الواسع | من أسماء الله الحسنى | أ.د علي جمعة
- •اسم الله "الواسع" من الأسماء الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الله وسع الكون خلقًا وقدرة وإرادة، وجعل فيه تنوعًا واختلافًا للتكامل لا للتناقض.
- •يشمل الكون أنواعًا من الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفيه الذكر والأنثى، والخير والشر، والحق والباطل.
- •العلاقة بين المختلفات في الإسلام قائمة على التكامل لا الصراع، بخلاف الحضارات الأخرى.
- •ادعاء أن العلاقة بين الإنسان والكون هي الصراع أدى إلى الاعتداء على البيئة وثقب الأوزون والتصحر.
- •الإسلام دعا إلى علاقة الوفاق مع الكون، فالنبي أمر بغرس الفسيلة حتى لو قامت القيامة.
- •السلام أصل في الإسلام، فهو تحية المسلمين ونهاية صلاتهم واسم من أسماء الجنة.
- •علينا التخلق باسم الله الواسع من خلال سعة الصدر وقبول الاختلاف والصبر على الناس والعفو والصفح.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين مع اسم الله الواسع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مع اسم من أسماء الله الحسنى نعيش هذه اللحظات؛ مع اسمه سبحانه وتعالى الواسع.
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
وذلك من أسماء [الله الحسنى الواردة في] حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المشهور، الذي أخرجه الترمذي، يقول فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
وذكر منها الواسع.
معنى اسم الله الواسع وتجلياته في الكون من خلق وتنوع وتكامل
الواسع صفةٌ من صفات الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي وسع هذا الكون خلقًا وقدرةً وإرادةً، وهو الذي نوّع فيه هذا الاختلاف، اختلاف التنوع الذي به التكامل؛ فكل ما في الكون يكمل بعضه بعضًا في مدار واحد يسبح لربنا، ويسجد له، ومسخرٌ لبني الإنسان حتى تتحقق كرامة الله له وإكرامه له.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
هذا الكون الذي حولنا فيه يوجد هناك جماد ونبات وحيوان وإنسان، وفيه تنوع؛ فهناك ذكر وأنثى، وفيه تنوع؛ فهناك خير وشر، وحق وباطل، وإيمان وكفر، وفيه تنوع؛ فهناك حركة للأفلاك تؤدي إلى الليل والنهار والصيف والشتاء.
والله سبحانه وتعالى أوسع كل ذلك وجعله في ملكه.
الاختلاف في الكون قائم على التكامل لا التناقض والصراع
لكن هذا الاختلاف ليس فيه تناقض، بل فيه تكامل؛ بين الرجل والمرأة تكامل، وبين الغني والفقير تكامل، وبين الإنسان والكون تكامل، وبين الليل والنهار، وبين الصيف والشتاء، وبين البحر المالح والنهر العذب تكاملٌ عجيب أراده الله سبحانه وتعالى.
ولذلك فالمؤمن يؤمن من هذا اللفظ [الواسع] الذي وصف به ربه بأن الأمر قائمٌ على التكامل وليس على الصراع، كما تبنّت كثير من الحضارات الأخرى غير حضارة المسلمين فرضيةَ أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة صراع، وأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي الصراع، وبين الإنسان والكون هي الصراع.
والأصل في ذلك بخلاف ذلك؛ لأن العلاقة التي بين هذه الأشياء المختلفة التي صدرت من الواحد سبحانه وتعالى الذي وسع كل شيء، وكان من سعته أن أوجد الاختلاف، وكانت من حكمته سبحانه وتعالى أن كمّل بين هذه المختلفات لتسير في نسق واحد، كان الأمر على التكامل وعلى حقيقة غير الصراع.
نتائج اعتقاد الصراع مع الكون والدليل النبوي على الوفاق معه
إن اعتقاد أن العلاقة بين الإنسان والكون هي الصراع أدّى إلى العدوان على البيئة؛ حتى حدث ثقب الأوزون، وحتى حدث التصحر الذي لم يحدث من قبل، وحتى حدثت الاعتداءات على كثير من الأصناف كالفيلة مثلًا من أجل العاج؛ لأن العلاقة بيننا وبين الكون [في تلك الحضارات] هي الصراع.
أما لو كانت العلاقة بيننا وبين الكون هي الوفاق، هي التكامل، هي التوازن، كما أشار ربنا سبحانه وتعالى في دينه في الكتاب وفي السنة، فإننا نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إذا كان في يد أحدكم فسيلة» يعني غرسةً صغيرة «وجاءته القيامة» يعني رأى أن الدنيا ستُدمَّر وينتهي العالم «فليغرسها»
لأن العلاقة بين المسلم والكون هي الوفاق لا الصراع.
الحرب في الإسلام عارضة لرفع الطغيان والسلام هو الأصل والغاية
إذن فحالة الحرب ليست هي الأساس، وإنما حالة الحرب عارضةٌ من أجل صد العدوان ورفع الطغيان، من أجل السعي إلى السلام الذي هو تحية المسلمين، والذي هو نهاية صلاتهم؛ إذا انتهى المصلي من صلاته يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والسلام هو اسم من أسماء الجنة، وهو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو علامة لعدم القتال وللأمن بين الناس.
وهكذا أصل كلام، أصل مادة الإسلام؛ فالإسلام إنما اشتُقّت [كلمته] من السلام؛ ذلك لأن العلاقة بين الإنسان والكون، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، وبين الرجل والمرأة إنما هي التوافق وليست التنافر والصراع.
كل ذلك جاء لأن الله سبحانه وتعالى هو الواسع.
التخلق باسم الله الواسع يقتضي سعة الصدر والصبر على الناس والعفو عنهم
كذلك المربون والمرشدون إنما يرشدون إلى أن نتخلق بهذا الاسم [الواسع]؛ ولذلك يجب علينا أن نصبر على أنواع الناس المختلفة، نخالطهم ونستوعب كل امرئ على الحالة التي هو فيها؛ لأن الله واسع.
فكأنه يأمرنا بسعة الصدر وقبول الاختلاف والرأي الآخر، والصبر على الناس وعلى اختلافهم وتباينهم في أخلاقهم، في أوضاعهم، في رغباتهم.
ومن هنا جاء الأمر بالعفو والصفح عن خلق الله، والصبر أيضًا على أذاهم؛ حتى لو وصل هذا الأذى إليّ فيجب عليّ أن أكون واسعًا.
تخلقوا بأخلاق الله.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
