الإمام جعفر الصادق | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •الإمام جعفر الصادق هو ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين، ولد سنة ثمانين هجرية.
- •جده لأمه هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد فقهاء المدينة السبعة.
- •يعد مثالاً للرد على من يدعي نزاعاً بين الصحابة، حيث تتلمذ على أيدي الجميع ونسبه موجود في كل الصحابة.
- •عاصر بعض الصحابة كأنس بن مالك، وحدّث عن أبيه الباقر وعدد من التابعين.
- •أخذ عنه كبار العلماء كسفيان الثوري وشعبة والإمام مالك.
- •أوصى تلميذه سفيان بثلاث: الحمد لله لدوام النعم، والاستغفار لاستجلاب الرزق، و"لا حول ولا قوة إلا بالله" لتفريج الكروب.
- •رفض القياس المصادم للنص، وناقش أبا حنيفة في مسائل مختلفة لا يمكن قياسها.
- •المذهب الجعفري يجعل العقل مصدراً للتشريع، لكنه يرفض القياس المعارض للنص.
- •توفي سنة 148 هجرية ودفن بالبقيع مع أبيه وجده.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع الإسلامي من خلال الأئمة الكبار المجتهدين، ونعيش اليوم مع بركة الأنام، مع إمام أهل البيت، مع الإمام جعفر الصادق.
نسب الإمام جعفر الصادق ومولده وصلته بالقاسم بن محمد بن أبي بكر
سيدنا جعفر الصادق هو ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين، وعلي زين العابدين هو ابن سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وُلِد رضي الله تعالى عنه في سنة ثمانين من الهجرة النبوية، وكان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق جدَّه لأمِّه.
أخذنا قبل ذلك كلامًا عن القاسم بأنه كان من فقهاء المدينة السبعة: عروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسعيد بن المسيب، وقلنا القاسم بن محمد بن أبي بكر وغيره. كان [القاسم] من فقهاء المدينة السبعة، كان هذا القاسم هو جدُّه لأمِّه.
الإمام جعفر الصادق مثال للرد على من يدعي النزاع بين الصحابة
والإمام جعفر يُعَدُّ مثالًا للرد على من يدَّعي نزاعًا بين الصحابة وقتالًا بينهم؛ لأنه قد تتلمذ على أيدي الجميع، ونسبه موجود في كل الصحابة الكرام.
شيوخ الإمام جعفر الصادق من التابعين وعدّه من أتباع التابعين
الإمام جعفر قد يُعَدُّ من التابعين؛ لأنه رأى بعض الصحابة كـأنس بن مالك وسهل بن سعد، ولكنه تتلمذ وحدَّث عن أبيه أبي جعفر الباقر [محمد الباقر]، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير من التابعين، وعطاء بن أبي رباح من التابعين، والقاسم بن محمد من التابعين، والزهري من التابعين.
ولذلك فهو من أتباع التابعين قطعًا، لكنه قد يكون قد كان من صغار التابعين؛ لأنه لما رأى أنسًا [بن مالك] قد لا يكون قد روى عنه.
تلاميذ الإمام جعفر الصادق من كبار أئمة الحديث والفقه
حدَّث عنه ابنه موسى الكاظم. جعفر الصادق إمام كبير، أبوه إمام كبير وهو محمد الباقر، وابنه إمام كبير وهو موسى الكاظم.
حدَّث عنه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري، أخرج له البخاري، حدَّث له سفيان الثوري وشعبة والإمام مالك. وهكذا فكان جعفر الصادق في الحقيقة أستاذًا لكثير من هؤلاء الأكابر.
وصية الإمام جعفر الصادق لسفيان الثوري في الحمد والاستغفار والحوقلة
كان جعفر الصادق يقول لتلميذه سفيان الثوري: يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها، فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله قال في كتابه:
﴿ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 10-12]
يا سفيان، إذا حزبك أمر من السلطان أو غيره فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة.
فضل الأذكار الثلاثة: الحمد والاستغفار والحوقلة وأثرها على المسلم
إذن هذه الثلاثة: الحمد لله، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نجعلها دائمًا على ألسنتنا. لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، فإن الحمد على النعم يزيدها، وإن الاستغفار هو سبب للأرزاق واستمرارها، وإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فيها حصانة.
وهي كنز تُقال من القلب، وتُقال من العقل، وتُقال من الروح. فالعقل يفهمها أننا نتبرأ من كل حول منا لله رب العالمين.
موقف الإمام جعفر الصادق من القياس ورفضه له خلافاً لأبي حنيفة
الإمام جعفر كان لا يرى القياس مثل الإمام أبي حنيفة [الذي كان يأخذ به]. بعد ذلك رفض الإمام [جعفر] القياس وقال: أبدًا، نحن نأخذ بالمعقول، لكن لا نأخذ بالقياس، نفهم النص ولكن القياس أنا لا أراه؛ لأننا نرى أن الدين عبادة كله.
فروي عنه أن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدًا، وأن دين الله لا يُصاب بالمقاييس.
كان الناس حينئذٍ يقولون: أول من قاس إبليس، قاس نفسه على آدم قائلًا:
﴿خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]
وأعلن الإمام جعفر رفضه للقياس، وأن السُّنة لا تُقاس. ألا ترى أن المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ وأن السنة إذا قيست محق الدين.
تعليل الإمام جعفر بطلان القياس بمثال إبليس وقياسه النار بالطين
وعلل [الإمام جعفر] أيضًا أن إبليس عندما قاس نفسه بآدم فقال:
﴿خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]
ولو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار، لكان ذلك أكثر نورًا وضياءً من النار.
إذن الإمام جعفر في الحقيقة إنما ينكر القياس الباطل، أو ينكر القياس الذي لم تستوفِ أركانه.
مناظرة الإمام جعفر الصادق لأبي حنيفة في بطلان القياس مع وجود النص
هناك مناقشة بينه [الإمام جعفر] وبين أبي حنيفة تدل على شيء من هذا [بطلان القياس مع النص].
قال الإمام جعفر لأبي حنيفة: ويحك يا نعمان، أيهما أكبر: القتل أم الزنا؟ قال أبو حنيفة: القتل. قال جعفر: فلماذا جعل الله في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة؟ إذا كان القتل أشد من الزنا كنا نجعل في القتل ستة شهود أو نجعل الزنا يثبت بواحد. أينقاس لك هذا؟ يعني هذا في قياس، تستطيع أن تقيسه من غير هذا النص؟ قال: لا.
قال جعفر: فأيهما أكبر: البول أم المني؟ قال: البول. البول نجس، لكن المني قد يكون طاهرًا. قال جعفر: فلِمَ أمر الله في البول بالوضوء وهو نجس، وفي المني بالغسل وهو طاهر عند الشافعي مثلًا؟ أينقاس لك هذا؟ قال: لا.
تتمة مناظرة الإمام جعفر لأبي حنيفة في الصلاة والصيام والميراث والسرقة
قال جعفر: فأيهما أكبر، الصلاة أو الصيام؟ قال: الصلاة. الصلاة هذه كل يوم، لكن الصيام هذا في رمضان الواجب يعني. قال جعفر: فلِمَ وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ أينقاس لك هذا؟ قال: لا.
قال جعفر: فأيهما أضعف: المرأة أم الرجل؟ قال: المرأة. قال جعفر: فلِمَ جعل الله في الميراث للرجل سهمين وللمرأة سهمًا؟ أينقاس لك هذا؟ قال: لا.
قال جعفر: فبِمَ حكم الله فيمن سرق عشرة دراهم بالقطع، وإذا قطع الرجل يد الرجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم؟ أينقاس لك هذا؟ قال [أبو حنيفة]: لا، من ناحية القياس، أي بدون نص.
المذهب الجعفري والعقل كمصدر للتشريع والفرق بين القياس الباطل والصحيح
وعلى الرغم من أن الإمام جعفر الصادق يرفض القياس، إلا أن المذهب الجعفري يجعل العقل مصدرًا للتشريع.
لماذا؟ لأن القياس الذي رفضه الإمام جعفر الصادق هو القياس المصادم للنص. يعني هذه الأشياء [التي ذكرها في المناظرة] لو لم يكن فيها نص لقسناها، لكنه لما ورد فيها النص فلا قياس.
ولذلك القاعدة المقررة التي عليها العلماء أنه لا قياس مع النص. يعني إذا كان هذا هو النص، وُجد نص فلا قياس، والقياس الذي يأتي مع النص يكون قياسًا فاسدًا.
فلما أمر الله سبحانه وتعالى إبليس بأن يسجد لآدم، كان عليه أن يلتزم بالنص لا أن يقيس. ولما كانت كل ما ذكره الإمام سيدنا جعفر للإمام أبي حنيفة إنما هو قياس مع النص [وهو مرفوض].
وفاة الإمام جعفر الصادق ودفنه بالبقيع ومحبة أهل مصر لأهل البيت
توفي هذا الإمام العظيم جعفر الصادق في سنة مائة وثمانية وأربعين [من الهجرة]، ودُفن بالبقيع مع أبيه محمد الباقر ومع جده علي زين العابدين، فدُفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه هو وأبيه وجده رضي الله تعالى عنهم عليهم السلام.
هؤلاء هم سلسلة أهل البيت الكريم الذي أُمرنا أن نوقرهم وأن نحبهم. وأهل مصر يحبون أهل البيت، يحبون هؤلاء لحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاللهم انفعنا بهم في الدنيا وفي الآخرة. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
