عبد الله بن عمر | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

عبد الله بن عمر | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

15 دقيقة
  • عبد الله بن عمر من كبار الصحابة المتصدرين للإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، وهو ابن الخليفة عمر بن الخطاب.
  • وُلد في مكة قبل الهجرة بعشر سنوات، وأسلم مع أبيه صغيراً، وهاجر إلى المدينة قبل هجرة أبيه.
  • لم يشهد غزوتي بدر وأحد لصغر سنه، لكنه شارك في غزوة الخندق وغزوة مؤتة واليرموك وفتح مصر وإفريقيا.
  • كان آية في اتباع رسول الله، يقلده في أفعاله وحركاته، ومعروفاً بكثرة حجه حيث حج أكثر من ستين حجة.
  • روى 2630 حديثاً عن النبي، ومن تلاميذه نافع مولاه وأسلم والحسن البصري وثابت البناني وذكوان السمان.
  • اشتهر بالزهد والورع وكثرة عتق العبيد، وكان يتثبت في نقل الأحاديث ويرجع عن اجتهاده إذا ثبت خلافه.
  • كان يصلي خلف الحجاج رغم ظلمه، لكنه كان يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
  • توفي سنة 73 هجرية عن عمر يناهز 83 سنة، وكان آخر من توفي من الصحابة في مكة.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين.

نتحدث فيها سويًا عن تاريخ التشريع الإسلامي، وعن حال المجتهدين من الصحابة الكرام المتصدرين لبيان الأحكام الشرعية، ولتعليم الفقه والإفتاء للأمة كلها.

التعريف بعبد الله بن عمر نسبه وكنيته وقبيلته

من كبار أولئك الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزة رضي الله تعالى عنه، وهو ابن سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني أمير المؤمنين.

كان يُطلق عليه كنية هي أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن؛ فهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وكان من بني عدي، وهو بطن من قريش؛ فهو قرشي عدوي، لازم وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلتقي نسبه ونسب أبيه مع سيدنا رسول الله في كعب بن لؤي.

أم عبد الله بن عمر وصلته بعثمان بن مظعون

أمه وأم أخته أم المؤمنين حفصة هي زينب بنت مظعون.

كان هناك رجل من الصحابة سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي، وهو عثمان بن مظعون؛ فلما مات عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه في حياة النبي ودفنه النبي، وضع صخرة كبيرة عند قبره وقال:

«هذه صخرة أعلم بها قبر أخي عثمان»

وهذا [عثمان بن مظعون] هو خال حفصة وخال عبد الله بن عمر؛ لأنه أخو زينب بنت مظعون. وعثمان بن مظعون وزينب بنت مظعون هذان الاثنان إخوة، تزوجت زينب سيدنا عمر وأنجبت منه عبد الله وحفصة.

مولد ابن عمر وإسلامه المبكر مع أبيه

وُلِدَ عبد الله [بن عمر] في العام العاشر قبل الهجرة، أي في مكة؛ فعندما جاؤوا ليهاجروا كان عنده عشر سنوات.

وعندما جاء ليُسلم، أسلم مع أبيه. أتذكرون عندما ذهب سيدنا عمر إلى أخته فاطمة وسعيد بن زيد وأسلم وما إلى ذلك؟ أسلم [عبد الله] معه في ذلك اليوم؛ ولذلك فقد أسلم صغيرًا ولم يبلغ مبلغ الرجال، ونشأ منذ صغره في الإسلام.

وكانت هجرته إلى المدينة حتى قبل هجرة سيدنا عمر.

مشاركة ابن عمر في الغزوات وأبرز المحطات في حياته

عندما حدثت غزوة بدر كان عمره إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة؛ فلم يشهد غزوة بدر، إذ رفض النبي عليه الصلاة والسلام أن يسمح له بالخروج.

ولم يشهد غزوة أُحُد أيضًا، حيث رُفض خروجه لأنه ما زال صغيرًا ولم يبلغ بعد.

وفي غزوة الخندق كان قد بلغ أربعة عشر سنة أو شيئًا من هذا القبيل، وأصرّ هو نفس الفتى على أن يشترك، والنبي عليه الصلاة والسلام وجد جسمه قويًا ويستطيع أن يخدم في الجيش.

شهد إذن غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، وشهد اليرموك، وشهد فتح مصر وإفريقيا، وأدرك أيضًا فتح مكة وهو عشرون سنة.

مكانة ابن عمر العلمية وتقليده الدقيق لسنة النبي

وبذلك عندما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى كان عمره [عبد الله بن عمر] واحدًا وعشرين سنة أو نحو ذلك، وكان أكبر من ابن عباس لكنه أصغر من ابن مسعود الذين تحدثنا عنهم من قبل.

كان الرجل هذا عبد الله بن عمر آية من آيات الله في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان يقلد سيدنا [النبي] صلى الله عليه وسلم تمامًا، يحاكي حركاته ويفعل أفعاله.

لدرجة أنه مرة أوقف الركب، فسألوه: لماذا تقف هنا؟ ماذا حدث؟ فنزل فبال عند سباطة قوم واقفًا، ثم عاد وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول عندها قائمًا.

هذه ليست سنة ولا أي شيء [واجب]؛ إنه شخص تعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاب ذوبانًا في سيدنا رسول الله، لدرجة أنه كان يلتزم ويفعل هذا سيدنا ابن عمر.

كثرة حج ابن عمر وروايته للأحاديث النبوية

فتح الله عليه في الحج، وكان يحج كثيرًا جدًا؛ حج أكثر من ستين حجة في الإسلام، وكان يحب الحج سيدنا عبد الله بن عمر.

يروي [ابن عمر] ألفين وستمائة وثلاثين حديثًا تقريبًا عن رسول الله، منهم مائة وثمانية وستون حديثًا في البخاري ومسلم؛ في البخاري واحد وثمانون حديثًا، وفي مسلم واحد وثلاثون تفردات.

سلسلة الذهب في الحديث مالك عن نافع عن ابن عمر

يروي عنه [عن ابن عمر] سيدنا نافع؛ كان نافع خادمه، وكانوا يا أخي يعلّمون خدامهم ويكونون أئمة، من ضمنهم نافع عن ابن عمر.

نافع هذا شيخ الإمام مالك بعد ذلك؛ ولذلك سلسلة الذهب ماذا هي؟ مالك عن نافع عن ابن عمر؛ فسيدنا نافع يروي عن ابن عمر عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

من ضمن الناس الذين أسلموا أيضًا واحد اسمه أسلم، يروي عنه أسلم هذا، وهو العبد الذي كان لسيدنا عمر، مولى أبيه الذي هو والد سيدنا عمر؛ فيكون لدينا أسلم، ولدينا نافع يروي عنه، والحسن البصري يروي عنه، وثابت البناني يروي عنه، وذكوان السمان.

ذكوان السمان وجواز القراءة من المصحف في الصلاة

ذكوان [السمان] هذا كان يؤم عائشة وابن الزبير ويقرأ من المصحف.

هنا قال لك الفقهاء: يجوز القراءة وأنت في الصلاة، خاصة في التراويح؛ تفتح المصحف وتقرأ منه.

لماذا؟ قال: لأن ذكوان كان يفعل هكذا. وذكوان هذا تلميذ عبد الله بن عمر.

زهد ابن عمر وورعه وعتقه العبيد حين يراهم يصلون

وكان سيدنا عبد الله بن عمر زاهدًا وورعًا، وربما شمَّر أحدُهم فيلزم المسجد؛ فإذا رآه ابن عمر رضي الله تعالى عنه على تلك الحالة الحسنة أعتقه.

إن ابن عمر كان عنده عددٌ كبيرٌ من العبيد؛ فتجد واحدًا منهم يصلي، وبمجرد أن يراه يصلي ومجتهدًا جدًا في الصلاة، يقوم بإعتاقه.

فكان هؤلاء الأولاد الذين يريدون أن يُعتقوا يذهبون إلى المسجد يصلون؛ فكان ابن عمر يقول: مرحبًا بمن خدعنا بالله، من خدعنا بالله انخدعنا له، لا ضير، دعه يخدعنا، ولكن هيا بنا نفعل الخير.

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

مرة أعطى ابن عمر الإمام نافع عشرة آلاف دينار، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، ما تنتظر أن تبيع فيه، يعني أنت الآن تشتري هذا الرجل بعشرة آلاف دينار، فكم ستبيعه إذن؟ فقال: هو حرٌ لوجه الله؛ لأن نافع كان لديه شيء عظيم جدًا.

موقف عائشة من حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء الحي

سيدنا ابن عمر لا تنتهي عجائبه؛ له كثير جدًا من المسائل الفقهية، سنختار منها بعضها لأن مسائله كثيرة جدًا.

ذُكِر للسيدة عائشة قول روى ابن عمر: أن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن.

انظر إلى الأدب؛ لم تكذبه، وإنما قالت: أما إنه ليس يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ؛ إنما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على شخص يُبكى عليه وهو ميت، فقال: إنهم يبكون عليه وإنه ليُعذب في قبره.

وقالت [عائشة]: حسبكم القرآن:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

إذا نُقد الأحاديث كان يحدث على عهد الصحابة؛ الحديث الذي تذكره هذا يا سيدنا عبد الله بن عمر قد يعارض القرآن، ولذلك أنا سأرده. أظن أنك لست كاذبًا، حاشاك، أنت من كبار العلماء، ولكنك أخطأت. هكذا كان يتكلم الصحابة وينتقدون الأحاديث.

موقف ابن عمر من الطيب في الإحرام ورد عائشة عليه

كان ابن عمر يقول: لأن أصبح مطليًا بقطران أحب إليّ من أن أصبح محرمًا وعليّ طيب؛ يعني كان يكره أن يضع العطر في جسمه وهو محرم.

فقيل لعائشة [بذلك]، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضح طيبًا.

كيف يكون هذا الكلام إذن؟ كان سيدنا عبد الله بن عمر عندما يسمع هذه الأحاديث التي اجتهد فيها من ورعه ولحبه للرسول، كان يرجع مرة أخرى عنها ويفعل ما هو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موقف ابن عمر من متعة الحج وتصحيح قول أبيه عمر

أيضًا سُئل ابن عمر عن متعة الحج [الذي نذهب عمرة وبعدين نتمتع وبعدين نحج]، فأمر به [أجازه]، قال: لا، هذه شيء جيد.

فقيل له: إنك تخالف أباك؛ انظر كيف أن أباك عمر كان يقول: لا، ليس هناك متعة في الحج، أو دعنا نقرن بين العمرة والحج، أو نُفرد الحج.

فقال [ابن عمر]: إن عمر لم يقل الذي تقولونه. هؤلاء هم العلماء والتثبت والدقة؛ إنما قال عمر: افردوا الحج من العمرة فإنه أتم للعمرة، أي أن العمرة لا تكتمل في أشهر الحج إلا بهدي؛ فأراد سيدنا عمر أن يجعل الناس تحج حجًا مفردًا ثم بعد ذلك تعتمر، وهذا هو مذهب الشافعي.

فإذن سيدنا عبد الله بن عمر كان من كبار العلماء، من كبار الأتقياء، من كبار الملتزمين.

وفاة ابن عمر وموقفه الشجاع من الحجاج بن يوسف

توفي [ابن عمر] وهو ابن ثلاث وسبعين، توفي سنة ثلاثة وسبعين من الهجرة، وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة؛ ثلاثة وسبعون من الهجرة، أي كان عمره ثلاثة وثمانين سنة؛ لأنه مولود في السنة العاشرة قبل الهجرة، فيكون عمره عندما توفي سنة ثلاثة وسبعين هو ثلاثة وثمانين سنة، وكان آخر من مات من الصحابة.

كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه قد أدرك الحجاج، والعياذ بالله تعالى؛ الحجاج كان ظالمًا سفاكًا للدماء وما إلى ذلك، فكان يدركه ابن عمر، وهو الذي علمنا أن نصلي خلف كل بر وفاجر؛ فسيدنا ابن عمر كان يصلي وراء الحجاج.

الحجاج هو الأمير، فابن عمر لا يريد فتنة في مكة؛ فكان يصلي خلف الحجاج، لكنه مع هذا يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويأمره ألا يسفك الدماء، ويتكلم الأمر حتى غضب منه الحجاج مرة وقال له: سأقتلك، فقال له: افعلها يا حجاج، وانظر ماذا سيحدث بعد أن تقتل عبد الله بن [عمر]، ماذا سيحدث لك؟ فخاف الحجاج منه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه.

إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.