أحمد بن حنبل | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •ولد الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني في بغداد سنة 164 هجرية، في نفس السنة التي توفي فيها سفيان الثوري.
- •نشأ في بغداد عاصمة الدولة الإسلامية في عصرها الذهبي، وعاصر ثمانية من الخلفاء العباسيين.
- •بدأ طلب العلم المنظم في سن الخامسة عشرة، وأول شيوخه الإمام أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة.
- •اشتهر بطلب الحديث في الحضر والسفر، وحج خمس مرات منها ثلاث ماشياً.
- •تتلمذ على يد كبار العلماء كسفيان بن عيينة والشافعي، وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود.
- •اشتهر بالحديث أكثر من الفقه، ودوّن الأحاديث في مسنده الكبير.
- •اتسم منهجه بالأخذ بالقرآن ثم السنة ثم فتاوى الصحابة ثم القياس.
- •تميز فقهه بالتشدد في العبادات والمرونة في المعاملات.
- •كان يحترم الخلاف في الرأي ولا يحمل الناس على مذهب واحد.
- •توفي سنة 241 هجرية بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين مع تراجم الأئمة المجتهدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع تاريخ التشريع من خلال تراجم الأئمة الأعلام المجتهدين عبر التاريخ.
ذكرنا ترجمة للإمام أبي حنيفة وللإمام مالك وللإمام الشافعي، واليوم نعيش مع الإمام الورع تمام الأربعة: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
مولد الإمام أحمد بن حنبل في بغداد ونشأته في عاصمة الدولة الإسلامية
وكان مولده رضي الله تعالى عنه -وهو الذي تُنسب إليه الحنابلة، المذهب الحنبلي نسبةً إلى أحمد بن حنبل- كان مولده في بغداد، وذلك في شهر ربيع الأول سنة مائة وأربعة وستين هجريًا، وهي السنة التي مات فيها سفيان الثوري أيضًا، فمات إمام وُولد إمام.
نشأ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في بغداد وتربّى بها، وكانت بغداد حينئذٍ هي عاصمة الدولة الإسلامية وحاضرة العالم الإسلامي، توفّر فيها العلماء وتوافر فيها التعدد، وتوافرت فيها الكتب وتوفّر فيها الفنون المختلفة من مختلف العلوم.
عصر الإمام أحمد بن حنبل ومعاصرته لثمانية من الخلفاء العباسيين
ولذلك عاش الإمام أحمد في عصرٍ هو من أزهى عصور الإسلام من ناحية سلطانه، من ناحية حضارته، من ناحية ثقافته.
وعاصر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ثمانية من الخلفاء العباسيين:
- المهدي
- والهادي
- والرشيد
- والأمين
- والمأمون
- والمعتصم
- والواثق
- والمتوكل
بداية طلب الإمام أحمد للعلم وتعلمه على يد أبي يوسف القاضي
اختارت له أسرته منذ صباه أن يكون دارسًا لعلوم الدين، وعلى ذلك وكما هو كان النظام في العالم الإسلامي كله، ذهب إلى الكُتّاب أو إلى المكتب وهو صغير ليتعلم القرآن ويحفظه ويجوّده، وأيضًا انتقل بعد ذلك إلى إتقان اللغة العربية التي هي مفتاح فهم الكتاب الكريم والسنة النبوية المشرفة.
عندما بلغ الشاب أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه الخامسة عشرة من عمره، بدأ في طلب العلم المنظم أو طلب العلم الأكاديمي، وأول من طلب العلم عليه كان الإمام أبا يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة.
تحول الإمام أحمد إلى دراسة الحديث وجمعه من كل الأقاليم في مسنده
وبعد ذلك بعدما فهم من أبي يوسف وعرف كيف يفهم النصوص، ذهب فتحوّل ودرس الحديث في مجالس الحديث. كان أهل الحديث منتشرين ورواية الحديث منتشرة، فأخذ عن علماء العراق والشام والحجاز.
ولعله أول محدّث قد جمع الأحاديث من كل الأقاليم ودوَّنها في كتابه الضخم الكبير الماتع، وهو [مسند الإمام أحمد] كما سنرى.
حرص الإمام أحمد على طلب الحديث في الحضر والسفر ورحلاته للحج
الإمام أحمد كان حريصًا على طلب الحديث؛ ولذلك كان يطلبه في الحضر وفي السفر، أيّ عالم يأتي إليه في بغداد يلازمه حتى يأخذ منه ويضبط عليه الحديث. وأيضًا عندما يرحل هو إلى الحج مثلًا، فقد ذهب إلى الحج خمس مرات.
خمس مرات وهو يذهب إلى مكة، في الطريق يلتقي مع العلماء والمحدّثين ويأخذ عنهم، وفي الحج نفسه كان كذلك. وطبعًا رحلة الحج لم تكن رحلة سريعة كما هي في أيامنا هذه، بل كانت رحلة فيها أناة. في ثلاث حجّات حجّ أحمد بن حنبل على رجليه، أي ماشيًا، طبعًا هذه تستغرق عدة شهور.
شيوخ الإمام أحمد وتلاميذه وأقرانه من كبار العلماء والمحدثين
جلس أيضًا يتعلم على سفيان بن عيينة وعلى وكيع القاضي وعلى عبد الرحمن بن مهدي وعلى الشافعي.
وروى عنه من شيوخه، روى عنه عبد الرزاق بن عبد الرزاق اليماني، وروى عنه الإمام الشافعي. ومن تلامذة الإمام أحمد: البخاري ومسلم وأبو داود.
وكان من أصدقائه وأقرانه علي بن المديني ويحيى بن معين، وسطٌ علمي متكامل.
قصة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين مع القاص الكذاب في الرصافة
بمناسبة يحيى بن معين، كانت هناك قصة طريفة معه تُبيّن مدى الجهد الذي بذله أهل الحديث في المحافظة على الحديث وصدّ أكاذيب القصّاص.
تقول القصة أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صلّيا مرة في الرصافة -مكان هناك في بغداد- فقام قاصٌّ، هذا القاصّ يروي حكايات مثل حكايات ألف ليلة وليلة، فقال:
حدّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن قتادة عن أنس عن رسول الله.
يعني أورد سندًا كله جيد؛ عبد الرزاق هذا إمام، ومعمر إمام، وقتادة إمام، وأنس صحابي.
قال رسول الله: «من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرًا منقاره من ذهب وريشه من مرجان»
كلام فارغ ونسبته إلى رسول الله كذب! وأخذ في قصة يرويها تستغرق عشرين ورقة.
مواجهة أحمد ويحيى للقاص الكذاب وإنكارهما عليه نسبة الكذب إلى النبي
فجعل أحمد ينظر إلى يحيى، ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال [يحيى]: أنت حدّثته بهذا؟ فيقول [أحمد]: والله ما سمعت به إلا الساعة. وأنت حدّثته أيضًا يا أحمد؟ فقال له: لا.
قال [يحيى]: تعال نرى هذا الغافل الكذاب. فجاءا إليه وقال [يحيى]: من حدّثك بهذا؟ فقال: أحمد وابن معين.
قال [يحيى]: طيب، أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل، وما سمعنا بهذا الكلام المختلق الكاذب قطّ قبل ذلك! فإن كان لا بدّ وأن تكذب، فعلى غيرنا وعلى غير رسول الله! يعني ألم تجد من تنسب إليه الحكايات إلا رسول الله لتكذب عليه؟
ردّ القاص الوقح على يحيى بن معين وتعليق الإمام أحمد على الواقعة
فقال [القاصّ]: أنتَ يحيى بن معين؟ قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين هذا أحمق! سبّه!
انظر إلى الجرأة! يتجرّأ على دين الله! [قال القاصّ:] ما علمتُ إلا الساعة، كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما! كتبتُ عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما. افترض واحدًا اسمه أحمد بن حنبل، وافترض واحدًا اسمه ابن معين!
فضحك الإمام أحمد وقال: شرّ البلية ما يُضحك، بلوى كبيرة!
ورع الإمام أحمد وتميز مذهبه بين الحديث والفقه وشهادة الشافعي له
كان الإمام أحمد ورعًا تقيًا إمامًا حافظًا، واشتهر بأنه محدّث أكثر من اشتهاره بالفقه، إلا أن مذهبه كان من ألطف المذاهب وأعمقها.
وكان لا يكتب إلا القرآن والحديث، وكان لا يُفتي في مسألة إلا أن وجد لها من أفتى بها من قبلُ من الصحابة والتابعين. وإذا وجد للصحابة قولين اختار واحدًا منهما، فإن لم يترجّح عنده قول صحابي على الآخر فتُرى له قولين؛ فالإمام نفسه يتحيّر فيها.
وكان الناس من القديم يقولون: هل أحمد يا ترى هل هو فقيه أو هل هو محدّث؟ فقال الإمام الشافعي في حقه: خرجت من بغداد فما خلّفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه من ابن حنبل.
تورع الحنابلة عن تولي القضاء وضيق انتشار المذهب الحنبلي بسبب ذلك
وكان أحمد بن حنبل في الحقيقة من تورّع أصحابه الحنابلة عن تولّي القضاء والمناصب وكذا إلى آخره، ضاقت أتباعه وضاق مذهبه [أي قلّ انتشاره مقارنة بالمذاهب الأخرى].
منهج الإمام أحمد في الاجتهاد والأخذ بالكتاب والسنة وفتاوى الصحابة
وكان له منهج في الاجتهاد لكنه لم يختلف عن مناهج المجتهدين السابقين، فكان يأخذ بكتاب الله ثم بسنة رسول الله، وإذا وجد نصًّا أفتى به ولم يلتفت إلى ما يخالفه.
وإذا لم يجد إلا أن يجتهد، فإنه يذهب إلى فتاوى الصحابة، وعند اختلافهم كما قلنا فإنه يتخيّر بينها. منهج كان يسير عليه.
كان أيضًا يتحرّى عدم الأخذ إلا بالحديث الصحيح، والضعف عنده غير الضعف القائم في أذهان كثير من الناس الآن؛ ولذلك فهو كان يأخذ بالحديث الحسن. بعد ذلك الإمام أحمد أيضًا أخذ بالقياس، وله في هذا شيء كبير.
تميز فقه الإمام أحمد بالتشدد في العبادات والمرونة في المعاملات
فتميّز فقهه أنه تشدّد شيئًا ما في العبادات، ولكن في المعاملات يتميّز فقهه بالسهولة والمرونة والصلاح لكل بيئة وعصر، ونحتاجه في عصرنا هذا.
ولذلك فَهِم الناس أن الحنابلة في شدة وتشدد، أبدًا! هذا فقط هو في التزام وفيه قوة وليس فيه أيّ عنف.
احترام الإمام أحمد للخلاف في الرأي وثناؤه على إسحاق بن راهوية
فكان الإمام أحمد يحترم الخلاف في الرأي ويحترم الآخر. كان يقول فيما يذكره ابن مفلح: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدّد عليهم. فكان يعترف بالتنوع [في الاجتهاد الفقهي].
وكان أحمد يختلف في بعض المسائل مع إسحاق بن راهوية، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يُقرّ له بالفضل والعلم والتقوى. وكان يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهوية، وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا. هذا الكلام أورده الذهبي في [سير أعلام النبلاء].
موقف الإمام أحمد من نقض الوضوء بالدم وصلاته خلف من يخالفه في المسألة
كان الإمام أحمد يرى أن الدم ينقض الوضوء -[كمن رعف مثلًا] ينقض الوضوء- وكان الإمام مالك يرى أنه لا ينقض؛ فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلّي في جراحاته وهي تنزف دمًا.
ولكن حينما قيل له [للإمام أحمد]: إن كان إمام الصلاة خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل يُصلّي خلفه؟ قال: كيف لا أصلّي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيّب؟ [أي أنه يُصلّي خلفهم رغم اختلافه معهم في هذه المسألة، احترامًا للخلاف الفقهي].
وفاة الإمام أحمد بن حنبل سنة مائتين وواحد وأربعين هجريًا والختام
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله. مات الإمام أحمد سنة مائتين وواحد وأربعين هجريًا.
نفعنا الله به، وإلى لقاء آخر نلتقي على خير.
