الإمام الشافعي | ج1| تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •الإمام الشافعي هو محمد بن إدريس القرشي المطلبي المكي، صاحب المذهب الشافعي، ومؤسس علم أصول الفقه.
- •ولد سنة 150 هجرية في غزة، وكان يوم ولادته يوم وفاة الإمام أبي حنيفة.
- •مات أبوه وهو صغير فنقلته أمه إلى مكة ليحفظ نسبه، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين.
- •تميز بذكاء خارق وذاكرة قوية، فحفظ موطأ الإمام مالك وهو ابن عشر سنين.
- •أتقن اللغة العربية بعد أن عاش مع قبيلة هذيل سبع عشرة سنة، وأجيز بالإفتاء وهو ابن عشرين سنة.
- •تلقى العلم عن مسلم بن خالد الزنجي في مكة، والإمام مالك في المدينة، ومحمد بن الحسن الشيباني في بغداد.
- •تزوج حميدة بنت نافع من نسل عثمان بن عفان، وأنجب ابنه محمد الذي أصبح قاضي حلب.
- •رحل إلى اليمن وعمل والياً على نجران، ثم استدعاه الخليفة هارون الرشيد إلى بغداد بسبب وشاية.
- •ألف كتاب الرسالة وكتاب الحجة، ويعد مجدد القرن الثاني الهجري.
مقدمة الحلقة والتعريف بالإمام الشافعي ونسبه القرشي المطلبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومع تاريخ التشريع من خلال تراجم الأئمة الأعلام المجتهدين، نعيش سويًا مع الإمام الشافعي، وهو محمد بن إدريس الشافعي القرشي المطلبي المكي، صاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي. نزل مصر ودُفن بها فشرّفت به مصر.
وهو قرشي، وهو الوحيد من الأئمة الأربعة القرشي. ومن الأئمة أصحاب المذاهب الكبرى هناك زيد وهناك جعفر الصادق وهناك الإمام الشافعي، وكلهم أيضًا من قريش.
نسب الإمام الشافعي إلى جده شافع وصلته بأهل البيت
محمد بن إدريس الشافعي هو منسوب إلى جده؛ لأنه ابن العباس بن عثمان بن شافع، وشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
ولذلك عدّه كثير من الناس من أهل البيت فيمن يوسّع مفهوم أهل البيت حتى يشمل بني المطلب؛ لأنهم دخلوا مع بني هاشم في الشِّعب معًا.
مولد الإمام الشافعي في غزة وصلته بعلي بن أبي طالب
وُلد الإمام [الشافعي] سنة مائة وخمسين هجرية في غزة، التي هي جزء من فلسطين العزيزة، حررها الله سبحانه وتعالى.
وكان له أيضًا علاقة بسيدنا علي بن أبي طالب [في النسب]، ولكن هذا يطول شرحه في الأنساب وما إلى ذلك. المهم أنه كان مكيًا قرشيًا.
ثناء الإمام الذهبي والإمام أحمد بن حنبل على الإمام الشافعي
الإمام الذهبي يصف سيدنا الشافعي فيقول: الإمام عالم العصر وناصر الحديث، فقيه الملة وناصر السنة.
وصفه الإمام أحمد بن حنبل فقال: ما مسّ أحدٌ محبرةً ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منّة. كل من ألّف في الشريعة الإسلامية لا بد أنه قد استفاد من الشافعي.
وصف أبي نعيم للإمام الشافعي بالإمام الكامل العامل العالم
أبو نعيم يقول عنه: الإمام الكامل، العامل العالم، ذو الشرف المنيف والخلق الظريف، له السخاء والكرم، وهو الضياء في الظلام. أوضح المشكلات وأفصح عن المعضلات.
ينتشر علمه شرقًا وغربًا ويستفيض مذهبه برًّا وبحرًا. هو المتبع للسنن والآثار، والمقتدي بما اجتمع عليه المهاجرون والأنصار. اقتبس عن الأئمة الأخيار فحدّث عنه الأئمة الأحبار. هذا كلامه اللطيف المسموع في الإمام الشافعي.
الإمام الشافعي مؤسس علم أصول الفقه ومجدد القرن الثاني الهجري
والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه هو مؤسس علم أصول الفقه، وهو أول من ألّف فيه كتابه الرسالة. إذن فهو مجدد القرن الثاني الهجري كما قال عنه أحمد بن حنبل.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«يبعث ربنا على رأس كل مائة سنة من يجدد لأمتي أمر دينها»
لما وُلد الإمام [الشافعي] في سنة مائة وخمسين هجرية، وهي السنة التي توفي فيها أبو حنيفة، حتى قيل في بعض الروايات أنه وُلد في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة، فقيل: وُلد إمامٌ ومات إمام.
مولد الشافعي في غزة ونشأته يتيمًا وانتقاله إلى مكة
وُلد [الإمام الشافعي] في غزة كما قلنا في حيّ اسمه حيّ اليمن، وأيضًا في بعض الكتب يُقال حيّ عسقلان، وهذه الأحياء أظنها - يعني - لا أعرف وجودها في غزة الآن.
مات أبوه صغيرًا فتربّى يتيمًا، لكن حملته أمه إلى مكة حتى لا يضيع نسبه، وكان عمره حينئذٍ سنتين. إذن فهو يتيم وصغير، ولكنها ذهبت به إلى مكة [في حدود سنة] مائة واثنين وخمسين، يعني منتصف القرن الثاني، بعيدًا عن أجواء الشام، بعيدًا عن أجواء الحكم في العراق، إنما هو في مكة.
حفظ الشافعي للقرآن وهو ابن سبع سنين وتعلمه الرمي والتصويب
قرأ [الإمام الشافعي] القرآن وهو ابن سبع سنين، يعني أن هذه السيدة [أمه] كانت سيدة عظيمة؛ لأنها جعلته يحفظ القرآن. وكان ذكيًا لديه قدرة فحفظه وهو ابن سبع سنين.
وأخذته [أمه] ليتعلم الرمي والتصويب حتى فاق فيه الأقران، وكان يصيب من عشرة أسهم تسعة، من عشرة أي تسعين في المائة، أي امتياز.
براعة الشافعي في اللغة العربية وتصحيح الأصمعي أشعار الهذليين عليه
ثم بعد ذلك ذهبت به [أمه] ليتعلم اللغة العربية، فبرع فيها جدًا. فأول شيء أنه - أي الأصمعي - بعد ذلك صحّح عليه أشعار الهذليين.
عندما تأتي لتقرأ أشعار الهذليين لا تفهم منها شيئًا، لكنه [الشافعي] كان قد حفظها وكان قويًا في هذا المجال جدًا.
حفظ الشافعي للموطأ وإعجاب الإمام مالك به في المدينة
أما من ناحية دراسته للشرع الشريف فحفظ الموطأ للإمام مالك وهو ابن عشر سنين. فلما بلغ خمس عشرة سنة أُعجب به مالك عندما ذهب إليه في المدينة.
وبعدها جلس [الشافعي] هكذا من غير كتابة ومالك يتحدث، فكأن مالكًا غضب منه قليلًا. وكلما تكلم مالك بكلام يسأله فيجيب.
فقال له [مالك]: تعال، أنت لماذا لا تكتب؟ فقال له: أنا حافظ كل ما قلته حضرتك. قال له: كيف حفظته؟ كيف يعني؟ فسمّعه له. فقال له: الله! هل أنت حافظ الموطأ؟ قال له: نعم، أنا حفظته وعمري عشر سنوات.
فكان الإمام مالك يخصّه [بمزيد من العناية والاهتمام].
ذاكرة الإمام الشافعي القوية وقصته مع المعلم في الكُتّاب
وكان الإمام الشافعي صاحب ذاكرة قوية جدًا، فيقول عن نفسه: كنت أنا في الكُتّاب أسمع المعلم يلقّن الصبي الآية فأحفظها أنا.
هي كانت طريقة في التعليم أخذوها منا بعد ذلك، اسمها كامبريدج، وهي "وان تو وان" يعني واحد لواحد. فكان المعلم يمسك بالطفل ويعلمه هو، فكان الشافعي يلتقطها ويحفظها.
ولقد كان الصبيان يكتبون ما يُملى عليهم إلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم. بعد ذلك أكون أنا قد حفظت جميع ما أُملي.
فقال لي المعلم ذات يوم: ما يحلّ لي أن آخذ منك شيئًا. يعني أنا لا أعلمك هكذا، أنت تعلم نفسك.
فكان الإمام الشافعي آية من الآيات [في الحفظ والذكاء].
اعتماد الشافعي على تحصيل العلم الصحيح ودراسته على خالد الزنجي
ولكنه [الإمام الشافعي] بالرغم من ذلك لم يعتمد على عقله ولا ذكائه، إنما اعتمد على تحصيل العلم الصحيح بالاتساع. فذهب يدرس العربية، وذهب يتعلم الرمي أيضًا، وكذلك ذهب يدرس الشرع الشريف.
درس الفقه وكان هناك رجل اسمه خالد الزنجي، وكان خالد الزنجي هذا أستاذه في مكة. وكانوا يسمونه زنجيًا لأنه كان شديد الشُّقرة، أي كانوا يسمونه بعكس ما هو عليه؛ شديد الشقرة فيسمونه زنجي.
زواج الإمام الشافعي من حميدة بنت نافع من نسل عثمان بن عفان
خالد الزنجي... الإمام الشافعي تزوج بالسيدة حميدة بنت نافع بن عبسة، وعبسة هذا هو ابن عمرو بن عثمان بن عفان، فهي من نسل سيدنا عثمان بن عفان.
وأنجب منها ولده الأكبر قاضي حلب محمد بن محمد بن إدريس الشافعي.
ملازمة الشافعي لقبيلة هذيل في البادية وإتقانه العربية سجيةً
قلنا إنه [الإمام الشافعي] حفظ أشعار هُذيل. الحقيقة أنه لزم قبيلة هذيل في البادية ليتعلم كلامها ويأخذ طبعها حتى صارت العربية له سجية.
وكانت هذيل أفصح العرب. بقي فيهم سبع عشرة سنة يمشي معهم، يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويحفظ أشعارهم، فعاش الأجواء العربية الصحيحة.
ولذلك كان أقدر الناس على فهم كتاب الله وعلى فهم سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عودة الشافعي إلى مكة ونصيحة الرجل الزبيري له بدراسة الفقه
وبعد ذلك، بعد أن تمكّن [الإمام الشافعي] من الأدوات، عاد الشافعي إلى مكة وأخذ ينشد الأشعار ويذكر الآداب والأخبار وأيام العرب.
فمرّ به رجل من بني عثمان من الزبيريين فقال: يا أبا عبد الله، يعزّ عليّ ألا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة وهذا الذكاء فقهٌ فتكون قد سِدْتَ أهل زمانك.
فتأثر الشافعي بهذا الكلام جدًا وتوجّه [لدراسة الفقه]، فقرأ على سفيان بن عيينة، ثم جالس مسلم بن خالد الزنجي - هذا كان اسمه مسلم بن خالد الزنجي - مفتي مكة.
سلسلة إسناد الشافعي في الفقه وحصوله على إجازة الإفتاء وهو ابن عشرين سنة
والذي [مسلم بن خالد الزنجي] أخذ العلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وابن الزبير عن جماعة من الصحابة. أخذ [الشافعي] الفقه عن مسلم بن خالد حتى حصل على إجازة بالإفتاء وهو ابن عشرين سنة.
ويقول الشافعي في ذلك: أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغتها، وحفظت القرآن فما علمت أنه مرّ بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد.
شروط نيل العلم الستة عند الإمام الشافعي وقراءته الموطأ على مالك
هؤلاء هم الناس المجتهدون الذين بذلوا الجهد وبذلوا الوقت وتقشّفوا في طلب الدنيا. حينئذٍ كان لهم الحق مع الذكاء الوافر أن يكونوا في هذا المقام.
ولذلك كان الشافعي يقول:
ذكاءٌ أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تأويلها ببيان: ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغةٌ، وإرشاد أستاذٍ وطول زمان.
قرأ [الشافعي] الموطأ على الإمام مالك وأجازه به. وكان الشافعي يحب مالكًا جدًا، وكان يقول: إذا ذُكر العلماء فمالكٌ النجم، وما أحدٌ أمنّ عليّ من مالك بن أنس. مالكٌ معلمي وعنه أخذت العلم.
انبهر [الشافعي] بمالك؛ هو أتاه صغيرًا فانبهر به؛ لأن مالكًا كان إمامًا كبيرًا كما ذكرنا في حلقة ماضية.
رحلة الشافعي إلى اليمن وتعيينه واليًا على نجران
الشافعي لم يقتصر على علم مكة وعلم المدينة، بل إنه أيضًا رحل في طلب العلم. فرحل إلى اليمن.
رأى أحدهم فقال له: من أين أنت؟ فأجاب: أنا والي اليمن. فقال له: حسنًا، أرجوك خذني معك. فذهب مع واليها الذي قابله في مكة وطلب منه أن يرافقه في هذه الرحلة.
أُعجب الوالي بالإمام الشافعي فعيّنه واليًا على أهل نجران، وحكم الشافعي بينهم بالعدل والمساواة.
الوشاية بالشافعي إلى هارون الرشيد ودفاعه عن نفسه في بغداد
ووجد [الشافعي] معارضة من بعض شرار الناس، وهذا موجود في كل مكان أن الرجل الصالح الطيب العالم لابد أن يظهر له أشرار.
ففي هذه الحالة وَشَوا به إلى هارون الرشيد الخليفة هناك في بغداد، قالوا إن الشافعي يريد الخلافة وهو قرشي مستعد لهذا. فأرسل الرشيد في استدعائه، وكان هذا سنة مائة وأربعة وثمانين، يعني عمره أربعة وثلاثين سنة.
حتى حضر بين يدي الخليفة في بغداد. أي إنه عندما ذهب إلى اليمن ذهب بإرادته، والتقى هناك مع علماء كثيرين. ثم بعد ذلك سافر إلى بغداد بطلب من الخليفة حتى يراه، فأحسن الدفاع عن نفسه بلسان عربي مبين وبحجة قوية حتى أُعجب به الرشيد وأطلق سراحه.
لقاء الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني في بغداد وإقامته عنده
بقي الإمام الشافعي في بغداد والتقى بالإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة كما ذكرنا في حلقة أبي حنيفة.
استفاد منه كثيرًا وكان يحبه كثيرًا، وكان يقول عنه: ما رأيت سمينًا أظرف من محمد بن الحسن. كان محمد بن الحسن بدينًا جدًا، فكان الشافعي يرى ظرفه.
وبقي [الشافعي] ضيفًا عند محمد بن الحسن نحو سنتين، ثم عاد بعدها إلى مكة.
رحلة الشافعي الثانية إلى بغداد وتأليفه كتاب الحجة وإملائه على تلاميذه
وبعد ذلك رجع [الإمام الشافعي] مرة أخرى في رحلة أخرى إلى بغداد سنة مائة وخمسة وتسعين.
وفي بغداد ألّف كتابه الكبير «الحجة». كتاب الحجة الذي ألّفه في بغداد يرويه عنه تلاميذه الذين كانوا في هذا الوقت: أبو ثور والكرابيسي والبقّال وأبو عبد الرحمن الشافعي والزعفراني، وأملى عليهم كتاب الحجة.
انتقال الإمام الشافعي إلى مصر والتمهيد لحلقة مستقلة عن ذلك
هذا الإمام الشافعي نوّر مصر بعد ذلك، ولذلك نريد أن نخصص لها حلقة مستقلة.
فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
