سفيان بن عيينة | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

سفيان بن عيينة | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • سفيان بن عيينة أحد أئمة أتباع التابعين ولد سنة 107هـ في منتصف شعبان، وهو من الموالي وليس من العرب الأقحاح.
  • أدرك أكثر من ثمانين من التابعين وكان حافظاً كبيراً أجمعت الأمة على جلالته والاحتجاج به.
  • تتلمذ على يد ابن شهاب الزهري وعمرو بن دينار والسبيعي وأبي الزناد وأيوب السختياني.
  • روى عنه علماء كبار منهم الأعمش والثوري وشعبة والإمام الشافعي.
  • قال عنه الشافعي: "ما رأيت أحداً فيه من آلة الفتيا ما في سفيان" مع أنه كان أكفهم عن الفتوى.
  • من حكمه أن الزهد في الدنيا هو أن ينعم الله على العبد فيشكر ويبتليه فيصبر.
  • كان يرى أن العافية مع الشكر أحب إليه من البلاء مع الصبر، مستشهداً بقصة سليمان وأيوب عليهما السلام.
  • كان متواضعاً يستحي أن ينسب الحكمة لنفسه فيقول: "قال رجل من العلماء" ويقصد نفسه.
  • توفي سنة 198هـ بمكة ودفن بالحجون.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ.

أيها الإخوةُ المشاهدون، أيتها الأخواتُ المشاهداتُ في كلِ مكانٍ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقةٍ جديدةٍ من حلقاتِ مجالسِ الطيبين، مع تاريخِ التشريعِ الإسلاميِ، مع المجتهدين من الفقهاءِ والعلماءِ ونقلةِ الدين وأهل الذكر الحكيم، مع طيبين الذين رزق اللهُ الأمةَ الإسلاميةَ بهم عبر التاريخ.

ملخص ما سبق الحديث عنه من فقهاء الصحابة والتابعين

تكلمنا عن فقهاء الصحابة الكرام، عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن غيرهم.

تكلمنا عن التابعين، عن فقهاء المدينة السبعة: عن عروة بن الزبير، وعن سعيد بن المسيب، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعن خارجة بن زيد بن ثابت، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعن سليمان بن يسار وهكذا. تكلمنا عن الحسن البصري من التابعين.

الانتقال للحديث عن جيل أتباع التابعين والبدء بالإمام سفيان بن عيينة

وننتقل اليوم لنتحدث عن الجيل الثالث؛ بعدما تحدثنا عن الصحابة وعن تلاميذ الصحابة وأبنائهم [أي] التابعين، نتحدث عن أتباع التابعين، أي أبناء التابعين، تلاميذ التابعين.

ونبدأ برجل كبير في هذا المقام من أتباع التابعين وهو الإمام سفيان بن عيينة.

التعريف باسم سفيان بن عيينة ونسبه وكنيته ومولده

اسمه سفيان بن عُيَيْنة بالضم هكذا، ليس عَيينة ولا غير ذلك كما يخطئ بعضهم، سفيان بن عُيَيْنة بن أبي عمران. كانوا يقولون له أبو محمد الكوفي، وكان حافظًا كبيرًا، وكان مولى بني عبد الله بن رُوَيبة من بني هلال بن عامر بن صعصعة.

إذن فسفيان بن عيينة ليس من العرب الأقحاح، ولكنه من الموالي. وُلِدَ في منتصف شعبان، أي في الخامس عشر من شعبان - وهو ما نتذكره دائمًا بمنتصف شعبان [حيث] تحول القبلة - سنة سبع ومائة، مائة وسبعة.

تأكيد أن سفيان بن عيينة من جيل أتباع التابعين بالتاريخ

ولد [سفيان بن عيينة] مائة وسبعة، تتذكرون عندما كنا نتحدث عن التابعين وعن علماء المدينة السبعة، وقلنا أن جميعهم تقريبًا توفي آخرهم سنة مائة وثمانية.

إذن هذا فعلًا جيل ثانٍ تمامًا [أي جيل أتباع التابعين]، الذي سندخل فيه، الذي هو سفيان بن عيينة ممن حملوا هذا العلم، ممن حملوا هذه التقوى والتربية.

مكانة سفيان بن عيينة العلمية وإجماع الأمة على جلالته

سفيان بن عيينة أحد الأئمة الأثبات الذين أجمعت الأمة على جلالتهم وعلى الاحتجاج بهم. أتقن وجوَّد وجمع وصنف، وكان يُرحَل إليه.

كلمة يُرحَل إليه في العربية يقولون عنها رُحَلَة، كلمة رُحَلَة يعني يقولون ماذا؟ الكعبة رُحَلَة المسلمين؛ لأن الواحد يذهب إلى الكعبة، فالكعبة رُحَلَة، يعني مقصودة، يعني يُرحَل إليها. فكان سفيان بن عيينة رُحَلَة، ليس أنه يرحل، بل أنه يُرحَل إليه. انتهى إليه علو الإسناد.

قصة جد سفيان بن عيينة وهروبه من العراق إلى مكة

كان ابن عيينة هذا جده [أبو عمران] يعمل مع خالد بن عبد الله القسري [والي العراق]، فلما عُزل خالد عن العراق وتولى بعده يوسف بن عمر الثقفي، ضايق [يوسفُ] عمالَ خالد.

فهرب أبو عمران الذي هو جد صاحبنا [سفيان بن عيينة] إلى مكة، ولكنه كان من أهل الكوفة.

إخوة سفيان بن عيينة التسعة وأشهرهم في العلم والحديث

كان سفيان بن عيينة هذا عنده تسعة إخوة، حدّث منهم وظهر علماء منهم أربعة: محمد بن عيينة، وواد بن عيينة، وإبراهيم بن عيينة، وعمران بن عيينة.

لكن كان أعلمهم وأشهرهم، والناس تسمع عنه وتجده في الكتب كثيرًا، هو سفيان بن عيينة.

سفيان بن عيينة أدرك أكثر من ثمانين من التابعين وهو من أتباعهم

أدرك [سفيان بن عيينة] أكثر من ثمانين نفسًا من التابعين، وهو ليس تابعيًا بل هو من تابعي التابعين، فهو كما لو كان من أبناء التابعين، أي أنه لم يرَ الصحابة.

فالصحابة رأوا النبي ﷺ، والتابعون لم يروا النبي ﷺ لكنهم رأوا الصحابة، أما تابعو التابعين فهم أبناؤهم الذين رأوا التابعين، لكنهم لم يروا الصحابة؛ لأنه [سفيان] مولود سنة مائة وسبعة فلم يَرَ أي صحابي.

شيوخ سفيان بن عيينة وتلاميذه من كبار العلماء

سفيان بن عيينة كانت له آراء وكانت له مدرسة، وكان له شيوخ وكان له تلاميذ. من ضمن الشيوخ الذين كانوا له: ابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، والسبيعي، كل هؤلاء من التابعين، ومنصور بن المعتمر، وأبو الزناد، وأيوب السختياني.

وكذلك كانت له تلامذة بعد ذلك، روى عنه الأعمش والثوري وشعبة وهمّام بن يحيى، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، والإمام الكبير محمد بن إدريس الشافعي. فكل هؤلاء كانوا محيطين بسفيان، إما أنه تتلمذ عليهم أو أنهم تتلمذوا على سفيان.

ثناء أبي حنيفة والشافعي على سفيان بن عيينة وعلمه وورعه

يقول سفيان: دخلت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم عمرو بن دينار، ما هو [أي إنه ليس إلا شابًا صغيرًا]، مائة وسبعة [مولده]، فهذا سفيان بن عيينة، ففرح به أبو حنيفة.

قال الشافعي: ما رأيت أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكفَّ عن الفتوى منه. انظروا كيف يعني سفيان ربما كان أمكن شخص في الفتيا وأقل شخص في الفتوى وأقوى شخص في العلم، لكنه لا يحب التصدر ولا يحب هذه الأشياء [أي الظهور والشهرة].

تعريف سفيان بن عيينة للزهد بالشكر على النعمة والصبر على البلاء

الإمام سفيان سُئل: ما هو الزهد في الدنيا؟ قال: من إذا أنعم الله عليه نعمة شكرها، وإذا ابتُلي ببلية يصبر عليها، فذلك الزهد.

فقالوا له: يا أبا محمد، أرأيتَ إن أنعم اللهُ على شخصٍ بنعمةٍ فشكر، وابتُلِيَ ببلية فصبر، هذا الذي أنعم اللهُ عليه بنعمة ما زالت النعمة معه وهو ممسكٌ بها، يعني معه في يده، كيف يكون زاهدًا؟

قال سفيان: اسكت، يعني أنت لا تفهم شيئًا، فمن لم تمنعه النعمة من الشكر، [ولم تمنعه] البلوى من الصبر، ذلك هو الزهد.

دعاء الصالحين بأن تكون الدنيا في اليد لا في القلب

نعم، فتصبح الدنيا في يدي [لا في قلبي]، ولذلك كان من دعاء الصالحين: اللهم اجعل الدنيا في يدي ولا تجعلها في قلبي.

هذا فَهْمُ الأكابر من السلف الصالح [في حقيقة الزهد].

مقولة مطرف بن الشخير في تفضيل العافية مع الشكر على البلاء مع الصبر

كان هناك شخص اسمه مطرف بن الشِّخِّير، فمطرف بن الشخير هذا يُعَدُّ تلميذًا لسيدنا ابن عباس [رضي الله عنهما].

يقول مطرف: لأن أُعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبر.

فسألوا سفيان بن عيينة: ما رأيك في كلام مطرف هذا الذي هو يُعتبر أستاذًا ويُعد من طبقة التابعين، فهو أعلى منه [أي من سفيان] مكانةً؟ فقال: والله إن النعمة أفضل عندي من البلية، وعندما أشكر على النعمة يُنعم الله عليَّ وأشكر، أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَنِي فَأَصْبِر، أَنَا أُحِبُّ هَذِهِ [العافية] وَلَيْسَ تِلْكَ [البلية].

تفضيل سفيان لقول مطرف في التوكل والرضا بما يختاره الله

مَا رَأْيُكَ فِي هَذِهِ الحِكَايَةِ؟ فَسَكَتَ وَفَكَّرَ، أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثُمَّ قَالَ: قَوْلُ مُطَرِّفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ القَوْلِ الثَّانِي، ذَلِكَ الَّذِي هُوَ أَنْ أَكُونَ قَدْ رَضِيتُ لِنَفْسِي مَا رَضِيتَ لِي يَا رَبِّ، يعني [أن يقول العبد]: افعل ما تحب، هو أنعم عليَّ أو يبتليني أنا متوكل.

فما رأيك، نتوكل أم سفيان يكون [أي يختار أن] النعمة أفضل؟ فقال: كلام مطرف أحب إلي.

استدلال سفيان بقصة سليمان وأيوب على استواء الشكر والصبر

فقال الرجل السائل: كيف وقد رضي هذا [المتوكل] لنفسه ما رضي الله له، واحد متوكل؟ فقال سفيان: إني قرأت القرآن فوجدت صفة سليمان النبي عليه السلام مع العافية التي كان فيها، وصفه ربه:

﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]

ووجدت صفة أيوب مع البلاء الذي كان فيه سيدنا أيوب:

﴿نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]

قال: على هذا نعم العبد إنه أوّاب، وقال على هذا نعم العبد إنه أوّاب، فاستوت الصفتان وهذا معافى وهذا مبتلى، يعني هذا في نعمة وذاك في مصيبة، فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر.

تفضيل العافية مع الشكر وموافقة ذلك لحديث النبي في عدم تمني البلاء

فلما اعتدلا واستويا كانت العافية مع الشكر أحب إلي من البلاء مع الصبر.

وهذا موافق لما كان يقول رسول الله ﷺ:

قال رسول الله ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاصبروا»

وسمع [النبي ﷺ] رجلًا يدعو: اللهم أنزل عليَّ الصبر، فقال: سألتَه البلاء، إنما اسأله العافية، فإذا نزل البلاء فاسأله الصبر.

حكمة سفيان بن عيينة وتواضعه في نسبة الكلام إلى نفسه

إذن الرجل هذا [سفيان بن عيينة] كان حكيمًا يتحدث بالحكمة، وكان هو بالرغم من ذلك يستحي أن ينسبها إلى نفسه.

كان دائمًا يقول: قال رجل من العلماء. سفيان كان يقول: قال رجل من العلماء، يقصد نفسه، لا يوجد أحد قال هذا إلا هو، فكان يستحي أن يقول: قلتُ أو أنشأتُ هكذا، فكان يخفي نفسه.

فكان سفيان دائمًا كثيرًا في الكتب يقول: قال رجلٌ من العلماء ويعني نفسه.

مقولة سفيان في معالجة ترك الطمع وإخلاص العمل لله ثلاثين سنة

[ومن حكمه التي نسبها إلى رجل من العلماء قوله]: اثنتان أنا أعالجهما منذ ثلاثين سنة: ترك الطمع فيما بيني وبين الناس، وإخلاص العمل لله عز وجل.

إلى آخر ما قال سيدنا سفيان بن عيينة.

وفاة سفيان بن عيينة بمكة ودفنه بالحجون والختام

الذي توفي [سفيان بن عيينة] سنة مائة وثمانية وتسعين بمكة، ودُفن بالحجون وهو جبل بأعلى مكة.

اللهم انفعنا به في الدنيا والآخرة. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.