ابن عباس | ج1 | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

ابن عباس | ج1 | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • عبد الله بن عباس بن عبد المطلب صحابي جليل ولد في مكة أثناء حصار الشعب قبل الهجرة بثلاث سنوات.
  • دعا له النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
  • لُقِّب بحبر الأمة والبحر لسعة علمه، وكان أبيض اللون مشرباً بصفرة، جسيماً وسيماً.
  • تميز بعلمه بالفقه والتفسير والحديث والشعر والعربية والفرائض والمغازي وأيام العرب.
  • روى عن النبي مباشرة أكثر من مائة حديث، وله في مسند أحمد 1660 حديثاً.
  • كان عمر بن الخطاب يقربه ويشاوره رغم صغر سنه، وسماه "فتى الكهول".
  • أدخله عمر مع شيوخ بدر ليبين لهم فضله، وأيده في تفسيره لسورة النصر بأنها إشارة لأجل النبي.
  • أظهر تواضعاً مع زيد بن ثابت حين أراد أن يأخذ بركابه.
  • وصف بأنه أخذ منهج التيسير والرخص، مقارنة بتشددات ابن مسعود.
  • كان موسوعياً في علمه وروى عنه كبار التابعين كعكرمة ومجاهد وسعيد بن المسيب.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين للحديث عن تاريخ التشريع الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، نتحدث فيها عن تاريخ التشريع الإسلامي.

الانتقال من الحديث عن ابن مسعود إلى التعريف بعبد الله بن عباس ونسبه

لقد تحدثنا قبل ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل الفقيه العالم القارئ المحدث، وكان عبد الله يميل إلى الالتزام وإلى شيء من التمسك الشديد.

واليوم نتحدث عن الطرف الآخر، عن واحد من العبادلة الفقهاء أيضًا، ممن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل»

فكان هو الصحابي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان يُكنى أبا العباس بابنه الكبير عبد الله بن العباس. سمّى ابنه على اسم أبيه العباس، فأصبح ابنه العباس بن عبد الله بن العباس، فكانوا يقولون لعبد الله: يا أبا العباس، ليس بأبيه وإنما بأكبر ولده من بعده.

أم عبد الله بن عباس لبابة الكبرى وقرابته بخالد بن الوليد

عبد الله بن عباس، أمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية. لبابة الكبرى هذه لها أخت اسمها لبابة أيضًا، كان العرب يفعلون هكذا؛ يُسمُّون هذه لبابة الكبرى، وهذه لبابة بعدها الوسطى، وهذه لبابة بعدها الصغرى. هكذا يُسمُّون ثلاثةً أو أربعةً باسم واحد.

فمن ضمن [أخواتها] لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالي، ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد؛ لذا فإن عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد أبناء خالة.

ألقاب ابن عباس ومولده في مكة ودعاء النبي له

كان عبد الله بن عباس يُسمى بالبحر لسعة علمه، ويُسمى بحَبر الأمة. وكلمة حَبر هذه في اللغة العربية يمكن أن نقولها حَبر، والحَبر معناها أنه عالِم كبير يستعمل الحبر في الكتابة الكثيرة.

وُلِدَ سيدنا عبد الله بن عباس في مكة أثناء الحصار الذي فرضه المشركون على النبي في الشِّعْب [شِعب أبي طالب]، فالنبي صلى الله عليه وسلم حنَّكه بريقه الشريف وقال:

«اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل»

وذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات.

صفات عبد الله بن عباس الجسدية وتفوقه على الناس بخصال كثيرة

فعندما انتقل النبي [إلى المدينة] كان عبد الله بن عباس عمره ثلاثة عشر عامًا، لكنه كان فتىً نابغًا، وكان جميلًا أبيض اللون مشربًا بصفرة، وكان جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه.

فعبد الله بن عباس فاق الناس بخصال كثيرة: بعلمٍ ما سبقه إليه أحد، وبفقهٍ فيما احتيج إليه من رأيه، وبحلمٍ ونسب.

شهادة عبيد الله بن عتبة في سعة علم ابن عباس وتنوع مجالسه

ويقول عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيتُ أحدًا كان أعلمَ بما سبقه من حديثِ رسولِ الله من ابنِ عباسٍ، ولا بقضاءِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ من ابنِ عباسٍ، ولا أفقهَ في رأيٍ من ابنِ عباسٍ، ولا أعلمَ بشعرٍ ولا عربيةٍ ولا بتفسيرِ القرآنِ ولا بحسابٍ ولا بفريضةٍ منه، ولا رأيتُ أثقبَ رأيًا فيما احتيجَ إليه منه.

ولقد كان يجلس يومًا لا يذكر فيه إلا الفقه، ويومًا لا يذكر فيه إلا التأويل، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر - يعني إنه لم يكن يحفظ بيتًا أو بيتين فقط، لا - ويومًا أيام العرب.

وما رأيت عالمًا قد جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلًا قد سأله إلا وجد عنده [علمًا]. هذا نسميه الموسوعة؛ لأنه يعرف كل شيء ويستعين بالعلوم المساعدة، لا يغيب عنه شيء أبدًا.

مرويات ابن عباس عن النبي مباشرة والرد على من قلل منها

روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وفي البخاري عن ابن عباس: سمعت رسول الله، كنت مع رسول الله، رأيت رسول الله، في أكثر من مائة حديث وأكثر.

بعض الناس يقول لم يسمع ابن عباس إلا أربعة أحاديث من رسول الله، فأنا أمسكت البخاري وتتبعت ما فيه من ابن عباس: رأيته، سمعته، كنت معه، أمسكني النبي وكذا إلى آخره. المجلد الأول رأيت فيه ستين حديثًا عن ابن عباس في هذا المعنى.

ولكنه يروي أيضًا عن الصحابة: عمر وعلي ومعاذ وأبي ذر وغيرهم. إذن هو روى عن النبي مباشرة وروى عن الصحابة الكرام.

الرواة الذين رووا عن ابن عباس من الصحابة والتابعين

روى عنه أيضًا عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبو طفيل وأبو أمامة بن سهل بن حنيف وأخوه كثير بن عباس.

وروى عنه مواليه الأئمة: عكرمة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين السجاد علي زين العابدين رضي الله تعالى عنهم جميعًا.

حديث ابن عباس الشهير عن النبي في حفظ الله والتوكل عليه

روى [ابن عباس] عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

«كنت خلف رسول الله يومًا فقال: يا غلام إني أُعلِّمُكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يَحفظْكَ، احفظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كَتَبَهُ اللهُ لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كَتَبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفت الصحف»

المسند الخاص به في مسند أحمد بن حنبل وفيه ألف وستمائة وستون حديثًا، وله في البخاري ومسلم معًا خمسة وسبعون حديثًا، وله في البخاري مائة وعشرون حديثًا.

مكانة ابن عباس عند عمر بن الخطاب واهتمام التشريع بالشباب العالم

إذن ابن عباس في الحقيقة عالمٌ كبيرٌ وراوٍ كبيرٌ وفقيهٌ كبير، وكانت الصحابة تقدره. كان عمر بن الخطاب يحبه ويُدنيه إليه ويقربه من مجلسه، ويشاوره بالرغم من صغر سنّه مع أجلّة الصحابة.

يعني هذا اهتمام التشريع بالشباب؛ عندما يكون الشاب عالمًا ينبغي أن لا أمنع الشباب من أن يدخلوا ويكونوا شركاء في القرار وشركاء في البناء، بشرط العلم.

كان عمر يقول: ابن عباس فتى الكهول، أي هو الشاب الذي يتفوق على كل هؤلاء [الشيوخ]، له لسانٌ قؤول وله قلبٌ عقول. هذه الصفات التي تجعل الشاب يتصدر: العلم ثم العلم ثم العلم، بعد ذلك تأتي وتتولد من هذا العلم الحكمة.

قصة عمر مع ابن عباس وأهل بدر وإثبات علمه أمامهم

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن عمر سأل أصحاب رسول الله عن شيء، قال: فسألني فأخبرته، فقال: أعييتموني أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه - يعني أنه لا يزال لم يشِب ولم يتغير شيء في شعره - لكنكم أنتم قد شبتم.

إذن كان [عمر] يحب عبد الله بن عباس لنباهته ولعلمه ولحكمته.

قصة إدخال عمر لابن عباس مع شيوخ أهل بدر واعتراض بعضهم

قال سيدنا عبد الله بن عباس: كان عمر يُدخلني مع الشيوخ أهل بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه [حرجًا من ذلك]، ما هذا الطفل الذي سيدخل معنا؟

فقال [أحدهم]: لماذا تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟

فقال عمر: إنه من أعلمكم وإنه ممن علمتم [فضله]. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم على العادة. قال عبد الله: فما رأيت أنه دعاني يومها إلا ليريهم [فضله]، لكي يُظهر لهم من هو عبد الله بن عباس.

تفسير ابن عباس لسورة النصر وتأييد عمر لرأيه في أنها إعلام بأجل النبي

قال [عمر]: ما تقولون في قول الله عز وجل:

﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]

فقال بعضهم: أُمِرنا بأن نحمدَ اللهَ سبحانه وتعالى ونستغفرَه إذا نصرَنا وفتحَ علينا - يعني يقول معنى اللفظ للآية - وسكت بعضهم فلم يقلْ شيئًا.

فقال لي: أكذاك تقولُ يا ابنَ عباس؟

قلتُ: لا. قال: فما تقول؟ قلتُ: هو أجلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعلمَه إياه؛

﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]

فذلك علامةُ أجلِكَ،

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]

فقال عمر: ما أعلمُ منها إلا ما تقولُ، يعني أيَّدَهُ تمامًا.

قصة زيد بن ثابت وابن عباس في أدب التعامل مع العلماء وأهل البيت

وعن الشعبي قال: ركب زيدُ بنُ ثابتٍ، فدنا عبدُ الله بنُ عباسٍ ليأخذَ بركابِهِ [يمسك ركاب دابته تواضعًا]، فقال [زيد]: لا تفعلْ يا ابنَ عمِّ رسولِ الله. فقال [ابن عباس]: هكذا أُمِرْنا أن نتعامل مع علمائنا بأدب راقٍ.

فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده فقبَّلها زيد - تقبيل يد العلماء جائز - ثم قال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

خاتمة الحلقة والإشارة إلى اجتهادات ابن عباس ومقارنتها بابن مسعود

في حلقة أخرى نذكر بعض اجتهادات ابن عباس، وكانوا يقولون: دع عنك تشددات ابن مسعود ورُخَص ابن عباس. هذا من صحابة رسول الله وهذا من صحابة رسول الله، وكلاهما على حق.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.