أبو حامد الغزالي | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي لُقب بحجة الإسلام، وُلد سنة 450هـ في طوس، وكان والده يغزل الصوف ويبيعه.
- •بدأ تعليمه المبكر في طوس عند الشيخ أحمد الراذكاني، ثم انتقل إلى نيسابور ليتعلم على يد إمام الحرمين الجويني الذي وصفه بالبحر المغدق.
- •ألّف كتاب "المنخول" في شبابه وعرضه على شيخه الجويني الذي أُعجب به وقال: "دفنتني وأنا حي".
- •عُيّن مدرساً في المدرسة النظامية ببغداد سنة 483هـ، ونال إعجاب العلماء والطلاب.
- •ترك التدريس فجأة سنة 488هـ متجهاً للزهد والعبادة، فحج ثم رحل إلى الشام واعتكف بالمنارة الغربية في الجامع الأموي.
- •سافر إلى القدس ثم مصر والإسكندرية في رحلة روحية استمرت عشر سنوات.
- •ألّف كتابه الشهير "إحياء علوم الدين" الذي يُعد مصدراً للأخلاق الإسلامية.
- •كان شافعي المذهب أشعري العقيدة صوفي المسلك، ومن تلاميذه الشيخ عبد القادر الجيلاني.
- •توفي سنة 505هـ بعد حياة حافلة بالعلم والزهد والتأليف.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، معًا في تاريخ التشريع الإسلامي، ومعًا من خلال تراجم العلماء الأئمة الأعلام.
ملخص الحلقات السابقة عن الفقهاء والأئمة المتبوعين الثمانية
تحدثنا في حلقات سابقة عن الفقهاء من الصحابة، وعن الفقهاء من التابعين، وعن الفقهاء من أتباع التابعين، وعن الأئمة المتبوعين الثمانية، وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وجعفر الصادق، وزيد بن علي، وابن حزم الظاهري، وأيضًا الإباضية.
تحدثنا عن هذه المذاهب الثمانية المعمول بها حتى الآن، والتي لها أتباع كثروا أو قلّوا حتى يوم الناس هذا.
التعريف بالإمام أبي حامد الغزالي حجة الإسلام وسيد الشافعية
نتكلم اليوم عن إمام الأئمة وبدر التتمة، عن سيد الشافعية في عصره، عن الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، والذي سُمّي بـحجة الإسلام؛ لأنه استحق هذا اللقب عن جدارة.
الخلاف في نطق اسم الغزالي بين التشديد والتخفيف ونسبته
كان الغزالي، وابن السبكي في [كتاب] الطبقات يقول أن هناك قراءة أخرى تُقرأ الغَزّالي. فإذا كان الغَزّالي يكون من صانع الغزل، فالغزّال هو صانع الغزل. وهذا شاع في أهل خوارزم وجرجان؛ فإنهم ينسبون إلى القصّار والعطّار والغزّال، فيقولون: القصّاري والعطّاري، مع كون اللفظ نفسه نسبة.
والغَزَالي هذا هو الشائع، نسبةً إلى غَزَالة وهي قرية من قرى طوس. وورد أنّ ذلك عُرض على الإمام أبي حامد: هل أنت غَزَالي أم غَزّالي؟ فكان يحب الغَزَالي ولم يكن يحب الغَزّالي. وعلى ذلك فنحن - لأنه كان يحب هذا ونحن نحب ما يحبه - نقول إنه كان اسمه الغَزَالي.
مولد الإمام الغزالي ونشأته في طوس ووصية والده به
وُلِد رحمه الله تعالى في القرن الخامس الهجري سنة أربعمائة وخمسين في طوس - يُسمّى طابران -. وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، وهذا هو الذي جعل الناس يظنون أنه غَزّالي.
فلما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له من أهل الله ومن أهل الخير. الشيخ أبو حامد الغزالي محمد له أخ آخر اسمه أحمد الغزالي. قال [الوالد] له [أي للصديق]: خذ بالك من الأولاد، علّمهم، رعايتهم.
التكافل الاجتماعي في رعاية الوصي للغزالي وأخيه وإدخالهما المدرسة
وهكذا كان حال المسلمين، كان هناك تكافل اجتماعي مجتمعي في وسط الأصدقاء والأقارب بقوة. هذا الرجل [الوصي] لم يكن قريبًا وإنما كان صديقًا. أنفق عليه [أي على الغزالي وأخيه] هذا الوصي ما خلّفه لهم أبوهما.
يتبين أنه كان رجلًا عاقلًا، كان رجلًا أمينًا. ثم أودعهما في مدرسة ليطلبوا العلم. إنه رجل ذكي؛ لأنه اختار لهما طريق العلم؛ لأن هذا الرجل الوصي مع أمانته كان فقيرًا ولم يستطع الإنفاق على الإمام الغزالي، فأدخله هذه المدرسة.
كانت المدارس تصرف على أتباعها مثل المدارس الداخلية هكذا، ولكن كانت مرصودة لها أوقاف تصرف على أهل هذه المدرسة.
مقولة الغزالي الشهيرة طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله
فكان الإمام الغزالي يحكي عن هذه المرحلة ويقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله. لمّا طلبوا العلم طلبوه لأجل أن يأكلوا ولأجل أن يشربوا ولأجل كذا، فلما دخل في العلم عرف كيف يخلص النية لله. فصارت هذه العبارة من الإمام الغزالي مثلًا يقولها، يعني: طلبت العلم كثيرًا، طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون لله.
الإنسان يدخل الكلية ويريد أن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا في الدين أو لغويًا، ثم إذ به عندما يكتشف حقيقة الكون وحقيقة العلم ويرى أين هو من الله سبحانه وتعالى، يسوقه الطب إلى الإيمان بالله، تسوقه اللغة إلى الإيمان بالله، يسوقه الشرع إلى الإيمان بالله والإخلاص له سبحانه وتعالى، فيأبى العلم إلا أن يكون لله.
بداية طلب الغزالي للعلم وتتلمذه على الجويني ووصفه له ببحر مغدق
اشتغل الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بداية أمره وهو صبي صغير بقراءة الفقه على رجل شيخ كان اسمه الشيخ أحمد الراذكاني في بلدته طوس. ثم بعد ذلك رحل من طوس إلى مكان يسمى نيسابور، وهي مدينة أخرى في الجغرافيا [القريبة] لطوس اسمها نيسابور.
واختلف [أي تردّد] وذهب إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فأبو المعالي الجويني كان شيخًا له. وبعد ذلك صار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وكان الجويني لا يزال حيًا، وكان الإمام الغزالي قد أصبح إمامًا كبيرًا.
وكان إمام الحرمين يصف تلاميذه فيقول: الغزالي بحر مغدق. فالأستاذ لاحظ نجابة تلميذه وشدة حفظه وشدة استحضاره واسترجاعه، فكان يقول هذا الكلام.
تأليف الغزالي كتاب المنخول وإعجاب شيخه الجويني به
بدأ الإمام الغزالي في هذه الفترة المبكرة في تأليف كتاب المنخول، وعرضه على شيخه الجويني الذي له [كتاب] البرهان، فأُعجب به قائلًا: دفنتني وأنا حي، هلّا صبرت حتى أموت! يداعبه قائلًا: إن كتابك المنخول هذا جعلني أنا الذي كنت أتعلم شيئًا؟
هذا مدح من الأستاذ للتلميذ بالطبع. الجويني [يقصد أن] هذا شيء مختلف تمامًا، إنه شيء متفوق، أي شيء عظيم جدًا. كان أستاذه يفتخر به.
انتقال الغزالي إلى بغداد وتوليه التدريس بالمدرسة النظامية
ولم يزل الغزالي ملازمًا للجويني إلى أن توفي [الجويني]. ثم لما توفي الجويني، خرج الغزالي من نيسابور إلى بلدة أخرى اسمها العسكر، والتقى هناك [بالوزير].
كان حاكم هذا المكان يُدعى الوزير نظام الملك. بدأ نظام الملك يسمع عن فضل الغزالي وعلمه ومكانته عند الإمام الجويني قبل أن يأتي الغزالي، فأكرمه وعظّمه وفوّض إليه تدريس مدرسة أنشأها هذا الوزير تُسمّى المدرسة النظامية نسبةً إليه؛ لأنه نظام الملك، في مدينة بغداد.
فذهب [الغزالي] إلى بغداد وبدأ إلقاء الدروس، وهذا في سنة أربعمائة وثلاثة وثمانين، يعني هو عنده أربعمائة وثلاثة وثمانين أو أربعة وثمانين، فيكون عنده أربعة وثلاثين سنة، ما زال شابًا لكنه أصبح من كبار العلماء.
إعجاب أهل العراق بالغزالي وحضور كبار الأئمة مجلسه
أُعجِب به أهل العراق وارتفعت منزلته عندهم جدًا، وأعجب الجميع في الحقيقة بتدريسه. وحضر مجلسه أناسٌ كبارٌ جدًا، أئمةٌ كبارٌ كابن عقيل - أبي الوفاء بن عقيل - وأبي الخطاب الكلواذي.
وقد تعجبوا من كلامه ونقلوه في كتبهم، بالرغم من أنهم ربما كانوا أكبر سنًا منه.
زهد الغزالي وتركه التدريس وسلوكه طريق الانقطاع إلى الله
كان الرجل زاهدًا مؤدبًا، فأقام على التدريس والفتوى والتصنيف مدةً، وأصبح عالي الرتبة عند الناس. ولكنه فجأةً ترك جميع ما كان عليه في سنة أربعمائة وثمانية وثمانين، ثمانية وثمانين.
فإذن جلس يُدرّس أربع سنوات، وسلك طريق الزهد والانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى. وأول ما فعل قصد بيت الله الحرام وحجّ، وناب عنه أخوه أحمد الغزالي في التدريس.
رحلة الغزالي بين دمشق والقدس ومصر واعتكافه بالجامع الأموي
فلما رجع [من الحج] توجه إلى الشام، فأقام بمدينة دمشق مدة، واعتكف هناك بالمنارة الغربية من الجامع الأموي. ففي المنارة الغربية هذه، كانت المنارات كبيرة وكان يوجد فيها ما يشبه الغرفة، اعتزل فيها، أصبحت خلوة كأنه يختلي فيها، ويأكل ويشرب فيها.
هذه المنارة كان الغزالي يكثر الجلوس في زاوية الشيخ أبي نصر المقدسي بالجامع الأموي، المعروفة بـالغزالية نسبة إلى الإمام الغزالي إلى الآن.
انتقل من دمشق إلى القدس - فرّج الله عنها وردّها إلينا سالمة - ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية. إذن الرحلة قامت بدور كبير جدًا في حياة الإمام الغزالي.
تأليف كتاب إحياء علوم الدين وإشارة الغزالي إلى التجديد
كانت له فلسفة وكان له كثير من التصوف، فألّف كتابه الماتع الذي ما زال مصدرًا كبيرًا للأخلاق الإسلامية وللتخلية - تخلية القلب من كل قبيح وتحليته بكل [جميل] - في كتاب إحياء علوم الدين.
يشير الإمام الغزالي إلى أنه مجدد لهذا العصر. توفي الإمام الغزالي سنة خمسمائة وخمسة، وفيه صفات المجددين.
قال رسول الله ﷺ: «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي أمر دينها»
خلوة الغزالي عشر سنوات والشك المنهجي الذي سبق ديكارت
استمر الإمام الغزالي في خلوته نحو عشر سنوات، حتى حدث له ما يسمى بـالشك المنهجي، الذي بعد ذلك اعتمده ديكارت وقال: أنا أفكر إذن أنا موجود، أو أنا أشك فإذن أنا موجود.
وقد توصل [الغزالي] إلى نتيجة في قوله: إنني علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.
هذا ملخص ما خرج به في الرياضة النفسية بعد التأمل والتدبر، بعد الخلوة مع النفس، بعد التفكير المستقيم.
الشيخ عبد القادر الجيلاني من تلاميذ الغزالي وثناء ابن تيمية عليه
كان من تلاميذ الإمام الغزالي الإمام الحجة صاحب الطريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي لا يذكره الشيخ ابن تيمية إلا ويقول: عبد القادر الجيلاني قدّس الله ضريحه؛ لأن عبد القادر كان رجلًا إمامًا كبيرًا.
وما زال إلى الآن أكثر أتباع الطرق الصوفية تنتمي إلى سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه.
قول الغزالي في الإحياء إن الدين شطران وخاتمة الحلقة
يقول الغزالي في [كتاب] الإحياء: اعلم أن الدين شطران، أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات.
مع هذا الإمام الذي توفي سنة خمسمائة وخمسة، عشنا وسنعيش دائمًا. كان شافعيًا، كان أشعريًا، كان صوفيًا، فرضي الله تعالى عنه.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
