الإمام ابن أبي ليلي | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

الإمام ابن أبي ليلي | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري قاضي الكوفة وفقيهها، ولد سنة 74هـ، من أتباع التابعين، وكان أبوه من العلماء.
  • أخذ العلم عن الشعبي ونافع العمري وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وروى عنه شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري.
  • تولى قضاء الكوفة ثلاثاً وثلاثين سنة، وكان فقيهاً محدثاً وقارئاً للقرآن.
  • كان من مدرسة الرأي قبل أبي حنيفة، وكان شيخاً له ولأبي يوسف.
  • جمع القاضي أبو يوسف فقه ابن أبي ليلى في كتاب، كما روى الإمام الشافعي مسائله في كتابه الأم.
  • له آراء اجتهادية مستقلة، كما ظهر في قصة المرأة المجنونة التي أقام عليها الحد.
  • كان يختلف مع أبي حنيفة في كثير من المسائل، مثل قضية البيع بشرط، حيث ذهب ابن أبي ليلى إلى أن البيع جائز والشرط باطل.
  • توفي عام 148هـ.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بالإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع الإسلامي من خلال تراجم علمائه الأفاضل أهل الذكر المجتهدين.

واليوم نعيش هذه الدقائق مع واحد من كبار أتباع التابعين، وهو الإمام ابن أبي ليلى. هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قاضي الكوفة وفقيهها، وُلِدَ في سنة أربع وسبعين من الهجرة، أي في القرن الأول.

نسب ابن أبي ليلى وشيوخه الذين تلقى عنهم العلم

وكان أبوه عبد الرحمن قد وُلِدَ في خلافة عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، من التابعين عبد الرحمن، أما ابنه محمد بن أبي ليلى فهو من أتباع التابعين. أبوه كان من العلماء أيضًا وروى عن جمعٍ من الصحابة، وأخذ الفقه على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، لكنه توفي ومحمد كان صغيرًا، فلم يتلقَّ عن أبيه، وإنما أخذ عن أخيه عيسى.

تلقى العلم أيضًا عن الشعبي ونافع العمري وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وجملة من العلماء الكبار في هذا العصر.

تلاميذ ابن أبي ليلى من كبار المحدثين والقراء

في هذا العصر حدَّث عنه أيضًا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان بن عيينة المجتهد الكبير، وسفيان الثوري المجتهد الكبير صاحب المذهب، وقيس بن الربيع.

حمزة الزيات وهو صاحب القراءة، أحد القراءات المتواترة، قرأ عليه حمزة، فكان يقول: إننا تعلمنا جودة القراءة عند ابن أبي ليلى، بالرغم أن ابن أبي ليلى فقيه ولم يكن مقرئًا، ولكن شخص بمقام ومكانة حمزة الزيات، حمزة الزيات يقول عنه هذا الكلام أنه ما تعلم القراءة إلا من ابن أبي ليلى، فكانت كل العلوم، أي سويًا مع بعضها البعض.

تولي ابن أبي ليلى القضاء وثناء أبي يوسف عليه

أول من استقضى ابن أبي ليلى على الكوفة الأمير يوسف بن عمر الثقفي عامل بني أمية في هذه المنطقة. كان القاضي أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة يقول: ما ولي القضاء أحد أفقه في دين الله، ولا أقرأ لكتاب الله، ولا أقول حقًا بالله، ولا أعف عن الأموال من ابن أبي ليلى.

طبعًا نعرف أن أبا يوسف القاضي تولى القضاء، ولذلك فهو خبير وعالم بمن الذي يكون في هذه القامة والمقام.

مدة قضاء ابن أبي ليلى ومكانته العلمية في الحديث والقراءة

ولي [ابن أبي ليلى] قضاء الكوفة للخليفة أبي جعفر المنصور، واستمر ابن أبي ليلى قاضيًا ثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأنه تولى القضاء سنة مائة وخمسة عشر وهو في نحو الأربعين من عمره.

لم يكن ابن أبي ليلى فقيهًا فقط، بل كان أيضًا محدثًا. قال الإمام العجلي: كان فقيهًا صاحب سنة، صدوقًا، جائز الحديث، يعني كان يروي الحديث. وكان قارئًا للقرآن كما قال حمزة، عالمًا به، قرأ عليه حمزة الزيات، فكان يقول: إنا تعلمنا جودة القراءة عند ابن أبي ليلى.

انتماء ابن أبي ليلى لمدرسة الرأي وعلاقته بأبي حنيفة

كان ابن أبي ليلى من مدرسة الرأي قبل الإمام أبي حنيفة. أبو حنيفة هو شيخ أهل الرأي، لكن ابن أبي ليلى كان أيضًا صاحب رأي، بل كان شيخًا لأبي حنيفة وأبي يوسف، أي أن أبا حنيفة درس عنده أو أخذ عنه.

وكان بينه وبين أبي حنيفة مواقف ومشاحنات كما يحدث بين الأستاذ والتلميذ؛ لأن الأستاذ وهو يتحدث مع تلميذه في بعض الأحيان يكون التلميذ أعلى وأرفع من الأستاذ. ومن أشهر ما رُوي في هذا، وهذا يُبيّن لنا أن هؤلاء الناس لا يعرفون في الحق لومًا، وأيضًا يتبعون الحق أينما كان، ولا يغرنهم أن هذا كان شيخه أو كذا إلى آخره، مع مزيد الاحترام.

فتوى ابن أبي ليلى بإقامة الحد على المرأة المجنونة وتفاصيل القضية

ابن أبي ليلى أفتى بأن يُقام حد على امرأة مجنونة، أفتى بأن يُقام حدان في مجلس واحد في المسجد. امرأة مجنونة أخطأت أو يعني فعلت ذنبًا، فأقام عليها حدين وفي مجلس واحد وضربها في المسجد.

كانت جريمة هذه المرأة أنها شتمت وقذفت والدي رجل كان ما يزال على قيد الحياة، يعني الرجل أمامها، فذهبت تسب أباه وتسب أمه، وهي مجنونة مسكينة. فابن أبي ليلى أقام أولًا حدين، ثانيًا في المسجد، ثالثًا على هذه المرأة، رابعًا لأنها قذفت وسبت شخصين على قيد الحياة، والرجل [الابن] ذهب فاشتكى عند القاضي ابن أبي ليلى.

نقد أبي حنيفة لفتوى ابن أبي ليلى وبيان مواضع الخطأ فيها

هذا الكلام لم يُعجب سيدنا أبا حنيفة، فقال: أخطأ في مواضع. انظر لماذا صار لأبي حنيفة مذهب، ولماذا أصبح أبو حنيفة إمامًا؟ لأنه كان ذكيًا جدًا، والناس عيال في الفقه مقارنةً بأبي حنيفة؛ لأن عقله كان يعمل وحادًا في هذا المجال.

فقال: أخطأ في مواضع. الله، أخطأ في ماذا إذن؟ أأقام عليها حدًا لأبوي [الرجل] وهما على قيد الحياة؟ وهما الخاص [بالدعوى]، الرجل هذا ليس خاصًا، الذي قدم الدعوى ليس له صفة [شرعية في رفعها]. حسنًا، وهذا يختلف في ماذا؟ عندما يأتي أبوه وأمه عند القاضي ليعفوا ويصفحوا عن هذا ويقولوا: لا، نحن متنازلون، لكن كون أن ابنهم هو الذي يرفع الدعوى وتقبلها حضرة القاضي، هذه هي الغلطة رقم اثنين.

بقية مواضع الخطأ في فتوى ابن أبي ليلى حول إقامة الحدين والقذف

أقام حدين في مكان واحد، ولكن الشريعة تقول إننا كنا نقيم حدًا اليوم، وبعد ذلك غدًا نقيم حدًا آخر، فلا بد أن نفصل بين الحدين.

رقم ثلاثة: أقام حدين، والقاذف لو قذف قومًا كثيرين فعليه حد واحد. افترض أن شخصًا وقف وشتم ناسًا كثيرين، مئة شخص، فيكون قد قذفهم جميعًا، فهل نحسب مئة ونقيم عليه مئة حد؟ أم نقيم عليه بسبب قلة أدبه وقذفه حدًا واحدًا؟

أخطاء إقامة الحد على المرأة واقفة وهي مجنونة وفي المسجد

أما النقطة الرابعة، فإن الحد يُقام عليها وهي واقفة، أي أن المرأة تكون واقفة هكذا. لا، كان يجب أن تستلقي حتى يُطبق عليه [أي على الرجل] الحد وهو واقف، لكن المرأة تُجلد وهي مستلقية.

النقطة الخامسة أنه أقام الحد عليها وهي مجنونة، وأصلًا ليست مكلفة شرعًا، وكان ينبغي أن يعفو عنها.

النقطة السادسة أنه ضربها في المسجد، والحدود لا تُقام في المساجد.

وجهة نظر ابن أبي ليلى في الرد على اعتراضات أبي حنيفة

فانظر إلى كيفية نظر العلماء المجتهدين، فابن أبي ليلى له وجهة نظر، الإمام [أبو حنيفة] بن أبي حنيفة له وجهة أخرى.

وجهة نظر ابن أبي ليلى أن الجنون غير ثابت عنده؛ لأن الجنون هو عدم إدراك الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهذه السيدة مدركة.

النقطة الثانية أنه يرى أن هذا الابن وكيل عن أبويه، يعني هم الذين دفعوه إلى ذلك، فلعله ثبت عنده الوكالة.

رقم ثلاثة أنه رأى أن الحدّين يمكن فصلهما فصلًا بسيطًا وليس فصلًا كبيرًا بينهما، لكن قد لا يراه [مقنعًا]؛ لأن هذا حديث واضح أنه لا تُقام الحدود في المساجد. ولذلك في قضية أنْ، وأيضًا قضية أنها ضُربت واقفة، لا نعرف علة ذلك. وهكذا كانت تجري وجهات النظر المختلفة ما بين المدارس المختلفة.

مكانة فقه ابن أبي ليلى ومؤلفاته وجمع أبي يوسف لمسائله

ولذلك اهتم الناس كثيرًا بفقه ابن أبي ليلى وكان له مكانة، حتى أن ابن النديم في الفهرس يذكر أنه ألف كتابًا في الميراث ولكن فُقِد. يقول ابن النديم: أنا لم أره.

وقد جمع فقه ابن أبي ليلى القاضي أبو يوسف، إذ كان أبو يوسف معجبًا جدًا بابن أبي ليلى، لكنه يقلد ويتتلمذ على أبي حنيفة. فجمع مسائل ابن أبي ليلى التي اختلف فيها رأي أستاذه أبي حنيفة معه، يعني أن أبا حنيفة وابن أبي ليلى اختلفا، فذهب محمد [بن الحسن] وجمع، أبو يوسف هذه الأشياء.

رواية الشافعي والسرخسي لمسائل ابن أبي ليلى وقصة كتاب المبسوط

أيضًا من تلمذة محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، الشافعي في كتابه الأم يَروي عن محمد بن الحسن مثل هذه المسائل التي اختلف فيها ابن أبي ليلى مع أبي حنيفة، وعلّق على كل مسألة برأيه الخاص. فمن الممكن في بعض المسائل أن نجد ثلاثة أقوال: قول ابن أبي ليلى، وقول أبي حنيفة، وقول الإمام الشافعي.

وقد روى هذه المسائل أيضًا الإمام السرخسي في كتابه الماتع الكبير المبسوط. أتتصورون أن كتاب المبسوط هذا المكوّن من ثلاثين جزءًا أملاها السرخسي من ذاكرته وهو محبوس في بئر؟ حبسه الوالي أو الحاكم، فكان تلاميذه يأتون إلى أعلى البئر ويملي عليهم، فكل الأجزاء الثلاثين هذه أو أغلبها - لأنه في موضع ما فرّج الله عنه - هي من إملاء الإمام السرخسي.

مصادر فقه ابن أبي ليلى في كتب التراث الإسلامي ومنهجه في الاجتهاد

وكذلك آراء ابن أبي ليلى وغيره من الأئمة نجدها أنها موجودة في كتب مثل كتاب المغني لابن قدامة، مثل كتاب المحلى لابن حزم، نجدها في بداية المجتهد لابن رشد، ونجدها أيضًا مروية في مصنف عبد الرزاق، ومروية في مصنف ابن أبي شيبة، وهكذا.

ابن أبي ليلى الحقيقة أنه كان صاحب منهج في الاجتهاد.

قصة الشاطبي عن اختلاف الأئمة الثلاثة في مكة وتقديرهم لبعضهم

والإمام الشاطبي في كتاب الموافقات يروي قصة تكشف تميز منهج كل إمام في الاجتهاد، وكيف كان الأئمة يختلفون، وكيف كانوا يحبون بعضهم بعضًا، ويستمع بعضهم لبعض.

يروي عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: وجدت في كتاب جدي القصة الآتية: قدمت مكة فأصبت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة. ابن شبرمة هذا من العلماء المجتهدين الكبار الذين في الساعات ونحن ندرس أحوال الشركات والأموال والبنوك وما إلى ذلك، نرجع إلى رأي ابن شبرمة هذا. لماذا؟ لأنه كان مجتهدًا وكان مع هذه الفرقة من أصحاب الرأي: أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة.

مسألة البيع بشرط واختلاف الأئمة الثلاثة فيها على ثلاثة أقوال

كانوا في مكة، فأتيت أبا حنيفة فقلت له: ما تقول في رجل باع بيعًا واشترط شرطين؟ يعني قال له: خذ، أنا سأبيعك هذه الثلاجة بشرط أن أستخدمها لمدة سنة. قال [أبو حنيفة]: البيع باطل والشرط باطل.

فأتيت ابن أبي ليلى فقال: البيع جائز والشرط باطل. وأتيت ابن شبرمة فقال: البيع جائز والشرط جائز.

يبقى عندنا ثلاثة مذاهب في مسألة واحدة. فقلت سبحان الله، ثلاثة من فقهاء الكوفة يختلفون علينا في مسألة، فماذا يفعلون في غيرها؟ لا، هذه سعة.

استدلال أبي حنيفة بحديث النهي عن بيع وشرط في تبطيل البيع

فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بقولهما، فقال: لا أدري ما قالا، أنا لا أعرف. ما أتيت به إنما هو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:

أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع وشرط»

وهذا حديث بعد ذلك رواه الطبراني في معجمه الأوسط. فلما استوعب أبو حنيفة هذا النهي من رسول الله ﷺ، فهم منه أن البيع باطل والشرط باطل.

استدلال ابن أبي ليلى بحديث بريرة في إجازة البيع وإبطال الشرط

فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بقولهما، فقال: لا أدري ما قال، أنا لست مستغربًا من هؤلاء الناس. حدثنا هشام بن عروة عن أبيه [عروة بن الزبير] عن عائشة [رضي الله عنها]، يعني أن النبي ﷺ قال:

«اشتري بريرة واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق»

بريرة هذه كانت أَمَة، وأرادت عائشة [رضي الله عنها] أن تشتريها من أجل أن تعتقها. كان أهلها يقولون: لن نبيعها لك إلا مع شرط الولاء. فأجاز [النبي ﷺ] البيع وأبطل الشرط.

استدلال ابن شبرمة بحديث جابر في إجازة البيع والشرط معاً

فأتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال: لا أدري. عن جابر بن عبد الله [رضي الله عنهما] قال:

«اشترى مني رسول الله ﷺ ناقة فشرطت عليه أن يحملني»

يعني أنها تحملني، فأجاز [النبي ﷺ] البيع والشرط.

هكذا كان الأئمة يختلفون، وهكذا جاءت نصوص الشريعة واسعة حتى تفي بالغرض.

وفاة الإمام ابن أبي ليلى والختام

وتوفي ابن أبي ليلى عام مائة وثمانية وأربعين، فرحمه الله.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.