسل لي رسالة في كلامه هذا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
فإن الله أمرنا بالتفكر.
والتفكر يعني ماذا؟ يعني طلب الفكر.
ما هي أزمتنا الآن؟ أننا لم نعد نفكر! هذه هي المصيبة التي نقع فيها. وإلا فماذا نفعل؟
خطورة الاكتفاء بتقليد الماضي دون إعمال الفكر والاجتهاد كما فعل السلف
إما أن نقلد الماضي ونعيش على ما تركه لنا أجدادنا؛ واحد مثل الإمام الشافعي، وواحد مثل الإمام مالك، وواحد مثل تفسير القرطبي، وجالسون. ماذا هو؟ ما ليس لدينا مال إلا هكذا، تعرف!
لو أن الكتب هذه احترقت أو سُرقت أو غرقت، ستُفتضح! ما ليس لدينا شيء. مثل واحد يفعل ماذا؟ عاطل بطّال وجالس يأكل في المال الذي تركه له أبوه. فتقول له: أنت ماذا؟ يقول: أصل أنا عاطل بالوراثة، عاطل بالوراثة! من تنابلة السلطان يعني.
حسنًا، وهذا معناه أن الماضي سيّئ؟ كيف يكون الماضي سيئًا؟ هذا سترنا! هذا نحن لو تركناها الآن ستصبح فضيحة مدوّية، ستصبح فضيحة مدوّية.
لكن هذا معناه أنه يجب أن أعمل كما عملوا، ويجب أن أؤدي واجب وقتي كما فعلوا، ويجب أن أفكر كما فكر الخليل بن أحمد [الفراهيدي].
