عبدالله بن إباض | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •المذهب الإباضي أحد المذاهب الفقهية الثمانية المعتمدة التي استمرت حتى يومنا.
- •نُسب المذهب لعبد الله بن إباض التميمي، لكنه في الحقيقة يمثل آراء جابر بن زيد.
- •عبد الله بن إباض كان من التابعين، عاصر معاوية بن أبي سفيان وعاش حتى أواخر عهد عبد الملك بن مروان.
- •اكتملت ملامح المذهب في القرن الثالث الهجري وكانت البصرة مركزاً لعلمائه.
- •يعتقد الإباضية أن من نطق بالشهادتين فهو مسلم، ولا يستحلون دماء أهل القبلة.
- •ترفض الإباضية وصفها بأنها فرقة من الخوارج، وتنتشر حالياً في عُمان والجزائر.
- •توجد اختلافات بين الإباضية وأهل السنة في مسائل عقدية كرؤية الله يوم القيامة.
- •من أهم مراجع الإباضية كتاب المدونة لأبي غانم الخراساني وقاموس الشريعة في 92 جزءاً.
- •تميز المذهب بتقدير الحرية الإنسانية، ويرى أن العبد المكاتب حر من بداية المكاتبة.
- •حظي المذهب بدراسات أكاديمية في الأزهر، ويمكن الاستفادة منه رغم قلة أتباعه.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس طيبين مع تاريخ التشريع.
مع الناس الطيبين الذين كانوا في عهد الصحابة، ثم في عهد التابعين، ثم في عهد أتباع التابعين. تكوّنت المدارس الفقهية وظلّ من هذه المدارس معنا حتى يومنا هذا ثمانية ظلّت معنا: المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وظلّ معنا المذهب الإباضي والمذهب الجعفري والمذهب الزيدي والمذهب الظاهري، مذهب داوود الأصبهاني وابن حزم الظاهري.
التعريف بإمام الإباضية عبد الله بن إباض التميمي ونسبه وعصره
لعلنا اليوم مع رجل من الطيبين وهو إمام الإباضية؛ لأنه كان متقدمًا، ونحن نتكلم الآن في مستوى أتباع التابعين. إمام الإباضية كان اسمه عبد الله بن إباض التميمي من بني مُرّة بن عُبيد بن مقاعس، هو عربي.
عبد الله بن إباض عندما بحثنا في الكتب عن متى وُلد ومتى مات، وجدنا اضطرابًا كبيرًا في هذا، لكنه كان معاصرًا لسيدنا معاوية بن أبي سفيان وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان، وقيل إنه توفي عام ستة وثمانين هجرية. ولذلك هو كأنه أقدم التابعين.
الخلاف في كون عبد الله بن إباض من التابعين أو أتباعهم ونسبة المذهب إليه
لكن في الحقيقة أنه كان إما من التابعين أو من أتباع التابعين، لكن لأن هناك اضطرابًا في هذا الكلام، قال الإمام الشماخي إنه من التابعين. وقال إن عبد الله بن إباض هو الذي نُسبت إليه المذهب الإباضي.
لكنه في الحقيقة المذهب الإباضي هو رأي ومذهب جابر بن زيد. كان عبد الله بن إباض فقيهًا، وكان من أخصّ تلاميذ ابن عباس، وروى الحديث عن أم المؤمنين عائشة وعدد كبير من الصحابة ممن شهدوا بدرًا، وهذا الذي يرجّح أنه كان هذا الرجل من التابعين.
نسبة المذهب الإباضي وتسمياته الأولى واكتمال صورته في القرن الثالث الهجري
المذهب الإباضي نُسب إليه [أي إلى عبد الله بن إباض]، أي ليس بالأصالة، وإنما كان جابر بن زيد في البداية. لم يكونوا يقولون إباضية، بل كانوا يقولون: جماعة المسلمين، أهل الدعوة، أهل الاستقامة. لكن ظهرت كلمة الإباضية في أواخر القرن الثالث الهجري.
aكتملت صورة المذهب وتمّ تحرير أقواله وأصبح مذهبًا معتبرًا له كتبه وله ملامح في أواخر أيام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والذي خلف عبد الله بن إباض على إمامة المذهب في مدينة البصرة. كانت مدينة البصرة مركز التجمع الأساسي لعلماء الإباضية.
عقيدة الإباضية في حرمة دماء أهل القبلة وأصولهم في مصادر التشريع
الإباضية يعتقدون أن كل من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين. لا يستحلّون دماء أحد من أهل القبلة أبدًا، ولا يستحلّون مال أحد إلا بالطريقة التي فرضها الله سبحانه وتعالى في كتابه.
يرى الإباضية أن القرآن مقدّم على غيره من المصادر، وأن السنة العملية أيضًا مقدّمة على سنة الآحاد. هذا هو مكوّن الإباضية.
تُنكر الإباضية إنكارًا تامًّا أنها فرقة من فرق الخوارج كما يُشاع ويُذاع عنها من خارج المذهب الإباضي.
انتشار المذهب الإباضي جغرافيًّا واعتماده في المجامع الفقهية الإسلامية
الإباضية الآن تنتشر في عُمان وتكاد تكون متمركزة هناك، ولكن أيضًا هناك كثير من الإباضية في الجزائر.
الحقيقة أن المذهب الإباضي مذهب اعتُمد فقهيًّا في مواطن كثيرة؛ اعتُمد فقهيًّا في مجمع البحوث الإسلامية، واعتُمد فقهيًّا في الموسوعة التي أصدرها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والتي لا تزال تخرج إلى الآن، كواحد من المذاهب الثمانية. اعتُمد في مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ويحضر فيها مفتي الإباضية من عُمان.
المذهب الإباضي وإن كان أتباعه قلة إلا أنه مذهب معتمد من المذاهب الثمانية المعمول بها، والتي أجمع عليها علماء المسلمين في عمّان في الأردن وفي مكة في اجتماعاتهم؛ لأن هذا المذهب هو مذهب معتمد.
الخلاف بين الإباضية وأهل السنة في مسألة رؤية الله يوم القيامة
يأتي إذن، ما هو الخلاف بينهم [الإباضية] وبين أهل السنة؟
الخلاف بينهم وبين أهل السنة في أشياء في العقيدة. هذه الأشياء التي في العقيدة منها: هل سنرى ربنا يوم القيامة أم لا؟ وهذه مسألة متعلقة بيوم القيامة.
أهل السنة يقولون سنرى ربنا؛ لأن الحديث يقول:
قال رسول الله ﷺ: «هل تُضامّون في رؤية البدر في ليلة التمام؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «ترون ربكم هكذا»
وربنا يقول:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]
إذن هناك خلافات في الفهم لا تؤثر في وحدة المسلمين ولا تؤثر في اتفاقهم.
أهم كتب الإباضية الفقهية ومنهجهم في نقل السنة العملية
الإباضية لها كتب كثيرة، وعُمان الحقيقة يعني ساهمت في إبراز هذه الكتب. وأهم مراجع الإباضية الفقهية هو كتاب اسمه المدوّنة لأبي غانم الخراساني، ينقل عن أئمة الإباضية السنة العملية بطريقة فقهية دون نقل الإسناد في أغلب الأحيان.
ولذلك تجد اختلافات في بعض المسائل الفقهية بين الإباضية وبين مذاهب أهل السنة بسبب الاختلاف المنهجي وليس بسبب التضاد أو الصراع أو غير ذلك.
موقف الإباضية من اشتراط القرشية في الإمام وتقديرهم للحرية الإنسانية
رفض الإباضية رفضًا قاطعًا الروايات التي تتحدث مثلًا عن وجوب اشتراط القرشية في الإمام أو الخليفة. أهل السنة يقولون هذا، بينما الإباضية تقول أبدًا، أيّ مسلم حرّ كفء عنده تقوى فإنه يتولى هذا [أي الإمامة].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]
لم يقل قرشي ولا كذا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]
فمن مزايا الإباضية تقديرهم جدًّا للحرية الإنسانية أيّما تقدير. فكان مما تفردوا به في مذهبهم أن قالوا إن العبد عندما يُكاتَب فهو حرّ من بداية المكاتبة، فهو حرّ من أول المكاتبة تطلعًا لحرية الإنسان.
أهمية مذاكرة كتب الإباضية وفائدتها في توسيع المدارك الفقهية
هذه اللفتات العميقة في هذا الفقه تجعلنا نستخدمها ونحن نعرض الإسلام في الخارج. المذهب الإباضي في الحقيقة مذهب يمكن أن نأخذ منه كثيرًا.
عندما ذكرنا كتب الإباضية ورجعنا إليها وجدنا أشياء غريبة جدًّا؛ وجدنا أنه قد يُذكر الحكم عندنا [في كتب أهل السنة] من غير بيان علته أو دليله، فنجد هذه الأدلة موجودة في كتب الإباضية.
إذن، مذاكرة كتب الإباضية مسألة مفيدة؛ لأنها توسّع المدارك، ولأنها تبيّن لنا شيئًا كبيرًا.
أبرز المصنفات الإباضية من مسند الربيع بن حبيب وقاموس الشريعة
هناك أيضًا من كتب [الإباضية] شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، وهذا في ثلاثة أجزاء.
وهناك قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للعلّامة الجميل ابن خميس السعدي. هذا الكتاب غريب عجيب يقع في اثنين وتسعين جزءًا، وألّفه في القرن الحادي عشر، فهو شيء غريب - اثنان وتسعون جزءًا!
يعني الآن قاموس الشريعة أظن أنه صدرت منه أجزاء كثيرة، لكنه لم يصل إلى الآن إلى تمامه؛ صدر منه حوالي تسعة عشر إلى الآن أو أكثر ربما.
الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الجزائري وأبرز مؤلفاته الفقهية والتفسيرية
هناك علماء منهم الشيخ محمد بن يوسف بن أطفيش الجزائري، وكلمة أطفيش هي كلمة بربرية ومعناها بلغة البربر: امسك واقبل.
حسنًا، كان أطفيش أيضًا من بين من كانوا علماء في دار الكتب المصرية، وقد حقّق تفسير القرطبي.
الشيخ أطفيش هو صاحب الكتاب الفقهي الماتع الكبير شرح النيل وشفاء العليل، الذي هو الشفاء العليل لضياء الدين الثميني. هذا يقع في عشر مجلدات كبيرة، وله أيضًا في التفسير وكذا إلى آخره.
خصائص المذهب الإباضي المعتمد وإمكانية الاستفادة منه في العصر الحاضر
المذهب الإباضي مذهب معتمد، مذهب له كتبه، مذهب له مصطلحاته، مذهب له طريقة استدلاله، لا تخرج في الجملة عن المذاهب الفقهية المعتمدة.
يمكن أن نستفيد من المذهب الإباضي في عصرنا الحاضر أيّما استفادة. فالمذهب الإباضي وإن قلّ عدد أتباعه إلا أنه مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي.
لقد حظي المذهب الإباضي بكثير من الدراسات الأزهرية في الأزهر الشريف، وأُنجزت رسائل الدكتوراه ورسائل الماجستير في دراسة المذهب الإباضي وفي أسس المذهب الإباضي وفي أصول فقه المذهب الإباضي. ولذلك فنحن أمام مذهب معتمد حتى ولو قلّ أتباعه.
أهمية الاستفادة من جميع المذاهب الفقهية حتى لو قلّ أتباعها كالظاهرية والإباضية
سيُذكّرنا هذا [قلة أتباع المذهب الإباضي] بمذهب الظاهرية. مذهب الظاهرية يعني كان أتباعه قليلين جدًّا، ولكننا في فتاوانا قد نعتمد على رأي هنا أو هناك للظاهرية يناسب العصر ويناسب مصلحة الناس وهو أقوى دليلًا.
ولذلك نحتاج إلى كل المذاهب الفقهية حتى ولو قلّ عدد أتباعها؛ لأن فيها خيرًا كثيرًا.
إلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
