الإمام أبو حنيفة النعمان | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •النعمان بن ثابت أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي، ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 150هـ، ودفن بالأعظمية في بغداد.
- •كان من أبناء فارس، متديناً ورعاً، يبيع الحرير ويأكل من عمل يده، وكان يصلي الفجر بوضوء العشاء لأربعين سنة.
- •اتجه لدراسة الفقه بعدما وجد فيه مجالاً للقياس، حتى قال عنه الشافعي: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة".
- •تميز بحسن الخلق وصدق المعاملة، وكان صموتاً إلا في مسائل الفقه فيتكلم بعلم.
- •رفض تولي القضاء حتى ضُرب بالسوط، ولم يتدخل في الصراعات السياسية.
- •اعتمد في منهجه على كتاب الله ثم السنة ثم أقوال الصحابة، واستخدم القياس بعمق.
- •أفتى في 83 ألف مسألة فقهية، وألف كتاب "العالم والمتعلم" و"الفقه الأكبر".
- •من أبرز تلاميذه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر بن الهذيل.
- •انتشر المذهب الحنفي حتى اعتنقه ثلاثة أرباع أهل السنة، خاصة في تركيا والهند وباكستان وأفغانستان.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين، نعيش فيها مع تاريخ التشريع الإسلامي من خلال تراجم المجتهدين العظام.
التعريف بالإمام أبي حنيفة النعمان ونسبه ومولده ووفاته
نعيش اليوم مع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. وأبو حنيفة هو النعمان بن ثابت بن زوطه التيمي، وهو من أبناء فارس، وقيل إنه من أبناء ملوك فارس.
وُلِدَ في سنة ثمانين من الهجرة النبوية، وتوفي في سنة مائة وخمسين من الهجرة، ودُفِنَ بمكان في بغداد يُسمى الآن بالأعظمية؛ وذلك أنه مدفون في ضريح الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
ورع الإمام أبي حنيفة وعبادته وأكله من عمل يده
كان [الإمام أبو حنيفة] ذكيًا ورعًا تقيًا، جلس أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء [أي يظل يتعبد طوال الليل حتى صلاة الفجر]. وكان يبيع الحرير وكان يأكل من عمل يده.
قصة أبي حنيفة مع معلم اللغة وانتقاله إلى تعلم الفقه
وقيل إنه ذهبت به أمه إلى التعليم في صغره، فذهب يتعلم اللغة والنحو وما إلى ذلك. فقال له المعلم: على ما تُجمع قَلْب؟ تَجْمَعُ على قُلُوب. قال له: طيب، وعلى ما تَجْمَعُ كَلْب؟ قال: قُلُوب، ما دام قَلْب يُصْبِحُ قُلُوب، يعني عندما نَجْعَلُها كَلْب تُصْبِحُ قُلُوب.
قالوا: لا، ليست هكذا، إنما هي كِلاب جَمْعُها. قال له: طيب، ولماذا؟ قال له: ليس لها سبب، ليس لنا شأن بذلك، هي قَلْب تُجْمَعُ على قُلُوب وكلب تُجمع على كلاب، لا تستطيع أن تقول قلوب مثلها جميلة، فهي قلوب.
فقال له أبو حنيفة: أليس في هذا قياس هذه على تلك؟ قال له: لا، هذا القياس يكون في الفقه.
انتقال أبي حنيفة من اللغة إلى الفقه وثناء الشافعي عليه
كان هناك بالطبع في المدينة ربيع الرأي، وكان هناك عندنا هنا [في العراق] ابن أبي ليلى. وهكذا كان هناك أناس كثيرون قالوا: لا حاجة له لهذه الحكاية الغريبة التي في اللغة التي ليس لها ضابط ولا رابط، أنا أريد أن أذهب لأتعلم ما فيه القياس.
فذهب [أبو حنيفة] إلى تعلم الفقه، فصار الإمام الأعظم. وكان الشافعي يقول: الإمام أبو حنيفة، الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
ورع أبي حنيفة وصدق معاملته وحسن خلقه مع الناس
كان أبو حنيفة إمامًا ورعًا لديه تقوى شديدة، وكان الإمام يبيع الحرير كما ذكرنا، وكان معروفًا بصدق المعاملة.
كان الإمام أبو حنيفة حسن الوجه، حسن المجلس، حسن المواساة لإخوانه.
شهادة عبد الله بن المبارك وسفيان الثوري في بُعد أبي حنيفة عن الغيبة
كان عبد الله بن المبارك يقول لسفيان الثوري: ما أبعد هذا الرجل عن الغيبة! ما سمعته يغتاب عدوًا له قط.
فقال سفيان [الثوري]: هو أعقل من أن يُسلط على حسناته ما يُذهبها. وعلى فكرة، لم يكن هناك علاقة ودية بين سفيان وأبي حنيفة، وكانت بينهما منازعات خفيفة؛ لأن أبا حنيفة أفتى بجواز الخروج على الخليفة الذي كان يحكمهم في ذلك الوقت، فخرج الشاب فقُتل.
وكان سفيان (أخو سفيان) غاضبًا منه بسبب ذلك، ولكنني أبعدت الولد بشدة. فكان هذا هو السبب أن سفيان قد تأثر قليلًا في مشاعره من أبي حنيفة، لكنه يقول: هو أعقل من أن يُسلط على حسناته ما يُذهبها.
شهادة تلميذه جعفر بن الربيع في طول صمته وغزارة علمه في الفقه
أبو حنيفة عاقل وأبو حنيفة عالم. قال عنه تلميذه جعفر بن الربيع: أقمت عند أبي حنيفة خمس سنوات، خمس سنوات ملازمًا لأبي حنيفة، فما رأيت أطول منه صمتًا. انظر، لأنه عالم فكان صموتًا، يعني عنده صمت.
أما إسهال الكلام الذي عند بعض الإخوة فهذا عجيب غريب. فإذا سُئل عن الفقه تفتح وسال مثل الوادي، جاء في المكان الذي فيه الكلام عبادة، والكلام علم، والكلام يُرضي الله، وسمعت له دويًا وجهرًا في الكلام.
إمامة أبي حنيفة في القياس ورفضه تولي القضاء
[كان أبو حنيفة] إمامًا في القياس عميقًا في فهمه للقياس، وبالرغم من ذلك العلم الشديد، إلا أنه كان يرفض القضاء.
وعاصر أبو حنيفة تحوّل الخلافة سنة مائة واثنين وثلاثين من الأمويين إلى العباسيين. فلما بويع لأبي العباس السفاح، أراد يزيد بن هبيرة والي العراق من قِبَل مروان بن محمد أن يختبر أبا حنيفة؛ لأنه ذو مكانة كبيرة لبني أمية، هل هو معهم أم مع العباسيين؟
فعرض عليه القضاء فأبى؛ لأن أبا حنيفة كان يترفع عن تولي القضاء. وامتنع حتى ضربه بالسوط، أيضًا لم يوافق أبو حنيفة ولم يهتم بهذا التهديد ولا هذا الضغط ولا غير ذلك، ولم يُقحم نفسه في هذا المعترك الحزبي، إن صح التعبير.
اجتهاد أبي حنيفة في طلب الحديث وتشبيهه طالب الحديث بالصيدلاني
اجتهد أبو حنيفة جدًا في طلب الحديث، وكان يقول:
مثل من يطلب الحديث ولا يتفقه كمثل الصيدلاني الذي يجمع الأدوية ولا يدري لأي داء هي حتى يجيء الطبيب فيداوي.
فطالب الحديث الذي لا يعرف وجه حديثه لا يعرف ذلك حتى يجيء الفقيه.
منهج أبي حنيفة في الاستدلال من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة
وهو نفسه [أبو حنيفة] اعتمد كتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يأخذ بقول الصحابة.
فإن جاء من بعدهم [من] التابعين فكان يقول: هم رجال ونحن رجال. إنما لم يقل هذا إلا بعد ما تعلم وبعد ما أدرك كل هذا.
اهتمام أبي حنيفة بالأدب وتأليفه رسالة العالم والمتعلم والفقه الأكبر
كان [أبو حنيفة] دائمًا ملتفتًا إلى الأدب؛ لأن العلم من غير أدب لا قيمة له في الحقيقة وهو معلومات. ولذلك ألَّف رسالة سمَّاها العالم والمتعلَّم، وضَّح فيها ما الذي يجب على المتعلم فعله وما الذي يجب عليه أن يتركه أو يبتعد عنه.
وأيضًا ألَّف كتابًا أسماه الفقه الأكبر في التوحيد وفي مسائل التوحيد.
غزارة فتاوى أبي حنيفة وبلوغها عشرات الآلاف من المسائل الفقهية
لكن في الحقيقة تكلَّم [أبو حنيفة] في الفقه والفتاوى إلى آخره كلام واسع، حتى أفتى في ثلاثة وثمانين ألف مسألة فقهية.
وقيل إنه يعني صوَّر تصويرات شديدة وصلت إلى نصف مليون مسألة في التصوير [أي التفريعات الفقهية].
أهم أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف وزفر ومحمد بن الحسن الشيباني
أهم أصحابه الذين تلقوا عنه وكان لهم دور كبير في المذهب:
-
أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الذي ولد سنة مائة واثني عشر، يعني أصغر من أبي حنيفة باثنتين وثلاثين سنة، وتوفي سنة مائة وثلاثة وثمانين.
-
أيضًا الإمام زفر بن الهذيل، هو ولد سنة مائة وعشرة، والمتوفى سنة مائة وثمانية وخمسين.
-
محمد بن الحسن الشيباني، ولد سنة مائة واثنتين وثلاثين، وتوفي سنة مائة وتسعة وثمانين. ولذلك هو أدرك أبا حنيفة صحيح، لكنه كان أصغر من أبو يوسف في الفقه [الحنفي].
مراتب الفقه الحنفي الثلاث: مسائل الأصول وظاهر الرواية
الفقه الحنفي، فقه واسع جدًا، نُقل إلينا بدقة على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى تسمى مسائل الأصول، بعض الناس يسمونها ظاهر الرواية، وهي التي رُويت عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن.
هذه المسائل جمعها محمد بن الحسن في ستة كتب:
- •المبسوط
- •الزيادات
- •الجامع الصغير
- •الجامع الكبير
- •السير الصغير
- •السير الكبير
يعني كتاب السير الصغير وكتاب الصغير وكتاب الكبير، وسُمِّيَت هذه الستة بظاهر الرواية.
المرتبة الثانية مسائل النوادر وكتبها في المذهب الحنفي
أما المرتبة الثانية فتسمى مسائل النوادر، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب لكن ليست في الكتب الستة المعتمدة.
وردت إما في كتب أخرى لمحمد بن الحسن مثل الكيسانيات والهارونيات والجرجانيات، وإما في كتب غير [كتب محمد بن الحسن]؛ كَتَبَ محمدُ بنُ الحسنِ كِتابَ المُجَرَّدِ لابنِ زيادٍ، وكتابَ الأماليِ المَرْوِيَّةِ عن أبي يوسف، وهكذا.
المرتبة الثالثة الفتاوى والنوازل التي استنبطها المجتهدون المتأخرون
والثالثة الفتاوى، أيْ إنَّه في الأصولِ وفيه النوادرُ وفيه الفتاوى. وتُسمَّى النوازلُ وتُسمَّى الواقعاتُ، وهي التي استنبطها المجتهدون المتأخرون من أتباعِ المذهبِ، مثلُ أصحابِ أبي يوسفَ ومثلُ أصحابِ محمد بن الحسن الشيباني.
مِن ضمنِ الأصحاب محمد بن الحسن الشيباني، كان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: إن هذا مذهب عميق ومذهب واسع.
وفاة أبي حنيفة وضريحه في الأعظمية وانتشار المذهب الحنفي في العالم
ظل أبو حنيفة في عطائه إلى وفاته سنة مائة وخمسين، ودُفن في ضريحه في منطقة الأعظمية، وبُنِيَ حوله مسجد، هذا المسجد موجود إلى الآن في بغداد. كانت هناك مدرسة سُميت بعد ذلك بالمدرسة الأعظمية، كانت هناك بعد ذلك جامعة سُمِّيت بالجامعة الأعظمية.
ثلاثة أرباع أهل السنة من الأحناف: الأتراك والهنود والباكستانيون والأفغان، كل هؤلاء كانوا حنفية، بالرغم من أنه أيضًا انتشر في مصر وانتشر في أماكن كثيرة.
الإشارة إلى كتاب أحمد باشا تيمور عن انتشار المذاهب الفقهية والختام
يتحدث لنا في كلام ماتع أحمد باشا تيمور في المذاهب الفقهية الأربعة وكيف انتشرت جغرافيًا في بكتابه الماتع هذا.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
