سفيان الثوري | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة - تاريخ التشريع الإسلامي, شخصيات إسلامية

سفيان الثوري | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • الإمام سفيان بن سعيد الثوري ولد سنة 97 هجرية في بيت علم، حيث كان والده من أصحاب الإمام الشعبي وخيثمة بن عبد الرحمن.
  • طلب العلم صغيراً وتتلمذ على ستمائة شيخ من كبار التابعين، وبلغ عدد تلاميذه عشرين ألفاً، لكن الإمام الذهبي يرى أن هذا العدد يشمل من حضر مجالسه ولم يتخرج عليه بالضرورة.
  • لُقب بأمير المؤمنين في الحديث، وشهد له الأكابر كشعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن معين.
  • كان إماماً في الفقه وله مذهب معتمد استمر حتى نهاية القرن الخامس الهجري، ثم انقطع واستقرت المذاهب الأربعة.
  • من منهجه عدم تخصيص عموم النص بقياس عقلي، مثل فتواه بمساواة بول الغلام والجارية في الحكم.
  • اجتهد في الفتاوى، كرأيه في دية عين الأعور أنها خمسون، موافقاً الشافعي وأبا حنيفة، بينما خالفهم مالك والليث فجعلوها مائة.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بالإمام سفيان الثوري من أتباع التابعين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع.

ندرس اليوم حال إمام كبير من أئمة أتباع التابعين ومن كبارهم، هو الإمام سفيان بن سعيد الثوري. كان محدِّثًا وفقيهًا، وكان زاهدًا، وكان معاصرًا لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه.

مولد الإمام سفيان الثوري ونشأته في بيت علم وتلقيه عن أبيه

وُلد الإمام سفيان الثوري سنة سبع وتسعين من الهجرة، أي قبل تمام المائة بثلاث سنوات. وُلد في بيت علم؛ كان أبوه من أصحاب الإمام الشعبي ودرس عليه، ومن أصحاب رجل آخر من كبار العلماء اسمه خيثمة بن عبد الرحمن.

فالشعبي وخيثمة درس سعيد بن مسروق أبو سفيان عليهما. كان سعيد من أكابر أهل الكوفة. أما سفيان فقد طلب العلم وهو صغير بعناية والده؛ لأن والده كان محدِّثًا وكان تلميذ الأكابر: الشعبي وخيثمة وغيرهم إلى آخره.

أساليب طلب العلم بين تعدد الشيوخ والملازمة الطويلة لشيخ واحد

يُقال إن سعيدًا هذا [والد سفيان الثوري] كان تلميذًا على يد ستمائة شيخ. كانت هناك أساليب مختلفة للعلم؛ من ضمنها تعدد الشيوخ بشدة، ومن ضمنها الملازمة.

أحيانًا يجلس أحدهم مع الآخر عشرين سنة يتعلم على يديه، كما حدث مع أبي يوسف مع أبي حنيفة، كما حدث مع محمد بن الحسن مع أبي حنيفة، كما حدث مع وهكذا تخرَّج به. ومنهم من كان يعدد الشيوخ لكن عشرين شيخًا كذا، ومنهم من كان يُكثر جدًّا، منهم سفيان الثوري حيث إنه تتلمذ على ستمائة شيخ.

شيوخ سفيان الثوري من كبار التابعين وقراءته القرآن على حمزة الزيات

وكبارهم [أي شيوخ سفيان الثوري] من التابعين حدَّثوا عن أبي هريرة، وعن جرير بن عبد الله، وعن ابن عباس، وعن الناس الكبار. هؤلاء أدرك سيدنا [سفيان الثوري] حمزة الزيات.

حمزة هذا صاحب قراءة اشتُهرت به، قراءة حمزة من القراءات العشر المتواترة، فقرأ عليه القرآن أربع مرات لكي يُتقن هذا [العلم].

عدد تلاميذ سفيان الثوري وتعليق الإمام الذهبي على ذلك العدد الكبير

فأيضًا الواحد عندما يكون له ستمائة شيخ كثير، ستمائة شيخ، هؤلاء يكون له أيضًا تلاميذ كثيرون. ذكر منهم أبو الفرج بن الجوزي أنهم كانوا أكثر من عشرين ألفًا. هذه كانت مدرسة كبيرة؛ تلاميذ سفيان الثوري وصل عددهم إلى عشرين ألفًا، يعني هذا جامعة لوحده.

وكان الإمام الذهبي يقول: وهذا يعني الرقم عشرين ألفًا الواحد يستغربه ويستبعده، فإن بلغوا ألفًا فيعني يا بالكاد يكون للمرء ألف تلميذ، لكن عشرون ألفًا.

توضيح معنى التلمذة الحقيقية والفرق بين الحضور والتخرج على يد العالم

هو في الحقيقة أنه يمكن الجمع بأنه كان يحضر له [أي يحضر مجلسه]، فالأصل أن هذا التلميذ ليس بالضرورة أن يكون قد تخرَّج عندي، لكن من الممكن أن يحضر له. فمن الممكن أن يحضر لي في خطبة الجمعة أربعة آلاف، فيقولون عنهم إنهم تلاميذ، لكنهم ليسوا تلامذة أو شيء من هذا القبيل، فهو حضر واستمع إلى خطبة الجمعة ثم انصرف.

إذن هذه الأعداد الضخمة ليس معناها أن من يستمع إليَّ الآن مثلًا من الطيبين أمثالكم هم تلاميذي، لا، ليس الأمر كذلك. التلميذ لابد أن يدرس، ولابد أن يتعلم العلوم المساعدة، ولابد أن يتخرَّج ويُمتحن وما إلى ذلك. ولذلك الذهبي لم يُعجبه فكرة أننا نَعُدّ كل مَن سمع سفيان الثوري نعدّه من أولئك [التلاميذ]، وهذا مرفوض ومحظور.

لقب أمير المؤمنين في الحديث وشهادة الأكابر لسفيان الثوري

سفيان الثوري في الحقيقة كان يُسمى بأمير المؤمنين في الحديث، وهذه العبارة أُطلقت على قليل من علماء الإسلام؛ أُطلقت على الإمام البخاري مثلًا، ولكن وأُطلقت على سفيان الثوري، وعلى الشعبي، وعلى شعبة، وعلى [سفيان] بن عيينة. كانت كلمة أمير المؤمنين في الحديث لها مكانتها.

سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث بشهادة الأكابر؛ شهد له شعبة، وشهد له سفيان بن عيينة، وشهد له يحيى بن معين تلميذ أحمد بن حنبل إلى آخره.

مذهب سفيان الثوري الفقهي واستمراره حتى رأس المائة الخامسة

كان الثوري بالرغم من أنه كان إمامًا في الحديث، إلا أنه أيضًا كان إمامًا في الفقه، وله مذهب معتمد معتبر له أصوله. والناس اتبعت سفيان الثوري، فتقول له: ما مذهبك؟ فيقول لك: أنا ثوري.

حتى رأس المائة الخامسة، ثم انقطع وشاعت المذاهب الأربعة واستقرت. انظر كيف كانت العملية صعبة جدًّا، مسألة له مذهب، وهذا المذهب يستمر مئات السنين.

أهمية خدمة التلاميذ للمذهب وقول الشافعي في الليث بن سعد ومالك

المذاهب خُدمت: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وكذلك الثمانية الآخرين معهم. مذاهب الثوري والليث بن سعد والأوزاعي خُدمت قليلًا، ثم بعد ذلك تراخى الناس عنها.

ولذلك عندما دخل الشافعي مصر قال في الليث بن سعد: كان أعلم من مالك، ومالك هذا أستاذ الشافعي وكان يعزّه كثيرًا. قال: كان أعلم من مالك إلا أن أصحابه ضيَّعوه، فالتلاميذ لم يقوموا بواجب حفظ المذهب وخدمته.

لكن في الشافعي لا، الشافعي رأينا في القرن الخامس أمثال البيهقي وهو يأتي بكل كلمة قالها الشافعي ويأتي بالأدلة لها، ويُنشئ كتابه الماتع الكبير السنن الكبرى.

اجتهاد سفيان الثوري في مسألة غسل بول الغلام والجارية وموقفه من الحديث

كان الثوري يجتهد في الفتوى، وكان له منهج في قبول الأخبار المنسوبة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رفضها. كان الثوري يُفتي مثلًا بغسل بول الغلام كما يُغسل بول الجارية.

لدينا في مسألة في الفقه تقول ماذا؟ تقول أن بول الغلام يُنضح ما لم يَطعم، يعني عندما يكون طفل صغير هذا الطفل لديه أقل من شهرين أو ثلاثة أشهر، ولم يتناول الطعام بعد، وإنما يرضع فقط، سواء كان طفلًا أو طفلة.

فإذا كانت طفلة فنغسل المكان الذي تبوَّلت فيه، لكن إذا كان ذكرًا فنرشّه بالماء فقط. ما الفرق بين الولد والبنت في هذا الأمر يعني؟ لو تحدثنا عن البول هنا والبول هنا وحلَّلناه سنجد فرقًا، أيّ فرقٍ يستدعي هذا [التفريق].

موقف سفيان الثوري من التفريق بين بول الغلام والجارية واستدلال الجمهور بحديث أم قيس

فهو الإمام سفيان الثوري قال: لا، الذكر والأنثى كسائر واحد في سائر الأحكام، هذا حكم يتعلق بالنجاسة فيُغسل.

في حين قال جمهور العلماء بالتفرقة. لماذا؟ لأنه ورد في هذا حديث أم قيس:

أنها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسته على حِجر رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فبال على ثوبه الشريف، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.

فاستنبط الأئمة من ذلك أن بول الغلام يُنضح وأن الفتاة [تُغسل]. قال [سفيان الثوري]: لا، أنا أرى أن هذا الكلام ضعيف ولا يترجَّح عندي، ورفضه ورفض نسبته حتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

منهج سفيان الثوري في الأخذ بعموم النص وعدم تخصيصه بالقياس العقلي

الثوري إمامًا له اجتهاد في الشريعة. كان الثوري يأخذ بعموم النص المؤيَّد بقياس ولا يخصص هذا العموم بقياس عقلي.

مثل ما رواه النسائي عن عمرو بن حزم:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات.

وفي هذا الكتاب ذُكر: وفي العين الواحدة نصف الدية. تكون إذا عندما يعتدي شخص على عين شخص آخر فإنه سيدفع خمسين جملًا؛ لأن الدية كاملة مائة جمل، وهذا أتلف عيني.

الخلاف بين العلماء في دية عين الأعور بين عموم النص والقياس العقلي

قال له: حسنًا، وماذا عن الأعور؟ الأعور هو شخص لديه عين واحدة فقط، وهذا [المعتدي] جاء وأتلفها له فأصبح كفيفًا ضريرًا، أصبح أعمى.

حسنًا، ماذا نعطيه الآن؟ هل نعطيه خمسين؟ اتفاقًا، يعني ذهب الثوري وأبو حنيفة والشافعي إلى أنهم يعطونه خمسين؛ لأنه يقول لك: العين فيها خمسون، حسنًا ما هي إلا عين.

لكن مالك والليث بن سعد قالوا: كيف؟ يعني هذه ضيَّعت نصف نظره فأعطيناه خمسين، لكن في الأعور ضيَّع نظره كله، وما دام ضيَّع نظره كله فيجب أن يأخذ مائة.

طريقة الخلاف الفقهي حول تخصيص النص بالقياس العقلي وموقف كل إمام

فهنا لم يخصص [سفيان الثوري] النص. يقول إن العين فيها خمسون، لكن جاء مالك وقال: لا، إلا الأعور؛ لأن معنى العين فيها خمسون أن نصف البصر فيه خمسون، وصاحبنا هذا ضيَّع البصر كله، فيجب عليه مائة.

فانظر إلى طريقة الخلاف: هل القياس العقلي يخصص أم لا يخصص؟ فسفيان يقول لا يخصص، ومالك يقول يخصص. سفيان وقف معه الشافعي وأبو حنيفة، ومالك وقف معه الليث بن سعد.

الفرق بين النص وفهم النص وخطورة تضييق الدين بفرض رأي واحد

هكذا نشأ الفقه الإسلامي. وهناك فرق بين النص وبين فهم النص، وفهم النص واسع.

ضيَّقه علينا الشباب الذين ظهروا هذه الأيام، ضيَّقوا علينا الدين من هذا المنحى؛ لأن كل واحد يفرض على الآخرين ولا يقبل المخالفة.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.