#والله_أعلم | الحلقة الكاملة | 14 فبراير 2015 | وساوس النفس
- •تنقسم النفس البشرية إلى درجات متعددة: الأمارة بالسوء، اللوامة، الملهمة، الراضية، المرضية، المطمئنة، والكاملة.
- •الفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس أن وسوسة الشيطان تأتي ثم تذهب (خناس)، أما وسوسة النفس فتلح وتستمر.
- •للنفس الأمارة بالسوء سبعة مداخل: طول الأمل الذي يعطل العمل، الشهوات، التجربة ورغبة اختبار المعاصي، الرغبات والطمع، الاحتياط المفرط، الإحباط، واليأس.
- •مراتب القصد خمس: هاجس، خاطر، حديث نفس، هم، عزم، وكلها مرفوعة إلا الأخيرة.
- •تزكية النفس تكون بالذكر والفكر، كما قال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
- •الوسطية والاعتدال هي المنهج الصحيح في كل الأمور، كما قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً".
- •حديث النفس يتحول إلى وسواس نفسي عندما يتخذ صورة تشدد زائد تحت ستار الورع والتقوى.
- •القلب السليم يخشى ويستحي من المعصية، وهذا من علامات الإيمان.
مقدمة الحلقة والترحيب بفضيلة الإمام للحديث عن وساوس النفس
[المذيع]: أسعد الله مساءكم بكل خير، وأرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من برنامج والله أعلم. في حلقة سابقة مع فضيلة الإمام تحدثنا عن وساوس الشيطان، كيف يمكن لنا أن نواجه هذه الوساوس، وتعلمنا أن كيد الشيطان كان ضعيفًا، وبالتأكيد هناك الكثير الذي تحدثنا فيه حول كيفية سد هذه المداخل.
لكن اليوم ننتقل في الحديث إلى بُعدٍ آخر وهو بُعد وساوس النفس. هذه المرة النفس التي قد تكون في بعض الأحيان أمارةً بالسوء، وهناك أنواعٌ أخرى من النفس كالنفس اللوامة.
اليوم نتحدث مع فضيلة الإمام حول وساوس النفس، كيف يمكن أن نواجهها وما هو الفرق بين وسوسة النفس ووساوس الشيطان وأيهما أشد؟ في البداية أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة. فضيلة الإمام، أهلًا بكم والحمد لله على سلامتكم.
[الشيخ]: أهلًا بكم، مرحبًا، أهلًا بفضيلتكم.
سؤال المذيع عن الفارق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس
[المذيع]: فضيلة الإمام، أولًا: كيف نستطيع أن نميز - بعد أن تعلمنا من فضيلتكم تعريف وساوس الشيطان - وكيف يمكن أن نواجه وساوس الشيطان؟ الآن ما هو الفارق بين وسوسة هذا الشيطان الخناس وبين وسوسة النفس التي هي منا نحن؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. لأن الشيطان لم يجعل الله سبحانه وتعالى له سلطانًا على بني آدم، نعم، إلا من اتبعك من الغاوين. يعني القضية أنه ليس له سلطان ذاتي على الإنسان.
فإنه وسواس بمعنى أنه يكثر من هذه الوسوسة، خناس كما وصفته حضرتك الآن، والخناس معناه أنه يبتعد. وهذه الحالة التي وصفه الله سبحانه وتعالى بها أنه يلقي الشيء ويجري.
الفرق بين وسوسة الشيطان الخناس ووسوسة النفس الأمارة بالسوء
ولذلك قال العلماء في مقابلة النفس الأمارة: أمارة فعّالة، يعني صيغة مبالغة، يعني أنها تلح في رغباتها وشهواتها وآمالها وما إلى ذلك.
فالفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس هو أنك إذا جاء إليك خاطر من الوسواس بفعل شيء من الشر أو القصور أو النقص ثم ذهب، يكون من الشيطان.
فإذا ألح عليك وعاد فدفعته، فألح عليك وعاد فدفعته، فألح عليك وعاد، فهو من نفسك. أي الذنب الذي يذهب ويعود ولا بد من أنه لا يختفي إلا عندما أرتكب هذا الذنب، نعم، هذا من نفسك، هذا من النفس.
أليس هذا من النفس؟ لأن النفس هي التي صفاتها هكذا. أما الآخر [الشيطان] فهو يوسوس ثم يهرب، خنّاس، فيأتي يوسوس ثم يهرب. ولذلك التي تلح هذه هي نفسك، هي التي ترجع الكلام وتقول له: لا، اتق الله، اسكتي، أو لا أعرف ماذا، لا تسكت! أنا أريد هذا فقط.
هداية الله للنفس النجدين ومعرفة الخير من الشر بالفطرة
النفس في بدايتها يجب أن نفهمها أولًا، والله سبحانه وتعالى عندما خلقها، وهداها النجدين.
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]
ما هذان النجدان؟ النجد هو المرتفع من الأرض، فهناك مرتفع من الأرض هكذا وبجانبه طريق، وهناك مرتفع هكذا وبجانبه طريق، ففيه يمين وفيه شمال، صحيح، يعني خير وشر.
جميل، فالله سبحانه وتعالى أعطى النفس معرفة الخير من الشر، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«الإثم ما حاك في النفس وخشيت أن يطلع عليه الناس»
يعني لا أحد يقول لي: لا، أنا لا أعرف هذا، أنا لم أكن منتبهًا. لم تكن منتبهًا، إذن فعلًا هذه مسألة ملتبسة، لكن في الغالب يكون في داخلك شيء يؤنبك أن هذا خطأ، لكنك تتغاضى عنه.
الحياء الفطري وعلاقته بمعرفة الإثم وانحراف المجاهرين بالمعصية
نعم، يقول لك هذا خطأ، هل تستطيع أن تقوله للناس، هل تستطيع أن تعلنه هكذا إلى آخره؟ طبعًا هذا كان قبل قلة الحياء في الحياة التي نعيش فيها.
ففي الزمان الماضي كان هناك أناس لديهم حياء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذا الحياء الذي هو الإثم حاك في نفسه وخشيته أن يطلع عليه الناس.
أما في أيام الفجر والفجور والعصور المظلمة التي نحن فيها الآن، والتي انفلت فيها الناس، إنني أريد أن أرتكب الذنب أمام الناس وأقول له: ما أقل حياءك! نحن نتحدث عن الإنسان الذي خلقه الله طبيعيًا فطريًا، الذي يخجل ويستحي من الذنب.
نعم، أما عندما تسمي قلة الأدب وقلة الحياء شفافية، وتريد أن تجاهر بالمعصية:
قال رسول الله ﷺ: «يرحم الله الجميع إلا المجاهرين» قالوا: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال: «الذي يفعل الذنب بالليل يستره الله، فيقوم ويقول: فعلت كذا وكذا، لا يبالي بالذنب»
قلة الحياء وأثرها في إعماء البصائر وسقوط الجماعات الإرهابية
وكذلك يقول [النبي ﷺ]:
«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»
وها نحن الآن منتبهون للنابتة ومن الخوارج ومن الجماعات الإرهابية، كيف رفع الله سقط برقع الحياء من وجوههم، وكيف أوصلهم إلى هذا الحد من قلة الحياء؟ لا، يمكن أن تقول غير ذلك، إنها قلة حياء. لماذا؟ قلة الحياء هذه أعمت بصائرهم فلم يعودوا يرون شيئًا.
على كل حال، إذا حاك الإثم في القلب وخفت أن يطلع عليه الناس، فالنفس السوية هداها الله النجدين. لكن هناك من يزين لنفسه الشر ويأخذ في هذا التزيين إلى أن تنكت في قلبه نكتة سوداء، فيرى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وهذا هو الذي يحدث الآن.
نماذج من انقلاب الموازين وقتل الأبرياء باسم الدين
أنه يرى أن قتل الناس الأبرياء بوضع قنبلة ثم الرحيل، حسنًا، هذه القنبلة ستقتل من؟ وما شأن هؤلاء الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فقتلت الرجل وابنه التي هي موجودة الآن في الإسكندرية، صحيح والله.
ما هذا؟ ما هذا الذي تفعله؟ أهو جهاد أم حرب أم دفاع أم هجوم؟ حتى ليس له معنى، إنه عبث.
ويقوم الآخر هناك في قطر يقول له: نعم، نحن نُفتي لك أن اقتل في أي وقت ولا يهمك. انظر كيف وصلت قلة الأدب وقلة الحياء إلى أي جريمة، وكل هذا يا عزيزي من أجل الدرهم والدينار.
هذا من النفس وليس من الشيطان، إنه من النفس؛ لأنه مُلِحّ ومصمم. أما الآخر [الشيطان] فليُلقِ له بخاطر هكذا ويمضي، لكن هذا من النفس.
درجات النفس السبع من الأمارة بالسوء إلى الكاملة وكيفية الترقي بالذكر
نعم حضرتك، فالنفس ربنا هداها النجدين، والنفس يمكن أن تضل نفسها فلا ترى إلا طريق الشر طريقًا. والنفس درجات، فأولها الأمارة بالسوء:
﴿وَلَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يوسف: 53]
النفس الأمارة يأتي بعدها نفس لوامة تلومني، فتأتي وتقول لي: لا، إن ما تفعله خطأ، ارجع. وفيها بعد هكذا النفس الملهمة، أو أن ربنا يلهمها الصواب.
وبعد النفس الملهمة تترقى النفس الملهمة إلى الراضية فالمرضية فالمطمئنة فالكاملة، فتكون درجات النفس سبعة.
[المذيع]: كيف ينتقل الإنسان من درجة إلى درجة ويرقي نفسه لكي لا تبقى الأمارة بالسوء هذه متعبة له؟
[الشيخ]: بذكر الله، قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
أي مرحلة النفس المطمئنة.
تفسير آية قد أفلح من زكاها والتزكية بالذكر والفكر والعلم
[المذيع]: فضيلة الإمام، بمثال، هل هذا هو تفسير الآية الكريمة في سورة الشمس:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]؟
[الشيخ]: الذي زكاها، التزكية بالذكر والفكر:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
بالذكر والفكر، في كتاب الله المنظور بالعلم، وفي كتاب الله المسطور بالعلم.
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
aقرأ الكون، وبعد ذلك بقليل يقول لك:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
الذي هو الوحي. إذن واضح الكلام أن الذكر والفكر سيوصلانك إلى حالة التزكية، وبالتزكية تخرج من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة فالنفس الملهمة إلى أن تكون إنسانًا طيبًا، وهذا هو مراد كل هذه التربية.
المدخل الأول لوساوس النفس الأمارة بالسوء وهو طول الأمل الذي يعطل العمل
إذن فالنفس أمارة ووسواسها يأتي مرات. طيب، تسألني وتقول لي: ما هو وسواسها؟ يعني ماذا تفعل؟ ماذا تقول لي؟ فتكلم العلماء بالتأمل والتدبر، وعملوا استبطانًا للإنسان. هذه النفس بماذا تُغريني؟
رقم واحد: طول الأمل. لا زال مبكرًا، لا زال مبكرًا، فأنت لا زلت شابًا، أي هل انتهت الأمور الآن؟ وطول الأمل يعطل العمل. انظر ماذا يقولون: طول الأمل يعطل العمل.
فاجئ نفسك، ألن تنتظم الآن في الصلاة؟ ألن تتحجبي الآن وتتقي الله؟ ألن تضبط نفسك هكذا وتذكر ربنا وتصبح شخصًا طيبًا تفعل الخير؟ الخير أنت لن تتوقف عن المعاصي.
فيقوم أحدهم بالقول له: دعك من اليوم واجعلها غدًا، وهذا الغد يصبح العام القادم، والعام الذي يليه.
أمثلة على طول الأمل من أهل مكة الذين لم يحجوا ومن لم يزوروا النبي
وهكذا وجدنا أناسًا بلغوا السبعين عامًا وهم من أهل مكة ولم يؤدوا الحج! لا إله إلا الله! من أهل مكة، وليسوا من أهل مصر أو المغرب أو ليس معه مال، ربما عنده الصحة لكنه من أهل مكة ولم يحج.
آه، هذا يكون طويل الأمل. هل أديت فريضة الحج يا حاج؟ فكيف لك أن تناديه سوى يا حاج؟ أنت من أهل مكة، فيقول لك: والله يعني لم أحج بعد.
سبحان الله! هناك أناس في المنطقة الشرقية والوسطى [في] المملكة العربية السعودية، أصدقاؤنا حجّوا ولم يزوروا النبي، أي لم يذهبوا إلى المدينة ولا مرة واحدة في حياتهم، ولا يعرفون أين هي، وهم يعيشون في الرياض أو في الدمام أو في مكان آخر.
طول الأمل يعطل العمل حتى في أبسط العبادات الميسرة
هنا، يا سيدي، نقول بالكلام الصريح: ما هذا القلب؟ هذا الذي نفسه، هذا هو ما قلبه؟ هذا يعني حجر. نقول له أنه لا، هذا بالمناسبة، يوجد أناس كذلك، أحوال كذلك.
يوجد أناس تكون بجوار المسجد وغير راضية أن تصلي، تكون معها المصحف في البيت وغير راضية أن تقرأ، تكون كذا وكذا، يعني المسائل ميسرة، هل انتبهت حضرتك؟ فهذا ماذا تسميه؟ طول الأمل يعطل العمل.
وطول الأمل عمّي، متى ستقرأ؟ ومتى ستتوقف عن هذه المعصية؟ ومتى ستفعل الخير؟ يقول لك: يعني عندما أكبر قليلًا، عندما أتفرغ قليلًا، عندما أعمل... أول شيء: طول الأمل.
المدخل الثاني لوساوس النفس وهو الشهوات والمدخل الثالث وهو التجربة
ثاني شيء: النفس تقودها الشهوات. أنت ما الذي تحرمه؟ لماذا أنت تحرم نفسك الشهوات؟ لا تحرم نفسك من الشهوة الفلانية، والشهوة هذه تكون بأوضاعها وشروطها التي يريد قضاءها حرام.
فهذا هو الأمر الثالث: التجربة. يقول له: ما هذا الخنزير الذي تُحرِّمه؟ والله حرم الخنزير، ولكن لماذا حرمه؟ حسنًا، أنا أريد أن أتذوقه وأختبره لأتأكد وأرى إن كان طيبًا أم لا، وأقتنع وأجرب. لا بد أن أجرب كل شيء.
لأن أيضًا ماذا عندما أمتنع عن هذا الفكر؟ هذا فكر هندوكي. ماذا يقول الفكر الهندوكي في أدبياتهم وآثارهم؟ يجب أن تقبل المعصية لكي يتوب الله عليك. حسنًا، افترض أنك جئت إليه أبيض وليس هناك معصية، فعلى ماذا سيتوب؟ نعم، هذا فكر، هذا فكر إبليسي، أي أنه من النفس الأمارة بالسوء.
الرد على فكرة ارتكاب الذنب من أجل التوبة وبيان فساد هذا المنطق
أبدًا، تأتي فترفع درجاتك، تأتي فيستقبلك استقبالًا آخر، لقد أسجد لك الملائكة، تأتي وأنت ليس لديك ذنوب يعني تكون في المرتبة العليا. وكان رسول الله يسأل لنفسه الفردوس الأعلى.
فمن ضمن الوسواس التجربة، أنا أريد أن أجرب. التي هي مندرجة تحتها: أرتكب الذنب لكي أتوب. لدرجة أنه بُنيت، وصلت الهندوكية في هذا الأمر إلى درجة أنه كان في بعض العصور توجد في المعابد مومسات - والعياذ بالله تعالى - في مدخل المعبد.
فيدخل الشخص ليزني، ثم يدخل المعبد ليتوب ويبكي بشدة. وكانت مومسات المعبد هؤلاء قبيحات جدًا، وألف فيهن باللغة الإنجليزية شيئًا كبيرًا جدًا، ولا أعرف إن كان هذا النمط ما زال موجودًا أم لا؛ لأنه عندما تحولت الهند إلى دولة علمانية أبطلت كثيرًا مما كان شائعًا من هذه الممارسات واعتبرتها أنها ضد حقوق الإنسان.
التوبة ليست مقصودة لذاتها بل لمحو الذنوب والنفس تزين المعصية بالتجربة
نعم، إنما هي نفس تُصور لصاحبها المعصية بالتجربة، تقول له: جرّب، تقول له: اذنب لكي تتوب، لكي عندما تأتي للتوبة تعرف ما هي، فتكون توبتك حارة هكذا.
كأن التوبة مقصودة لذاتها، وهي التوبة مقصودة حتى نمحو الذنوب، ليس فقط لكي نفعل هكذا.
المدخل الرابع لوساوس النفس وهو الرغبات والطمع الذي لا ينتهي
طيب، القضية التي بعدها: المدخل الرابع الرغبات. فالإنسان طمّاع، عنده:
قال رسول الله ﷺ: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لأراد ثانيًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» رواه البخاري
هذا الطمع الذي هي الرغبات التي نحن تحت عنوان الرغبات، ذلك الطمع الذي لا ينتهي.
يا أخي، يا سيدي:
قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم معافى في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»
فيقول لك: لا، أنا أريد، أنا معي مليار، لكن هذا المليار يعني قليل أيضًا، أنا أريد المليار الثاني. حسنًا أعطِ له المليار الثاني، حسنًا يعني، حسنًا هو فلان لديه خمسة، فيكون لدي ثلاثة على الأقل، وهكذا.
ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، لا فائدة ترجى، لن ينتهي.
سؤال المذيع عن حكم الرغبة في المال الحلال وهل يعد من وساوس النفس
فهذه التي نسميها بكلمة الرغبات فيها نوع من أنواع الطمع، فيها نوع من أنواع عدم الرضا، فيه نوع من أنواع - وبألفاظ أخرى - الجشع وما إلى آخره.
[المذيع]: فضيلة الإمام، عفوًا، في بعض الأشخاص يمكن أن يكون لديهم هذا الإحساس وتطلع للدنيا وحب الدنيا، ولكن بالمال الحلال، يعني من عمله الحلال يكتسب منه رزقًا حلالًا فينفقه في الحلال. فهل هذا أيضًا يُعتبر من وساوس النفس، مسألة الرغبات أو الطمع في نفس الإطار؟ هو لم يتعدَّ على حق أحد.
[الشيخ]: من الناحية النظرية البحتة هذا جائز، نعم. وقد كان لمّا أكابر الأولياء كانوا أغنياء، مثل سيدنا سليمان النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانت عنده أموال تسد عين الشمس. سيدنا عبد الرحمن بن عوف عندما نزل المدينة واشتغل وعمل، الرزق أتاه.
الفرق بين امتلاك المال وتعلق القلب به ودعاء الصالحين في ذلك
هذا من ناحية النظرية. ما الذي نخشاه؟ ليس أن تكون معك أموال، لا. فقد كان من دعاء الصالحين كلمة فاصلة تبين لك الفرق بين ما ننعى عليه وما تسأل عنه:
«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»
حتى لو ملكت مال قارون، ولا تجعلها في قلوبنا. وبدؤوا يقولون: كيف يتحقق هذا؟ فقال لك: لا تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود.
[المذيع]: نعم، بارك الله فيك يا فضيلة الإمام.
[الشيخ]: اجعل الدنيا في يديك ممسكًا بلجامها، فإذا ذهبت فلا تحزن، دعها تذهب. وإذا جاءت فلا تقفز فرحًا هكذا وكان الله سبحانه وتعالى راضٍ عني، لا، هذا اختبار وابتلاء لكي يرى هل ستقوم بوظائف هذا المال أم لا.
إعلان المذيع عن استكمال مداخل النفس الأمارة بالسوء بعد الفاصل
[المذيع]: نعم، بارك الله فيك يا مولانا. بعد الفاصل إن شاء الله سنتعلم من فضيلة الإمام إن كان هناك مداخل أخرى لهذه النفس الأمارة بالسوء لوساوس النفس أم لا. ابقوا معنا.
أمثلة على وسوسة النفس في تثبيط العبادات والأعمال الصالحة
عندما أصلي تقول لي [النفس]: لماذا ستصلي وما شابه ذلك، والجو ما زال باردًا، ما الذي يجعلك تتوضأ، والوقت يمضي؟ أقول له: سأعمل عمل خير. يقول لي: أأنت؟ هل هناك من ينزل في هذا الجو؟ ألا ترى المطر؟ إنها تمطر، ابقَ في البيت.
إذا كنت ذاهبًا مثلًا لقضاء حاجة لأخدم شخصًا ما، يقول لي: لا تتكبّر. فالإنسان قد يقع تحت تأثير الشيطان، وتكون الغلبة للشيطان عليه، فيسرق وينهب ويدمر ويفعل أي شيء.
هذا أمر يكون داخل الإنسان، إنه شيء سيء يأتيه في لحظة، ويمكن أن يفكر فيه، لكن إذا كان إنسانًا مؤمنًا فلن يفعله، بل سيتراجع عنه.
المؤمن القريب من الله يتغلب على النفس الأمارة بالسوء بقوة إيمانه
مثل الشيطان الذي يأتي إلى الإنسان، لكن بالطبع الإنسان لأن إيمانه بربه قوي وأحافظ على الصلاة فأحاول التغلب عليه، أو لا يسمح لأي شيء أن يسيطر عليه من النفس الأمارة بالسوء التي دائمًا توسوس له بأن يفعل الخطأ باستمرار.
فبالطبع تجد الشخص قريبًا من الله سبحانه وتعالى يتغلب على النفس الأمارة في هذا الأمر.
المذيع يطلب استكمال مداخل النفس الأمارة بالسوء وتلخيص ما سبق
[المذيع]: كلنا نعترف وكلنا نعلم أن هناك نفسًا أمارة بالسوء، ولكن طرق المواجهة مختلفة، وأيضًا نحن لا نعرف كل المداخل التي تُقوي النفس الأمارة بالسوء حتى نتعلم كيف نعالجها. فاسمحوا لنا أن نرجع مرة أخرى مع فضيلة الإمام لنستكمل باقي المداخل.
تعلمنا من فضيلته أربعة مداخل النفس الأمارة بالسوء تعمل عليهم، نستكمل الباقي مع فضيلة الإمام. تفضل يا سيدي.
[الشيخ]: نلخص ما ذكرناه: بالأمل الذي يعطل العمل، طول الأمل، وأيضًا بالتجربة، يريد أن يجرب، الشهوات والرغبات. هذه الرغبات قلنا إنها مثل الطمع وتعلق القلب بالدنيا، تعلق لا ينتهي، مما يجعله على مشارف الحرام، مما يجعله يستهين بالتقوى.
قصة الشيخ محمد ياسين الفداني ورفضه مليون ريال مشبوهة المصدر
مما يجعله، التي هي هذه النقطة التي قلتَ لي، يعني حسنًا، افترض أنه بالحلال. نعم، كان عندنا فضيلة الشيخ - رحمه الله - الشيخ محمد ياسين الفداني، من مشايخنا في مكة المكرمة، كان مُسند الدنيا، وأخذنا عنه الأسانيد إلى أحاديث رسول الله والدفاتر والعلوم.
وكان مرة من المرات أحدهم دخل عليه بحقيبة فيها مليون ريال وقال له: هذه زكاة المال، خذها ووزعها على الطلاب الذين حولك الذين يدرسون. وكانت لديهم أنظمة في مكة أنهم ينفقون على الطلاب حتى يتخرجوا.
فقال له: لا، ليس لدي أحد يأخذ. الشيخ لديه مدرسة ولديه طلاب. فلما فردها وقال له: شكرًا، نحن متشكرين، قام الرجل وأخذ الحقيبة ومشى.
حكمة الشيخ الفداني في رفض المال المشبوه وأن الطمع ينسي الإنسان
فسأله سائل وقال: يا سيدنا الشيخ، يعني هذا الرزق رزق ربنا ساقه للطلبة، والطلبة فقراء ومحتاجون، وتعطيهم مليون ريال؟
قال له الرجل [الشيخ الفداني]: هذا لم يكن أبوه تاجرًا وليس من عائلة غنية، من أين حصل على أربعين مليونًا حتى يخرج منها مليونًا؟ صحيح، في فترة وجيزة. لا بدّ أنه ارتكب الحرام في هذه الفترة، فلا يمكن أن يحصل على هذه الثروة إلا إذا كان يعمل دون مبالاة بالحلال والحرام وما شابه ذلك.
فهو سيفعل ما يريده فيما هو أمامه، وقد ضاق صدري من هذا، ففعلت هكذا. وأقول لك فقط أن الطمع أحيانًا يُنسي الإنسان.
الإسلام لا يكره الغنى بل يدعو إلى القيام بوظائفه في خدمة المجتمع
لكن إذا كان الإنسان معه مليارين وأصبحوا عشرة، فيا رب ليصبحوا عشرين. نحن لا نكره للناس الغنى، وليس لدينا اشتراكية الفقر حيث يجب أن نكون شركاء في الفقر، لا.
بل نحن نقول: يا رب ليغتنِ الناس كي يقوموا بوظائف الغنى من الخدمة الاجتماعية ومن خدمة الناس وما إلى ذلك.
المدخل الخامس لوساوس النفس وهو الاحتياط الزائد الذي يحرم الحلال
الخامس الذي تدخل به النفس على الإنسان أحيانًا هو الاحتياط. فتقول له بهذا الاحتياط إنه يحتاط زيادة عن اللزوم فيحرم الحلال، ويظل يحرم ما أجازه الله سبحانه وتعالى له.
وهنا يبدأ وسواس النفس أو يتحول إلى وسواس في نفسه، فحديث النفس يتحول إلى وسواس نفسي تحت ستار الورع والتقوى.
[المذيع]: التي هي عكس الطمع والامتلاك، الذي هو التشدد.
[الشيخ]: نعم، فالتشدد الذي ليس له نهاية، والذي يقول عنه سيدنا الشيخ الغزالي في [الإحياء]: وكأنه قد تورع تورعًا فاق تورع الأنبياء.
لا يصح أن الأنبياء الذين هم في المكانة العليا، لا يصح أن أتورع تورعًا لو فعلت ذلك وتورعت تورعًا يفوق تورع الأنبياء فأنا المخطئ ويجب علي أن أرجع.
حديث النبي في التوازن بين العبادة والحياة ومن رغب عن سنتي فليس مني
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
«إلا أني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»
إنها هكذا هنا؛ لأن نفرًا اجتمعوا فبعضهم قال: أنا أصوم ولا أفطر، والثاني قال: أنا أقوم الليل كله ولا أنام، الثالث قال: وأنا أيضًا لا أتزوج النساء، أتبتَّل هكذا لله.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: لا، هكذا لن نستطيع أن نعمر الدنيا، مَن رغب عن سنتي فليس مني.
فإذن الاحتياط مدخل من مداخل حديث النفس.
المدخل السادس لوساوس النفس وهو الإحباط وضرورة الثقة بالنفس
وكذلك الإحباط. هذا يكون الاحتياط والإحباط، تزيل نقطة فقط هكذا. يقول لك الإحباط، ما هو الإحباط؟ يعني ماذا يحدث؟
يقول: هل أنت نافع؟ هل أنت مؤمن؟ هل صليت بشكل صحيح؟ هل أنت وهكذا... هل سندخل نحن الجنة؟ نسمع هذه الكلمة: هل سندخل نحن الجنة؟ هل يمكن أن نكون مع الصحابة؟ نحن ليس لنا مكان في الجنة! نسمع هذا الكلام كثيرًا.
حتى دائمًا وتريد أن تكون محبطًا، دائمًا هكذا. هذا الإحباط ممنوع!
الثقة بالنفس ليست التكبر، ليست العزة بالإثم، لا. يجب على المرء فقط أن يكون واثقًا بنفسه، يحترم نفسه. هذا نوع من أنواع مقاومة حديث النفس الذي يؤدي إلى الإحباط.
المدخل السابع لوساوس النفس وهو اليأس والشك في الله وبيان أنه محض الإيمان
لدينا مدخل آخر وهو اليأس - والعياذ بالله تعالى - يعني هذا الضيق في الصدر يصل إلى الشك في الله.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا: عندما تجدون هذه الحالة، اعلموا أنكم مؤمنون. يعني يجعل النفس تدور بلا فائدة. ماذا تقول أنت؟ ماذا تقول لك نفسك؟ نفسك تقول لك أنه لا يوجد إله، وهذا من خلق الله، إذا كان الله خلق الدنيا فمن خلق الله؟
قال رسول الله ﷺ: «وجدتم هذا في أنفسكم؟ قولوا: لا إله إلا الله» قالوا: وجدنا يا رسول الله، ضاقت نفوسنا ولسنا مرتاحين. قال: «هذا محض الإيمان»
ما هو محض الإيمان؟ أنك لست مرتاحًا، وأنك عندما حدث شيء يعكر صفو العلاقة بين القلوب الضارعة وبين ربها، تضايقت.
الإيمان كالمناعة يحمي المؤمن من اليأس والاستهتار
حسنًا، أنت إذن تصبح مؤمنًا؛ لأنك لو لم تكن مؤمنًا وكنت على عكس المؤمنين - ومن هو عكس المؤمنين؟ شخص فاجر هكذا لا يهمه أي شيء، مستهتر بكل شيء - لكان الأمر مختلفًا.
لكنك أنت حزنت ورجعت وتضايقت، وهذا مثل المناعة، فالإيمان له مناعة هكذا.
ملخص المداخل السبعة لوساوس النفس الأمارة بالسوء
إذن هذه هي المداخل التي نستطيع أن نقول عنها سبعة مداخل على أبواب النفس السبعة:
- طول الأمل
- التجربة
- الشهوات
- الرغبات
- الاحتياط
- الإحباط
- اليأس
هؤلاء السبعة هم المداخل، وأي شيء يشكو منه الناس سيرجع واحدة من هؤلاء.
سؤال المذيع عن النفس الأمارة عند الأنبياء وتفسير الآيات المتعلقة بذلك
[المذيع]: حسنًا فضيلة الإمام، بعد أن عرفنا هذا الأثر علينا، أي على عمرو، يمكن أن تضعف النفس من أي باب من الأبواب السبعة. ولكن بالنسبة للأنبياء، عندما نرجع إلى القرآن الكريم سنجد في سورة يوسف:
﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]
وفي سورة النساء:
﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 79]
صدق الله العظيم. هنا هل يشير سيدنا يوسف عندما يقول إن النفس لأمارة بالسوء، وفي هذه الآية ما أصاب سيدنا محمد من سيئة فمن نفسه، يعني هل أيضًا نفس الأنبياء لها نفس المداخل وقد تشعر بنفس الأحاسيس؟
معنى حسنات الأبرار سيئات المقربين والنسبية في مقام الأنبياء
[الشيخ]: حسنات الأبرار سيئات المقربين، مسألة نسبية. فقد أقوم بأمر معين وأراه حسنة. ماذا أفعل لو أن شخصًا طلب مني قائلًا: أعطني هذه العصا، إنها جميلة، فأقول له: تفضل، وأصبح مسرورًا جدًا لأنني فعلت ذلك.
لكن النبي عليه الصلاة والسلام في حالة صفوان بن أمية أعطاه وأعطى ممتلئ بالإبل، حتى قال صفوان:
«والله لا يُعطي مثل هذا إلا نبي»
فهناك فرق بين أن يعطي عصا وبين أن أعطي واديًا من الإبل هديةً. الأمر مختلف، فحسنات الأبرار سيئات المقربين.
أي أنه لو أن نبيًا من الأنبياء - حاشا سيدنا النبي، ما لا نتحدث عنه لأنه عالي المقام جدًا - لكن هناك نبي من الأنبياء معه عصا مثل هذه العصا وأعطاها لشخص ما، يعني أي شخص يمكنه فعل ذلك.
السيئة المنسوبة للأنبياء ليست معصية بل نسبية إلى مقامهم العالي
ولكنك كنبي، يا أيها النبي، يكون أمامك شيء آخر، شيء يكون عظيمًا جدًا، مثل قيام الليل وهو فضل وكل شيء عند الناس، لكنه فرض على النبي، فرض على النبي.
فالقضية هنا تسمية ما يصدر من مقام الأنبياء بالسيئة، هي في الحقيقة ليست سيئة في ذاتها، بل هي سيئة منسوبة. ليست السيئة في الذات ذاتها سيئة معصية، يعني لا، بل هي شيء منسوب إلى أفعاله، يعني شيء قليل بالنسبة لأفعاله هكذا.
عندما تتأمل الآية تجدها أنها على سبيل الخبر وليست على سبيل [الوقوع]، يعني لو حدث هكذا، لو حدث أن هناك سيئة صدرت منك ستكون من نفسك. لم يقل أنك أنت صدرت منك سيئة. هل انتبهت كيف؟
لو حدث أنك أصابتك سيئة ستكون من نفسك، على سبيل الإخبار، على سبيل الإخبار أنه لو حدث هذا ستكون من نفسك. وهل حدث هذا؟ أبدًا. هل انتبهت كيف؟
الآية على سبيل الإخبار لا الوقوع والمقام نسبي عند الأنبياء
ففي هذا المقام هو مقام بهذا الشكل الذي هو أنه نسبي وأنه على سبيل الأخبار، فلا يتحتم أنه يُفرض.
سؤال المذيع عن المحاسبة على الخواطر التي تلح من النفس
[المذيع]: فضيلة الإمام، قبل أن نتحول إلى الاتصالات الهاتفية، هل الخاطر الذي يأتي إلينا من أنفسنا هذا ويُلح علينا، هل نحن محاسبون به؟ يعني أفعل هذا أو أفعل كذا أو أفعل المعصية هذه، هل نحاسب على ذلك؟ وأستغرق في التفكير فيه.
[الشيخ]: مراتب القصد خمس:
هاجس، ذكر، يكون أول الهاجس فخاطر، رقم اثنين يكون الخاطر فحديث النفس، فاستمع، يليه هم، فعزم. كلها رُفعت سوى الأخير، ففيه الأخذ قد وقع.
هو العزم، نعم.
شرح مراتب القصد الخمس بمثال زجاجة الخمر من الهاجس إلى العزم
فسيادتك، أنا عندي خمس مراتب. القصة التي تسأل عنها هي على خمس درجات:
الدرجة الأولى: أن يكون شخص جالسًا هكذا، وإذا بزجاجة خمر تظهر أمامه ثم تمضي، يسمون هذا هاجسًا.
زجاجة الخمر ثبتت فيتعجب لماذا ثبتت؟ هو لا يشرب الخمر، هذا مجرد خاطر.
وبعدها يقول: ما هذه الأفكار التي تأتيني؟ لماذا تراودني هكذا؟ هل أنا أريد أن أشربها؟ مستحيل! لا، يا شيخ، لن أشربها، فهذا حرام. حتى هذا مجرد حديث نفس.
ولكن ماذا سيحدث إن شربها المرء؟ لقد بدأت نفسه تميل إليها. ما رأيك في أن نجربها، وهذا هو الهم، أي هذه التجربة.
ثم يقول: لا حسنًا، سأشتريها، فيأخذ المال ويذهب ليشتريها [وهذا هو العزم].
الله لا يحاسب إلا على العزم الأكيد وهو النية المؤكدة بالفعل
نعم، لقد بدأت كل الخواطر التي مضت، هذه الخواطر الأربع مرفوعة، فالله سبحانه وتعالى لا يحاسبنا عليها إلا الأخيرة التي هي النية.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
أي ما هو القصد المؤكد والعزم الأكيد؟ نعم، فعمل هكذا فيؤخذ عليه.
[المذيع]: بارك الله فيكم فضيلة الإمام.
أسئلة من المشاهدين حول الميراث وحكم غير المسلمين وعقد الإيجار
[المذيع]: نتحول إلى اتصالات حضراتكم الهاتفية. أستاذ سامي، تفضل.
[السائل - سامي]: أهلًا وسهلًا، وعليكم السلام. كيف الصحة يا فضيلة الإمام؟ أنعم الله عليكم بالصحة والعافية والرأي السديد باستمرار إن شاء الله جميعًا إن شاء الله بإذن الله. أود أن أستشيرك يا مولانا في مشكلة أسرية تتعلق بالميراث وبالدين. لدينا أخت فقط وهي صغيرة أصيبت بشلل الأطفال، الوالد والوالدة باستمرار يقدمان لها الدعم، ونحن ليس لدينا اعتراض، لكن حتى عندما انتهت من حياتها وزوّجت ابنتها بعدما علّمناهم وزوّجناهم وبنينا لها عمارة في التجمع وكل هذا الكلام الطويل، ما زالت الأخت مصرة على المزيد وعلى المزيد، وقد تحدثنا معها عدة مرات وتحدثنا مع الأب والأم، لكن شعورهم أنهم سبب في أن بنتهم الصغيرة تصاب بهذه الإصابة وهذا المرض، شعورهم بالمسؤولية فيهم أكثر من حقنا، وقد أخذوا حقنا كله بالكامل في الميراث وفي الشرع إلى الأخت.
[المذيع]: طيب يا أستاذ سامي، أستأذن حضرتك، أنا آسف جدًا لأن وقت الأذان يداهمنا، فأنا فهمت الفكرة، أشكرك وآسف جدًا للمقاطعة.
أستاذ أحمد، تفضل.
[السائل - أحمد]: السلام عليكم، وعليكم السلام، وعليكم السلام بارك الله في حضراتكم. الله يحفظك يا سيدي، تفضل يا سيدي سؤال حضرتك. نحن والحمد لله خلقنا على نعمة الإسلام بالفطرة، نعم، وكل واحد منا يُحاسب على أعماله. فما حكم الدين في الناس الذين لم يسمعوا عن الإسلام أو أن ديانتهم ديانة غير الإسلام؟ هل هؤلاء الناس لن يدخلوا الجنة أبدًا أو لن يحاسبوا، كيف يكون حسابهم؟ لم يسمعوا عن الإسلام أو سمعوا عنه كما وصل إليهم من ديانات أخرى، يعني سمعوا أنه مثل داعش؟ يعني هو أيضًا سمع عن الإسلام بنفس الطريقة أو سمع عن الإسلام أنه داعش، يعني أشكرك يا سيدي شكرًا جزيلًا حضرتك.
[المذيع]: وهناك الأستاذة فريدة، لكن أستأذن حضرتك يا أستاذة فريدة، ويكون سؤال حضرتك بعد الفاصل. ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، وننتقل إلى الأستاذة فريدة، تفضلي سيدتي.
[السائلة - فريدة]: مرحبًا، مساء الخير.
[المذيع]: مساء الخير يا سيدتي.
[السائلة - فريدة]: تحياتي لحضرتك يا أستاذ عمرو، بارك الله لك لأنك تنير بصيرتنا مع فضيلة الدكتور، بارك الله لكم يا شيخنا، الله يكرمك. أريد أن أسألك سؤالًا: أنا أؤجر شقة للشخص، للسيدة يعني، امرأة واحدة، واتفقنا أنها ستدفع لثلاث سنوات ولم يمض عليها سوى ثلاثة أشهر، وجاءت الظروف إنني أنني سأؤجر شقتي وسأسكن في شقة أخرى. يمكنني أخذ شقة أخرى في مكان آخر، لكن هناك أشخاص قالوا لي: لا، خذي الشقة التي في الأعلى التي اتفقت معها عليها. فبعد أن اتفقت معها على الشقة، ألا يُعتبر غدرًا؟ يعني أنا اتفقت معها وهي ائتمنتني أنها تسكن لمدة ثلاث سنوات وأصلحت في الشقة، فأنا لو قلت لها اخرجي الآن، أشعر أن هذا سيكون غدرًا بها. يعني من الممكن أن أحصل على فرصة للحصول على شقة في مكان آخر. هناك أناس يقولون لي: لا، أخرجيها واسكني مكانها. أنا أستحرم ذلك بصراحة، ما رأي حضرتك؟
[المذيع]: حاضر، تحت أمر حضرتك.
إجابة الشيخ على سؤال الأستاذ سامي حول تفضيل الأبوين للأخت المريضة في الميراث
[المذيع]: دعنا نرى إجابات فضيلتك. بالنسبة للأستاذ سامي، يعني أخت لها ظروف خاصة، فدائمًا ما يكون تجاهها الأب والأم شاعرين بعاطفة أشد.
[الشيخ]: هو دائمًا الأب والأم هكذا، يعني دومًا واقفين مع الضعيف، سواء كان شخصًا لم يتعلم، أو شخصًا مصابًا بمرض، أو البنت المطلقة وما شابه ذلك. دومًا هذه هي طبيعة الأشياء.
ولكن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالاعتدال في كل شيء:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
وقال:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فالأكل والشرب نعم، لكن ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين في أي شيء.
الوسطية في العبادة والعطاء وعدم تخصيص أحد الأبناء دون الآخرين
والحديث الذي ذكرناه أثناء الحلقة:
«ومن رغب عن سنتي فليس مني»
حتى في العبادات الوسطية هكذا: اعبد ربك طاقتك، أي على قدر استطاعتك.
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]
فنحن ننصح الأب والأم؛ لأن الأولاد ضجّوا، وكلما احتاجوا شيئًا واحتاجوا معونة أبوهم وأمهم: لا، هذا مخصص للفتاة المعاقة. والفتاة المعاقة استلطفت هذا وزادت فيه.
فنحن نقول له: لا، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]
ويقول:
﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]
يعني القوام هذا في وسط الطريق هكذا.
الاعتدال في كل شيء والعدل بين الأبناء في العطاء
فنريد أن نكون شهداء، نريد أن يكون كلامنا قائمًا، نريد أن ندخل في حب الله، نريد أن أعمالنا تنتج أحسن الإنتاج، وهذا كله لا يتأتى إلا بالاعتدال الصحيح.
فالاعتدال موجود في القرآن كله، وموجود في كل التصرفات حتى في العبادات، حتى في العطاء. وكان مشايخنا يقولون لنا: إن كان معك فلا تبخل، وإن لم يكن معك فلا تتكلف.
قال رسول الله ﷺ: «هل أنت نحلت كل أبنائك مثلما نحلت هذا؟» قال: لا يا رسول الله. قال: «اشهد عليه غيري، فإني لا أشهد على ظلم»
إن كان معك أن تعطي لكل الأبناء كل ما يطلبونه فأعطِ، لا يضر. أخصص واحدًا بكل شيء؟ لكن أخص واحدًا لأنني لست متأكدًا. الأمر أنه أصيب بالحمى الخاصة بشلل الأطفال وأنا لم أصارع المرض.
وهناك أناس يجلدون أنفسهم هكذا. هذا قدر الله، قدر الله.
إجابة الشيخ على سؤال أحمد حول حكم أهل الفترة الذين لم يبلغهم الإسلام
ولذلك نريد أن نكون دائمًا مع شخص مثل السيد أحمد الذي يسأل عما نسميه في العقيدة الإسلامية أهل الفترة. لم يبلغهم الإسلام في تلك الفترة بصورة لافتة للنظر، إذ لا بد أن تكون لافتة للنظر.
وأنت تتحدث بطبيعتك قلت له: نعم، ليست صورة داعش، يعني نعم. فعندما نأتي بشخص من غير المسلمين من أهل جنوب شرق آسيا أو إفريقيا أو أي مكان أو أوروبا أو أمريكا ونقول له: هل لك أن تدخل دينًا يقتل ويذبح ويهين المرأة ويحتقر الطفولة ويفسد البيئة ويحرق الناس أحياء، وهو دين جميل جدًا.
يقول لك: أي دين هذا؟ ادخل هذا الدين، لماذا؟ قالوا له: هذا الدين اسمه الإسلام. قال: لا، أنا لا أريد الإسلام.
وعلى فكرة، نحن أيضًا لا نريد هذا النوع من أنواع الدين؛ لأنه ليس هو الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ القرآن فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. نحن لا نريد هذا الفكر الفاسد لأنه ليس إسلامًا.
حكم من لم يبلغه الإسلام بصورة صحيحة عند الأشاعرة وأنه من الناجين
ولكن أحمد يسأل شخصًا إما سمع عن الإسلام بصورة مشوهة أو لم يسمع عن الإسلام أصلًا.
أمّا هذا فأمره إلى الله، وعند السادة الأشاعرة أنَّ مَن مات من أهل الفترة فهو من الناجين، ينجو.
فالذي لم يبلغه الإسلام بصورة لافتة للنظر، أي بصورة مقنعة، شخص دعاه، شخص دعاه مجرد دعوة يقول له: نحن رحماء، نحن مسالمون، نحن أناس طيبون، اعبد ربنا، اخرج من عبادة العباد [إلى] عبادة الله إلى آخره.
إجابة الشيخ على سؤال فريدة بعدم جواز إخراج المستأجرة قبل انتهاء العقد
السيدة فريدة تقول إنها وعدت [المستأجرة بثلاث سنوات]. لا يا سيدة فريدة، قلبك هو الذي صحيح، ولا تأخذي الشقة من التي وعدتِها أنك ستتركينها لها ثلاث سنوات.
لا يجوز شرعًا؛ لأن عقد الإيجار مدته ثلاث سنوات، والعقود ألفاظ، وليس من الضروري أن يكون هناك ورقة مكتوبة. الإنسان يُؤخَذ بلسانه، فقلتِ لها ثلاث سنوات، حسنًا، فليكن ثلاث سنوات.
ولا يجوز من الناحية الأخلاقية، فهو لا يجوز من ناحية فقهية ولا من الناحية الأخلاقية. الإنسان مربوط من لسانه.
ختام الحلقة والتوديع
[المذيع]: بارك الله فيك فضيلتكم مولانا الإمام.
[الشيخ]: جزاكم الله خيرًا.
[المذيع]: شكرًا لك، شكرًا لحضرتك، ونراكم إن شاء الله غدًا في حلقة جديدة، والله أعلم، إلى اللقاء.
