عروة بن الزبير | تاريخ التشريع الإسلامي | برنامج مجالس الطيبين موسم 2011 | أ.د علي جمعة
- •عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة في عصر التابعين وأخو عبد الله بن الزبير.
- •ولد سنة 23 هجرية في خلافة عمر بن الخطاب، وكان والده الزبير بن العوام من حواريي رسول الله ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب.
- •كان عروة حريصًا على العلم وقال: "أتمنى أن يؤخذ عني العلم"، وكان ملازمًا للسيدة عائشة رضي الله عنها أخذ منها الأحاديث.
- •اشتهر بحفظه للشعر حتى قيل: "ما رأينا أحدًا أروى للشعر من عروة".
- •تزوج من سودة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وتمت خطبتها أثناء الطواف حول الكعبة.
- •كان ينصح الشباب بالتعلم قائلًا: "ما لكم لا تعلمون أن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم".
- •توفي صائمًا سنة 93 هجرية عن عمر 67 عامًا، ورفض الإفطار حتى أتم صومه.
- •كان لا يتورع عن الذهاب للصحابة لطلب العلم حتى لو اضطر للانتظار على أبوابهم.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس طيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس طيبين.
نتكلم فيها عن تاريخ التشريع الإسلامي من خلال دراسة بعض شخصيات الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين، من خلال حديثنا عن أمثال هؤلاء الأتقياء الأنقياء العلماء.
التعريف بعروة بن الزبير ونسبه الشريف من جهة أبيه وأمه
ونتحدث اليوم عن تابعي جليل هو عروة بن الزبير. عروة من أبناء الصحابة؛ فأبوه الزبير بن العوام من كبار الصحابة، وكان حواريَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهو الزبير بن العوام بن خويلد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت عبد المطلب. وصفية أخت عبد الله ابن عبد المطلب أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مكانة عروة بن الزبير العلمية وكونه أحد الفقهاء السبعة بالمدينة
كان هذا الرجل عروة بن الزبير من كبار الفقهاء، ولذلك كان يُسمى بعالم المدينة المنورة. ويُقال له أبو عبد الله، أبو عبد الله عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين.
كان هناك ما يُسمى بالفقهاء السبعة، كان منهم عروة بن الزبير، وسنتحدث عن أغلبهم معًا في حلقات متتالية إن شاء الله. نحن معنا الآن عروة بن الزبير.
مولد عروة بن الزبير وأخوه عبد الله بن الزبير وعلاقته بالنبي
وُلد عروة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم انتقل منذ ثلاثة عشر عامًا، والنبي عليه الصلاة والسلام انتقل سنة عشرة، فإذا نحن الآن بعد ثلاثة عشر عامًا، يعني أننا في خلافة عمر [بن الخطاب رضي الله عنه].
وكان له أخ اسمه عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن الزبير هذا كان أكبر من عروة ربما بعشرين سنة. عبد الله بن الزبير يا جماعة، هذا من تسعة أفراد فيهم خاصية يُذكرونها في الكتب أنه بال في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الطفولة كثيرًا ورحمة الطفولة وما إلى ذلك، وكان يُشعر الطفل بالحنان والأمان وما إلى ذلك. عبد الله بن الزبير معدود من أولئك الذين فعلوا هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قصة خطبة عروة بن الزبير لسودة بنت عبد الله بن عمر أثناء الطواف
عبد الله [بن الزبير كان رجلًا سياسيًا]، لكن هذا عروة أخوه الذي هو من فقهاء المدينة السبعة. عروة بن الزبير يقول: خطبت إلى ابن عمر [عبد الله بن عمر] الذي تكلمنا عنه قبل ذلك، ابنته سودة.
كان لابن عمر ابنة اسمها سودة، وهي حفيدة عمر بن الخطاب حفيدته مباشرةً، ابنة عبد الله. فذهب عروة لخطبة سودة.
ونحن في طواف، انظر إلى الحديث وهم يطوفون حول الكعبة؛ الطواف بالبيت صلاة إلا أنه أُبيح فيه الكلام. فأنا الآن أطوف [يقول عروة]، وبجانبي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، فقلت له: أريد أن أتزوج ابنتك سودة، فلم يجبني بشيء وسكت.
رد عبد الله بن عمر على خطبة عروة وانشغاله بالطواف عن الإجابة
فلما دخلت المدينة بعده مضيت إليه، فقال: أكنت ذكرت سودة؟ خُيِّل إليَّ هذا ونحن نطوف. يعني سيدنا عبد الله بن عمر كان يذكر [الله]، كان مشغولًا، كان في أجواء أخرى غير "زوِّجني ابنتك" و"أخطب ابنتك".
أكنت ذكرت سودة؟ قلت: نعم. قال: إنك ذكرتها ونحن في الطواف، يتخايل الله بين أعيننا، أفلك فيها حاجة؟ يعني أنا كنت [مشغولًا بالعبادة] وسأترك الآن هذه الأجواء الإيمانية ونحن نطوف ونستغفر وندعو وما إلى ذلك، وأجيبك؟ أفلك فيها حاجة؟
قلت: أحرص ما كنت، يعني نعم، أنا حريص على أننا نتزوج سويًا.
إتمام عقد زواج عروة من سودة بحضور الشهود وذكر أركان النكاح
قال [ابن عمر]: يا غلام، ادعُ عبد الله بن عبد الله ونافعًا مولى عبد الله، ادعُ الاثنين هنا. قال [عروة]: قلت له: وبعض آل الزبير؟ قال: لا.
كان عبد الله [بن عمر] يريد ألا يكون هو وابنته طرفًا في الصراع بين الزبيريين والأمويين وهكذا إلى آخره، كان يريد أن يكون بعيدًا عن هذا، عبد الله بن عمر.
ثم قال لهما: هذا عروة بن أبي عبد الله، وقد زوَّجته ابنتي سودة بما جعل الله للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، يعني اتقِ الله فيها. وعلى أن تستحلها بما يُستحل به مثلها [أي المهر].
قبلت يا عروة؟ يعني المهر، أي هناك مهر سيُدفع. قلت: نعم. قال: بارك الله لك.
أركان وشروط عقد الزواج المستفادة من قصة زواج عروة بسودة
يعني إذن:
- الولي [رقم واحد].
- شهود عدول [رقم اثنين].
- القبول والإيجاب [رقم ثلاثة].
- المهر [رقم أربعة].
وهكذا أركان وشروط ومستلزمات الزواج. فتزوج عروة رضي الله تعالى عنه من سودة حفيدة عمر بن الخطاب، أو بنت الفقيه الأجل عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قصة أمنيات الصحابة والتابعين في حِجر إسماعيل عند الكعبة
عروة إذن من التابعين، من الجيل بعد الصحابة. اجتمع في حِجر إسماعيل في الكعبة: مصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر.
قصة طريفة، دعنا نرى كيف كانوا يعيشون. فيقولون: تمنَّوا، أي كل واحد منهم يقول أمنيته هكذا.
فقال عبد الله بن الزبير: أما [أنا] فأتمنى الخلافة. كان هو رجلًا سياسيًا وهكذا، صحيح أنه قُتِل بعد ذلك وهكذا، لكن هذا شأن آخر.
وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يُؤخذ عني العلم. يبقى واحد نظره ذهب إلى مجال السياسة، والثاني ذهب إلى مجال العلم.
أمنية مصعب بن الزبير وعبد الله بن عمر وتحقق أمنياتهم جميعاً
قال مصعب [بن الزبير]: أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة ابنة الحسين. وعائشة ابنة طلحة كانت من أجمل الناس، وسكينة ابنة الحسين كانت من أجمل الناس، واضعًا نفسه في هذه الدنيا هكذا، هو يريد أن يتزوج الاثنتين عائشة وسكينة.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: أما أنا فأتمنى المغفرة.
قالوا: فنالوا كلهم ما تمنَّوا، ولعل ابن عمر قد غفر الله له. طبعًا يعني كلمة "أتمنى المغفرة" فنالوا كلهم ما تمنَّوا، نحن لا نعرف [يقينًا]، لكن الظاهر أن الله سبحانه وتعالى منَّ عليه بأكثر من ستين حجة في الإسلام، [فيُرجى] أنه غفر له.
حرص عروة بن الزبير على حث الشباب على طلب العلم مبكراً
كان عروة يقول لأصحابه وهم شباب: ما لكم لا تعلمون؟ أن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار قوم. ما زلتم شبابًا تعلَّموا؛ لأنكم بعد ذلك ستتولون القيادة. وما خير الشيخ أن يكون شيخًا وهو جاهل؟ عندما تكبر وقد ضيعت شبابك هدرًا لم تتعلم فيه، أسِّس نفسك [من الآن].
ملازمة عروة للسيدة عائشة وحرصه على تحصيل الحديث من الصحابة
لقد رأيتني قبل وفاة عائشة [رضي الله عنها] بأربع حِجج، أي أربع سنوات، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته. يعني لازم السيدة عائشة وأخذ منها كل ما عندها من الأحاديث.
ولقد كان يبلغني عن الصحابي الحديث فآتيه فأجده قد قال [أي انتهى من التحديث]، فأجلس على بابه ثم أسأله عنه. فإذا انتهى الدرس وفات، كان يظل جالسًا على بابه حتى يأخذه منه.
حرص عروة على حفظ الشعر ووفاته صائماً سنة ثلاث وتسعين من الهجرة
ولذلك أيضًا كان حريصًا على العلم، وحريصًا على العلم هنا أيضًا متعلق بالشعر؛ لأن الشعر ديوان العرب. فكان يحفظ كثيرًا حتى قالوا عنه: ما رأينا أحدًا أروى للشعر من عروة.
رحمه الله رحمة واسعة، ونفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه.
توفي [عروة] سنة سبع وستين [من عمره]، وهو عنده سبع وستون سنة، وذلك في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة النبوية. كان عنده سبعة وستين سنة.
مات وهو صائم، وجعلوا يقولون له: أفطر، فلم يفطر حتى أتم صومه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
