الإمام الأوزاعي | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ولد في بعلبك سنة 88 هـ، ونشأ يتيماً فقيراً تربى عند أمه.
- •كان من كبار أتباع التابعين وإمام أهل الشام، وأحد أركان الحديث الأربعة مع مالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد.
- •روى عن تابعين كثيرين منهم عطاء بن أبي رباح والباقر ومكحول ونافع مولى ابن عمر.
- •جمع بين الحديث والفقه، وكان مجتهداً صاحب رأي، أفتى في سبعين ألف مسألة فقهية.
- •استمر مذهبه معمولاً به في الشام لمدة 220 سنة قبل أن يغلب عليه مذهب الشافعي.
- •كان يعتمد الأحاديث المرسلة، ويقول: "إذا بلغك عن رسول الله حديث، فإياك أن تقول بغيره".
- •كان متواضعاً، ويكره الجدل غير المثمر، ويقول: "إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العمل".
- •توفي رحمه الله سنة 157 هـ، ودفن في بيروت.
مقدمة الحلقة والتعريف بدور أتباع التابعين في تاريخ التشريع الإسلامي
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين.
مع ذكر طيبين في تاريخ التشريع؛ ذكرنا الصحابة وذكرنا التابعين، ونحن الآن في دور أتباع التابعين أحفاد الصحابة، الأئمة الذين درسوا الفقه واجتهدوا وعلّموا المسلمين.
التعريف بالإمام الأوزاعي ومولده ونسبه إلى بطن أوزاع من همدان
منهم الإمام الأوزاعي، كان من كبار أتباع التابعين، وكان اسمه أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. وُلِدَ بمدينة بعلبك وهي من مدن الشام أو من مدن لبنان الآن، سنة ثمانٍ وثمانين من الهجرة، يعني كان مولده في حياة الصحابة، لكنه لم يلقَ الصحابة، إنما التقى بعد ذلك بالتابعين، فأصبح من أتباع التابعين.
أوزاع هذه بطن من همدان، ولذلك كان الأوزاعي يُعدّ عربيًا. وكان ثقة [عند] الإمام البخاري، وهذا أمر غريب؛ كان [البخاري] يقول: لا، لم يكن من الأوزاع. الأوزاعي سُمّي أوزاعيًا لأنه نزل فيهم، يعني لم يكن منهم أنفسهم، لم يكن عربيًا، إنما مرّ بهم ونزل فيهم، فنُسب إلى أوزاع.
إذن الأوزاعي إما أن يكون عربيًا أو غير عربي، ولكن القضية هي أنه كان من كبار العلماء.
نشأة الأوزاعي يتيمًا فقيرًا وتنقل أمه بين البلدان طلبًا للرزق
نشأ الأوزاعي يتيمًا فقيرًا عند أمه، ربّته أمه لأن أباه مات. وعندما يموت الرجل في عالم الإنسان فإننا نسمي الولد يتيمًا، وعندما تموت الأم في عالم الحيوان نسمي الحيوان يتيمًا، يعني كلمة يتيم تختلف من الإنسان إلى الحيوان.
فكان الأوزاعي يتيمًا، يعني أن أباه مات، ولذلك نقول دائمًا: فتربّى عند أمه. وكانت أمه تحتاج إلى الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ سعيًا وراء الرزق.
كيف بلغ الأوزاعي مكانته في الأدب والعلم رغم يتمه وفقره
فكيف بلغ الأوزاعي هذه المكانة في الأدب والعلم؟ إنه فضل الله. وكان بعضهم يقول: عجزت الملوك أن تؤدّب نفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه. كان رجلًا مؤدبًا جدًا، وكان عالمًا متبحرًا، لم تُسمع منه كلمة قط زائدة، فقد كان يتحدث بميزان ويتكلم بحساب.
صفة الإمام الأوزاعي الجسدية من طول ولون وهيئة
كان الأوزاعي ليس طويلًا ولا قصيرًا، يعني فوق الربعة، وهذا يعني أنه كان بطول نحو مائة وثمانين سنتيمترًا. وكان خفيف الجسم وليس سمينًا، وكذلك كان ذا سُمرة، وكان يخضب لحيته وشعره بالحناء.
مكانة الأوزاعي في علم الحديث وعدّه من أركان الحديث الأربعة
تميز الأوزاعي بأنه كان إمامًا كبيرًا في الحديث تلقيًا وأداءً، حتى قال عنه عبد الرحمن بن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة، هؤلاء أركان الحديث: الأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد.
روى الأوزاعي [أحاديث كثيرة]، ولذلك تجد اسمه موجودًا في البخاري وفي مسلم وفي غيرهما إلى آخره.
قصة حج الأوزاعي وخدمة سفيان الثوري ومالك بن أنس له تعظيمًا لمكانته
مرة الأوزاعي حجّ فدخل مكة، وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، يعني سفيان الثوري الإمام الكبير الذي تحدثنا عنه يجرّ الجمل الذي عليه الأوزاعي، ومالك بن أنس يسوق به [من الخلف]، مالك وراءه وسفيان الثوري أمامه، والثوري يقول: افسحوا للشيخ!
ما هذا؟ هذا الكلام يبين لنا عظمة ومكانة الأوزاعي؛ اعترف بها مالك لأجل أن يسوق الجمل، أي أن هذا [مالك] يخدمه. اعترف بها الإمام سفيان الثوري، كان يجرّ له الجمل، أي يخدمه، حتى أجلساه عند الكعبة وجلسا بين يديه يأخذان عنه.
إذن هذا الأوزاعي قصة كبيرة جدًا. الأوزاعي على فكرة، هو مدفون الآن في ضواحي بيروت في لبنان، والحمد لله لقد زرت ضريحه وقبره في العاصمة اللبنانية.
شيوخ الأوزاعي من التابعين وتلاميذه من كبار العلماء
الأوزاعي حدّث عن تابعين كثيرين: عن عطاء بن أبي رباح، وعن سيدنا الباقر، وعن عمرو بن شعيب، وعن الإمام مكحول، وعن نافع مولى ابن عمر، أي أنه رأى تابعين كثيرين جدًا.
وكذلك روى عنه أناس كثيرون مثل ابن شهاب الزهري، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وكثير من العلماء الكبار.
الأوزاعي جمع بين الحديث والفقه والاجتهاد وأفتى في سبعين ألف مسألة
وبالرغم من أن الأوزاعي كان ملتزمًا بالحديث، إلا أنه كان أيضًا عالمًا فقيهًا من الأئمة المجتهدين أصحاب الرأي. ويقول عنه ابن قتيبة أنه كان من أصحاب الرأي، وهذا أمر غريب؛ فهو يمتلك الحديث وكل شيء، لكنه أيضًا من أصحاب الرأي.
وكان مكثرًا من المسائل الفقهية حتى أفتى في حياته في سبعين ألف مسألة فقهية.
الأوزاعي إمام أهل الشام وبقاء مذهبه أكثر من مائتين وعشرين سنة
كان الأوزاعي بإجماع المؤرخين إمام أهل الشام، وهو مولود في بعلبك ومدفون في بيروت، فهذه المنطقة كلها كان اسمها الشام قبل هذا التقسيم الخاص بـسايكس بيكو.
فظل أهل الشام يعملون بمذهب الأوزاعي الفقهي أكثر من مائتين وعشرين سنة. انظر كيف! مائتان وعشرون سنة والناس كانت تقلّد شيئًا اسمه مذهب الأوزاعي.
نحن اليوم لدينا ثمانية مذاهب مشهورة: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والجعفرية، والزيدية، والظاهرية، والإباضية. الأوزاعي لم نعد نسمع عنه، لكن مائتين وعشرين سنة كان أهل الشام إذا سألت أحدهم: أنت تتبع أي مذهب؟ يقول: الأوزاعي. إلى أن غلب عليهم مذهب الشافعي.
كذلك مذهب الأوزاعي انتشر بشكل ما في الأندلس حتى غلب عليها المالكية.
منهج الأوزاعي في تقديم الحديث النبوي واعتماده الأحاديث المرسلة
كان الأوزاعي يقول: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، فإياك أن تقول بغيره، لأنه هو الحجة، المصطفى المختار، فإنه كان مبلّغًا عن الله سبحانه وتعالى.
وكان الأوزاعي يعتمد الأحاديث المرسلة. ومرسلة هذه ما معناها؟ أن التابعي يقول: قال رسول الله، وليس فيها ذكر الصحابي. لا بد أن يكون فيها صحابي لكنه سقط. فالشافعي له وجهة نظر في هذه المسألة [وهي عدم قبول المرسل]، لكن الأوزاعي كان يرى أنه لا بأس بذلك، لأن التابعين أولئك أناس عظام وأئمة وكذا إلى آخره.
رأي الأوزاعي في حق المرأة في الغنيمة إذا شاركت في الحرب
أقول لكم مثلًا بعض الخلافات البسيطة: مثل هل المرأة عندما تحضر الحرب تأخذ من الغنيمة أم لا تأخذ من الغنيمة؟ فكان الأوزاعي يرى أن المرأة تأخذ من الغنيمة.
هذه الأمور مفيدة جدًا في عرض الإسلام الآن، لأن الإمام الأوزاعي المجتهد، شيخ مالك والشيخ سفيان الثوري، وسابق عن الشافعي بكثير، يرى في هذا العصر [أن المرأة تأخذ نصيبها من الغنيمة]. كذلك الإمام الشافعي لا يرى هذا، إذ يقول: إن النساء لسن من أهل القتال، ولذلك لا يأخذن في السهم.
وعندما نجد اليوم السيدات يشتركن في القتال في بعض جيوش العالم، فإننا نرجع إلى كلام الأوزاعي.
حديث أم زياد في غزوة خيبر واستدلال الأوزاعي به على إسهام النساء
والأوزاعي استند إلى ماذا؟ استند إلى حديث عن أم زياد أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادس ست نسوة، كانت ست نساء. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا، فجئنا فرأينا فيه الغضب.
فقال [النبي ﷺ]: «مع من خرجتنّ وبإذن من خرجتنّ؟ أنتنّ متعيّنات في الجيش الآن وأنا ليس عندي خبر»
فقالت: يا رسول الله، خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، يعني سنعمل في الخدمات المساعدة.
فقال: قمن، طيب، لكن تعطوني خبرًا، فهذه قيادة الجيش لازم تعرف كل شيء. حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، وكان تمرًا، يعني كانت الغنيمة هنا تمرًا فأعطاه [لهنّ].
الأوزاعي قال لهم: ها هو سيدنا [رسول الله ﷺ] قد أعطى للسيدات أسهمًا مثل الرجال.
رد الشافعية على استدلال الأوزاعي بتضعيف الحديث وأهمية تقبل الخلاف الفقهي
طبعًا الشافعي عندما جاء بعد ذلك - حيث وُلد الشافعي سنة مائة وخمسين، ونحن هنا نتحدث عن الأوزاعي الذي وُلد سنة ثمانية وثمانين - فقالوا: لا، نحن غير مقتنعين بهذا الكلام، لأن هذا الحديث فيه ضعف، يعني ذهبوا ودخلوا للموضوع من مكان آخر.
لا بد أن نتحمل المخالف، لا بد علينا أن نتحمل الآخر، لا بد علينا أن نستمع بهدوء. القضية ليست قضية فسق ومحاولة بُعد عن الشريعة وتغيير أحكام الله، لا، القضية فيها نوع من أنواع الفهم الراقي، وهذا يعلّمنا أشياء كثيرة جدًا.
أدب الخلاف بين الأئمة الكبار وتقديرهم لبعضهم رغم اختلاف الآراء
انظر إلى سفيان، انظر إلى مالك، انظر إلى [كيف] يختلفون معنا ولكن مع أبي حنيفة ومع الشافعي ومع مالك وكل شيء، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنهم كان يحب بعضهم بعضًا، ويقدّرون الخلاف في النظر، ويعالجون الأمور بصورة فيها هدوء.
كراهية الأوزاعي للجدل العقيم ووعظه للخلفاء بالتقوى والتواضع
وكان الأوزاعي يكره الجدل الذي لا يترتب عليه شيء، ويقول: إذا أراد الله بقومٍ شرًا فتح عليهم باب الجدل وسدّ عنهم باب العمل.
فدائمًا كان الأوزاعي يعِظ الأئمة الكبار، فيعظ أبا جعفر المنصور [قائلًا]: عليك بتقوى الله وتواضع، يرفعك الله يوم يضع المتكبرين في الأرض.
رضي الله تعالى عنه، كانت له مؤلفات كثيرة.
وفاة الإمام الأوزاعي سنة مائة وسبع وخمسين والدعاء له والختام
ومات الأوزاعي رضي الله تعالى عنه في سنة مائة وسبعة وخمسين، يعني كان الشافعي عنده سبع سنين.
فاللهم ألحقنا به على الإيمان وانفعنا بعلمه في الدارين، آمين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
