الإمام زيد | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

الإمام زيد | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب هو صاحب المذهب الزيدي، وأخو محمد الباقر وعم جعفر الصادق.
  • ولد عام 80 هجرية ونشأ في بيت النبوة، وكان امتداداً لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ أهل بيته.
  • تلقى العلم عن أبيه علي زين العابدين وعن أخيه محمد الباقر وعبد الله بن الحسن وكثير من التابعين.
  • شهد له أبو حنيفة بالفقه والعلم فقال: "ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً ولا أبين قولاً".
  • وصلنا من فقهه كتاب "المجموع" الذي رواه عنه أبو خالد الواسطي، وينقسم إلى قسمين: فقهي وحديثي.
  • كان منهجه في الاستدلال: الأخذ بكتاب الله، ثم السنة، ثم إجماع الصالحين، ثم الاجتهاد والقياس.
  • من اجتهاداته الفقهية مسألة تغير الحكم بتغير صورة المحلوف عليه.
  • خرج على الحاكم الظالم، وبايعه الناس على الدفاع عن المستضعفين، لكنهم خذلوه.
  • استشهد في الثاني من صفر سنة 122 هجرية.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بالإمام زيد بن علي زين العابدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، نعيش فيها مع تاريخ التشريع الإسلامي من خلال تراجم الأئمة المجتهدين.

معنا اليوم إمام أهل البيت الذي يُنسب إليه مذهب الزيدية، وهو الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

نسب الإمام زيد بن علي وعلاقته بمحمد الباقر وجعفر الصادق

الإمام الحسين رضي الله عنه أنجب أولادًا كثيرين، كلهم ماتوا في كربلاء، وتخلف عن كربلاء علي زين العابدين السجاد رضي الله تعالى عنه، فنجا بنفسه واحدًا فريدًا وحيدًا.

علي [زين العابدين] أنجب أولادًا، من ضمن هؤلاء الأولاد زيد، ومن ضمن هؤلاء الأولاد محمد الباقر. إذن زيد الذي هو معنا هو أخو محمد الباقر الذي خلف بعد ذلك جعفر الصادق، فمحمد هذا أخو زيد، فزيد صاحب المذهب عمّ جعفر الصادق؛ لأننا سوف نتكلم في حلقة مستقلة عن سيدنا جعفر الصادق.

جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين، وعلي زين العابدين له مشهد في القاهرة ويسمون المكان الذي هو فيه زينهم نسبة إلى علي زين العابدين، لكنه ليس مدفونًا هناك.

مولد الإمام زيد ونشأته في بيت النبوة وأتباع المذهب الزيدي

الإمام زيد بن علي زين العابدين، زيد صاحب المذهب الزيدي الذي في اليمن. الزيدية لا يوجدون إلا في اليمن، قليل صحيح، ولكن [هم] أتباع زيد بن علي.

وُلد الإمام زيد بن علي زين العابدين عام ثمانين من الهجرة، ونشأ طبعًا في بيت هو بيت النبوة، وبيت فيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي» رواه الترمذي

وربنا سبحانه وتعالى يقول له [أي للنبي ﷺ]:

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]

معجزة بقاء نسل النبي ﷺ وأهل البيت رغم المحن والكوارث

هنا معجزة ليست بيد محمد ﷺ ولا بيد المسلمين ولا بيد أحد من العالمين. كيف يقول لهم [النبي ﷺ] أهل بيتي إذا كانت رقية ماتت من غير ذرية، وأم كلثوم ماتت من غير ذرية؟ توفيت زينب وأنجبت بنتًا واحدة فقط هي أمامة، وتوفيت أمامة دون أن تنجب.

ثم فاطمة رضي الله عنها، وأنجبت فاطمة الحسن والحسين وزينب. مات جميع أبناء الحسن باستثناء اثنين هما الحسن المثنى وزيد الأبلج، ومات جميع أبناء الحسين باستثناء علي زين العابدين.

إذن بهذا الشكل كان من الممكن أن يموت أهل البيت جميعهم. وهل بيد محمد ﷺ أن يحافظ على أهل البيت حتى أصبحوا الآن أكثر من ثلاثين أو أربعين مليونًا في الأرض؟ هل كان في مقدور أحد أن يفعل هذا؟ ولكن الله قادر على أن يؤيد محمدًا ﷺ، وهو الذي أوحى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن أهل بيته يكونون، وأنه قد أعطاه الكوثر الكثير.

تلقي الإمام زيد العلم عن أبيه وأخيه وكبار التابعين

ولذلك فزيد بن علي رضي الله تعالى عنه كان معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم. تلقى علم أهل البيت عن أبيه علي بن الحسين، وكان يُسمى بالسجاد؛ لأنه كان يسجد ألف سجدة في اليوم.

وكذلك تلقى العلم عن كثير من التابعين، فهو من أتباع التابعين الذين رووا عنهم أهل البيت، ولم يجدوا في الرواية عنهم أي غضاضة أو انتقاص لمنزلته بين الناس.

توفي أبوه سيدنا علي زين العابدين سنة أربع وتسعين [من الهجرة] وهو [أي زيد] في الرابعة عشرة من عمره، فتلقى الرواية عن أخيه محمد الباقر.

شيوخ الإمام زيد وتلامذته وثناء أبي حنيفة عليه

وزيد هو أخو محمد الباقر وعم جعفر الصادق، وكان الباقر إمامًا كبيرًا يعترف به أهل السنة، أخذ عنه كثيرٌ من العلماء، من ضمن الذين أخذوا عن الباقر أبو حنيفة النعمان.

وكذلك تلقى الإمام زيد بن علي العلم من عالم فاضل جليل من علماء أهل البيت وهو عبد الله بن الحسن، وكان ثقة صدوقًا، تتلمذ على يديه أيضًا أبو حنيفة، وروى عنه مالك وسفيان الثوري. الرواية متسعة وشيوخه كثيرون وتلامذته أيضًا كثيرون.

يقول أبو حنيفة: شاهدت زيد بن علي، فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جوابًا ولا أبين قولًا، لقد كان منقطع القرين. ولذلك إذا قارنا مذهب الزيدية الآن بمذهب الحنفية نراه كأنه مأخوذ منه؛ لأنَّ أبا حنيفة تأثَّر كثيرًا بالإمام زيد بن علي وتعلَّم عليه.

كتاب المجموع للإمام زيد أقدم ما وصلنا من فقه القرن الثاني

أقدمُ ما وصلنا من فقه القرن الثاني [الهجري] هو كتاب الإمام زيد بن علي. روى عنه المجموع أحد كبار أصحابه وهو أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الذي وُلِدَ بالكوفة، وانتقل إلى واسط ولازم الإمام زيد في المدينة حتى قُتِل [الإمام زيد] شهيدًا رضي الله تعالى عنه، ثم عاش بعده نحو ثلاثين عامًا.

ومجموع الإمام زيد ينقسم إلى قسمين: مجموع فقهي ومجموع حديثي، وهو عبارة عن أحاديث مروية بطريق أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، ومقسم إلى أبواب.

منهج الإمام زيد في الاستنباط الفقهي وأصوله في القضاء

منهج الإمام زيد كان هو منهج جده رضي الله تعالى عنه الإمام علي كرم الله وجهه كما يرويه عنه. فسيدنا علي بن أبي طالب قال:

أول القضاء ما في كتاب الله عز وجل، ثم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما أجمع عليه الصالحون. فإن لم يوجد ذلك في كتاب الله ولا في السنة ولا فيما أجمع عليه الصالحون، اجتهد الإمام في ذلك لا يألو احتياطًا؛ يعني يبذل المجهود ويقيس الأمور بعضها ببعض.

هكذا يقول سيدنا علي، وهو منهج زيد رضي الله تعالى عنه.

مسألة الحلف على البلح وصناعة الحلوى منه عند الإمام زيد

من طرائفه في قياسه واجتهاده أنه سُئل مرة عن رجل حلف ألا يأكل هذا التمر، فأشار إلى بعض البلح وقال: والله ما أنا آكل هذا البلح. فجُعل منه شيء يسمى ناطفة [وهي نوع من الحلوى]؛ أخذوه وصنعوا منه حلوى كانوا يسمون هذه الحلوى [بالناطف].

فأكل منها الرجل الذي حلف أنه لن يأكل البلح، أكل من الحلوى المصنوعة من نفس هذا البلح. فقال [الإمام زيد] رضي الله عنه: لا يحنث وليس عليه شيء.

فقالوا له: لماذا؟ قال: هو قال لا آكل هذا وهو رطب، فصار تمرًا فأكل منه.

التفريق بين تغير المحل بالصناعة وتغيره الطبيعي في الحنث

فلما سألوه هكذا، يقولون له إنه قال على هذا الرطب فقال: لست آكلًا منه، والله ما أنا آكل منه. فالرطب صار تمرًا وأكل منه، هل يحنث أم لا يحنث؟ قال: يحنث.

عجيب! مرة عندما صنعنا منه حلاوة التي هي الناطف قال: لا يحنث، وعندما تحول الرطب إلى تمر قال: يحنث.

قال رضي الله عنه: لأن الناطفة من التمر بانتقال وتغير فيه صناعة دخلت عليه، وأما الرطب مع التمر فمن غير انتقال وتغير. يقصد أن هذا [الناطف] فيه صناعة وذاك [التمر] ليس فيه صناعة، ولذلك بعد الصناعة أصبح شيئًا آخر فلا يحنث.

تطبيق قاعدة تغير المحل بالصناعة على مسألة الحلف على السكر

ولكن هنا يتحايل [الشخص]، فإذا كان الشخص عنده مثلًا سكر وقال: والله لن آكل من هذا السكر، وبعد ذلك صُنِعت بهذا السكر كيكة فأكل منها، فلا شيء عليه ولا يقع في شيء. لكن إذا أخذ هذا السكر وتناوله مباشرة فإنه يقع في المحظور؛ لأن هنا صنعة وهناك ليست صنعة.

[وكذلك لو] يأخذ هذا السكر ويذيبه في الماء فلا يصلح ذلك؛ لأن هنا توجد صنعة وهنا لا توجد صنعة، فيحنث في هذه المسألة.

إذا كان هذا هو الفهم الدقيق لمفهوم تغير المحل بتغير الصناعة [عند الإمام زيد بن علي].

استشهاد الإمام زيد بن علي وخذلان أنصاره له كما خُذل الحسين

الإمام زيد بن علي رضي الله تعالى عنه أكرمه الله سبحانه وتعالى بالشهادة فمات شهيدًا. وذلك أنه [خرج] على الحاكم حينئذ، وانضم إليه أهل واسط والمدن وبايعوه على جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم الفيء بين أهله بالسواء.

فللأسف أن الذين خرجوا معه خذلوه كما خذلوا سيدنا الحسين في كربلاء قبل ذلك. قُتل الإمام في اليوم الثاني من صفر سنة مائة واثنتين وعشرين [من الهجرة]، ومات شهيدًا رضي الله تعالى عنه.

خاتمة الحلقة والثناء على الإمام زيد بن علي وآثاره الباقية

فزيد بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان إمامًا متَّبعًا، إمامًا من أهل البيت، إمامًا لا تزال آثاره الطيبة موجودة إلى الآن.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.