اكتمل ✓
الوقاية من المعاصي في رمضان وأسباب الذنوب ومعالم الطريق إلى الله - والله أعلم

كيف نقي أنفسنا من المعاصي في رمضان وما هي معالم الطريق إلى الله وكيف نتوب من الذنوب؟

الوقاية من المعاصي في رمضان تبدأ بفهم أن الشيطان ليس العدو الوحيد، بل النفس الأمارة بالسوء والهوى والدنيا تشكّل ثلاثة أرباع الضغط على الإنسان. رمضان مصمّم لتدريب النفس على معالم الطريق إلى الله: قلة الطعام وقلة المنام وقلة الأنام وقلة الكلام. وعند الوقوع في الذنب تجب المبادرة الفورية بالاستغفار وإتباع السيئة بالحسنة لمحوها قبل أن تُسجَّل.

18 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن الشيطان ليس المسؤول الوحيد عن معاصيك في رمضان، بل النفس والهوى والدنيا تمثّل ثلاثة أرباع الضغط على الإنسان؟

  • رمضان يكشف النفس البشرية أمام ذاتها لأن الشيطان مُصفَّد، فمن أذنب فيه فذلك من عند نفسه لا من الشيطان.

  • الدنيا لها مراتب ثلاث: الضرورة التي يهلك الإنسان بتركها، والحاجة التي تصيبه مشقة، والزينة التي هي ترفّه.

  • رمضان مصمَّم ليكون تجربة عملية على معالم الطريق إلى الله: قلة الطعام وقلة المنام وقلة الأنام وقلة الكلام.

  • كاتب السيئات ينتظر ست ساعات بعد المعصية لعل صاحبها يتوب، فمن بادر بالاستغفار وأتبع السيئة بالحسنة لم تُسجَّل عليه.

  • التدرج في العبادة والسير بتؤدة دون إفراط هو المنهج النبوي، إذ أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلّ.

مقدمة البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة وطرح موضوع الوقاية من المعاصي في رمضان

**[المذيع حسن الشاذلي]: **بسم الله الرحمن الرحيم،

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.

وهذا هو الوعي الذي يسبق السعي، الذي تعلمناه من علمائنا ومن صاحب الفضيلة الذي نلتقي به دائمًا في برنامج "والله أعلم" لنسعد بصحبته، الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

لنقف معه اليوم عن كيفية الوقاية التي هي خير من العلاج؛ كيف نقي أنفسنا من المعاصي في شهر الصوم، في شهر رمضان؟ عندما تُسلسل الشياطين وتُصفَّد، من أين تأتي المعاصي؟ من أين تأتي الأعمال السيئة التي يجب أن نتجنبها تمامًا في شهر الصوم؟

مولانا الإمام أهلًا بفضيلتكم

الترحيب المتبادل وبيان أن الشيطان ليس وحده من يشن الهجوم على الإنسان

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، كل عام وأنتم بخير.

[المذيع]: في شهر الصوم، شهر رمضان تُصفَّد الشياطين وتُسلسل وتُقيَّد بالسلاسل، وبعد ذلك نجد الإنسان يقع في آثام، وتحصل بعض المعاصي، فلماذا وكيف؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.

إن الذي يشن الهجوم على الإنسان ليس الشيطان وحده، هذا هو السبب [فى ارتكاب المعاصي على الرغم من ان الشياطين مصفدة]

[المذيع]: ومن أيضًا مولانا؟

[الشيخ]: والنفس الأمارة.

معنى النفس الأمارة بالسوء وأعداء الإنسان الأربعة: الدنيا والشيطان والنفس والهوى

كلمة "أمّارة"، يسمونها صيغة مبالغة، أي ليست النفس الآمرة بالسوء [فحسب]، بل النفس الأمّارة أى أنها تأمرك فتقول لها: لا، فتأمرك ثانية، فتمتنع، فتأمرك ثالثة وتلحّ عليك

فيصبح إذن الدنيا والشيطان والنفس والهوى أربعة:

  1. الدنيا هي البيئة الخاصة بهذه الفتنة، الدنيا فيها ما يُلهي.

  2. النفس الأمارة بالسوء.

  3. الهوى والرغبات.

  4. الشيطان.

وهذه الملهيات التي فيها هي التي تسبب الغفلة عن ذكر الله. كيف تسبب الغفلة عن ذكر الله؟ لأن فيها مراتب للتناول.

مراتب تناول الدنيا: الضرورة والحاجة وأمثلة على كل منهما

أول هذه المراتب هي الضرورة. أى إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.

مثل الأكل والشرب والنوم والإخراج لأن هذه الأشياء لو لم يتناولها الإنسان يهلك أو يقترب من الهلاك، فهذه من الدنيا، أي أن الطعام والشراب وما شابه من الدنيا، إذن الدنيا فتّانة يمكن أن تضغط عليه.

ثانيًا: الحاجة التي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة. مثل ماذا؟ مثل السكن، مثل الملابس؛ تخيل الإنسان وهو بدون ملابس يبرد ويتحرر،

تخيل الإنسان وهو ليس له بيت، أو لم يكن معه وسيلة للانتقال، ستكون حياته شاقة جدًا

تخيل الإنسان وهو وحده بنفسه، سيكون عليه أن يزرع لنفسه ويصنع لنفسه ويصيد لنفسه، إنها حياة مرهقة.

الفرق بين الضرورة والحاجة وأثر ذلك على حياة الإنسان

افترض أنني بتُّ في الشارع، لن أموت، ولكن ان لم آكل، سأموت. افترض أنني لم ألبس، لن أموت، ولكن تصيبني مشقة بالغة من البرد ومن الحر، ويمكن أن تحدث لي أمراض إلى آخره.

افترض أنني لم أتعالج، أصابتني الحاجة وصبرت ولم آخذ دواءً، تصيبني مشقة بالغة من الألم ومن الصداع والتعب.

(رقم ثلاثة): الزينة، يعني ليس فيها ضرورة، ولكن فيها ترفُّه. فمثلاً آكل وبعد ذلك آكل فاكهة بعد الأكل، وعندما ندخل إلى مكان يضايفونا كوبًا من الشاي، فهذه هي الزينة.

أهمية الفاكهة والزينة في حياة الإنسان والمراتب الثلاث للدنيا

فما هو الطعام الضروري؟ الطعام الضروري هو الذي يقوم به البدن. إذن ما شأن الفاكهة؟ هذه الفاكهة تمنع فقر الدم (الأنيميا)، وتمنع مرض الإسقربوط والأمراض الجلدية، وتوفر الفيتامينات، أي تقوي المناعة، وأشياء كهذه.

فإذن، هناك ثلاث درجات، هم خمسة لكن دعني أخبرك هؤلاء الثلاثة لكي نعمل عليهم. إذن فكل هذا دنيا، هذه الدنيا تضغط عليّ.

يأتي العلماء ليقولوا لك: والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، أى أنه أحيانًا تكون هناك أشياء تبلغ المشقة فيها درجة يمكن أن تميتني،

كما ضربت لك مثلًا الآن بالسكن وبالملابس، هذه حاجة، لكنها تنزل منزلة الضرورة.

قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وتطبيقها في الإسلام

والضرورات تبيح المحظورات

فمن الممكن أن تبيح الضرورات الحرام

[المذيع]: كيف؟

[الشيخ]: لا أجد ما آكله، وأمامك عشرة أرغفة فأقول لك بطريقة سياسية: أعطني الرغيف لكي لا أموت.

قلت لي: لا.

في هذه الحالة يجوز أن آخذه منك، وإلا سأهلك.

لكن ذلك فى حالة الضرورات التي لو لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. هذا هو الدين الإسلامي الذي يرعى.

ولذلك سيدنا عمر [بن الخطاب] عندما أتوه بشخص سارق في عام المجاعة (الرمادة)، قال: لا، ليس هناك في عام المجاعة قطع [لليد] ولا أي حدود. لماذا؟ قال: لا، هذه ضرورة.

قصة فيكتور هيجو في رواية البؤساء ومقارنتها بالنظرة الإنسانية في الإسلام

فيكتور هيجو في رواية البؤساء، بُنيت كل الرواية على أن هذه النظرة الإنسانية فُقدت من حضرة القاضي. فلأجل أن سرق الرجل رغيف الخبز ليأكله، قاموا بسجنه.

عندنا [في الإسلام] لم يكن القاضى ليسجنه أبدًا، بل قد يُحاسب صاحب الخبز ويقال له: لماذا لم تعطه إياه؟ لماذا جعلته يضطر لاختطافه منك؟

قال (صاحب الخبز): هذا الخبز ملكي وأنا حر فيه.

فيضعه (القاضى) في السجن؟ **، لأنه لا يملك إنسانية.

عظمة التشريع الإسلامي في حماية حق الجائع ورأي ابن حزم الظاهري

نحن لا نستطيع أن نقرأ ما لدينا (ديننا)، ما لدينا **جميل جدًا وإنساني وراقٍ **، ولكننا لا نستطيع أن نقرأها. فهنا لا يقول أحد أن هذه جريمة، إنه فكر غير إنساني تمامًا.

لدرجة أن ابن حزم الظاهري يقول: إذا طلب منه فمنعه - أنا الآن جائع وطلبت منك الخبز فمنعتني - قال: فله أن يقاتله عليه.

من الذي يقاتل؟ الفقير هو الذي سيقاتل.

قال رسول الله ﷺ: > «اتقِّ النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ» [ميزان الاعتدال 2/79]

الضغوط الأربعة على الإنسان ودور رمضان في كشف النفس أمام ذاتها

إن الدنيا تضغط على الإنسان، كذلك النفس الأمارة بالسوء تضغط وتلحّ عليه، والشهوات والهوى والرغبات الخاصة بي تضغط عليّ، كذلك الشيطان.

فالشيطان نصيبه الربع، وبالتالي ما زال هناك ثلاثة أرباع أخرى. سيأتي في رمضان ويكشفك أمام نفسك.

يقول لك: أنت تنسب كل شيء إلى الشيطان، حسنًا، فقد تم تصفيد الشيطان، قم بنفسك الآن. فالذي يذنب في رمضان، هذا من عند نفسه وليس من الشيطان، الشيطان مُقيَّد.

ولكن لماذا تفعل ذلك الإثم؟ لأن الضاغط عليك ليس الشيطان وحده، ولا تظلموا الشيطان، الشيطان نكرهه، والشيطان رجيم، لكنه ليس المسؤول الوحيد عن ارتكاب الآثام.

رمضان كاشف للنفس البشرية وشعور المسلمين بالبركة والسكينة فيه

ولذلك جاء رمضان هنا كاشفًا للنفس البشرية أمام نفسها، أنكِ يا نفسُ يا بشريةُ انتبهي، فالعيب منكِ أيضًا.

ولكن الحقيقة أننا في رمضان نشعر بمشاعر قد لا يشعر بها غير المسلمين، فنشعر أنه شهر بركة، وأن فيه معونة للخير، وفيه هدوءًا نفسيًا وسكينة عجيبة.

ربما العلمانيون أو الماديون يقولون لنا: هذه مشاعركم وثقافتكم وتربيتكم.

فليكن، لكننا نقول لك ما نحسّ به، ما نحسّ به أنه شهر مبارك.

فلا شأن لي بتحليلك أيها المادي أو الذي ترى العالم فقط، نحن من وراء هذا العالم المنظور هناك عالم غير منظور، هذا هو الفرق الذي بيني وبينك.

المعونة الإلهية والمجتمعية في رمضان وأثرها على العبادة والذكر

لكن على كل حال أنا إنسان ولي مشاعر، أنا أشعر أن هناك فرقًا، وما يحدث ليس عندي فقط بل عند كل المسلمين.

فكيف تكون المعونة؟

أقول لك: نلتقي بعد الإفطار يا شيخ حسن، لقد صار الإفطار ميعادًا مستقلًا، أصبح الشهر فيه معونة، فكأنك ستنتظرني حتى أفطر وأنا سأنتظرك حتى تفطر، وهكذا.

فمنذ زمن بعيد كان الناس يقفون بالبلح، يوزعون البلح وعرق السوس (مشروب رمضانى) والمياه وأشياء كهذه على الناس في السيارات؛ لأن الإشارة تأخرت أو ما شابه ذلك إلى آخره.

المعونة الغيبية والمجتمعية في رمضان وحزن المسلمين على انتهائه

هذه الروح (افطار الصائم) فيها معونة. ففى إفطار صائم وقت المغرب لا يجد شربة ماء، والطريق مزدحمًا، معونة.

توجد معونة للعبادة، ومعونة للذكر، توجد معونة عندما يدخل عليّ أحد ويجدني أقرأ وردي أو ما شابه، فلا يعترض، وهكذا.

إذن فهو شهر معونة من جهة تصفيد الشياطين وهذا أمر غيبي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومعونة من نفس المجتمع الذي يؤذّن والذي يوقظ الناس في السحور، وعندما أذهب فأجد المحلات جاهزة مفتوحة من أجل السحور، وبعد السحور تغلق.

فكل هذه معونة، فنحن والحمد لله، نحمد ربنا أننا في هذه المعونة ونؤدي الفرض.

حب المسلمين لرمضان وحزنهم على فراقه والسكينة التي يجدونها فيه

إلى درجة أننا عندما يأتي آخر رمضان نحزن حزنًا شديدًا ونتمنى أن يكون العام كله رمضان، ويبدؤون بالغناء له: "لا أوحش الله منك يا شهر الصيام".

لماذا؟ لأن الناس أحبته حبًا شديدًا. ما الذي أحبه الناس فيه؟ أحبوا فيه السكينة، ففيه سكينة وعجب.

وإن كان الإنسان من تلقاء نفسه يخطئ، لكن هذا من عند نفسه. ويرتكب المعصية من عند نفسه.

ولذلك يجب على الإنسان أن يفهم أن هذه رسالة ربانية إلهية تقول له: انتبه لنفسك، فقد انكشفت أمام ذاتك؛ لأننا رفعنا عنك العامل الخارجي [وهو الشيطان]،

وبقي عليك ما أنت فيه من النفس الأمارة بالسوء ومن الشهوات والرغبات والدنيا.

سؤال المذيع عن السلوكيات التي تجعل الإنسان أكثر شفافية في رمضان

[المذيع]: علّمنا مولانا أن هناك سلوكيات لو اتبعناها أصبحنا أكثر شفافية: السهر والجوع والصمت والخلوة، فهل بإمكاننا أن تكون هذه السلوكيات أكثر اتساقًا مع النفس في رمضان؟

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أهلًا بكم متابعينا المشاهدين. مولانا الإمام، ربما فضيلتكم تفضلتم علينا في الحلقة السابقة وذكرتم أن هناك عناصر أو سلوكيات تجعل الإنسان أكثر شفافية: الصمت، الجوع، السهر، الخلوة. هل هذه السلوكيات في رمضان يمكن أن تقينا بشكل مؤكد من المعاصي والآثام والذنوب؟

رمضان مصمم لتحقيق معالم الطريق إلى الله: قلة الطعام والمنام والأنام والكلام

[الشيخ]: رمضان، مصمم لهذا الغرض. فرمضان كله يتلخص في هذه الثلاثة أو الأربعة التي نسميها معالم الطريق، إلى الله سبحانه وتعالى.

هذه المعالم هى:

  1. قلة الطعام.

  2. قلة المنام.

  3. قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس].

  4. قلة الكلام.

فتكون هذه الأربعة هى معالم الطريق إلى الله في كل حين ووقت.

رمضان تجربة عملية فرضية للتدريب على معالم الطريق إلى الله طوال العام

يأتي رمضان كأنه التجربة العملية الفرضية. فهى فرض من الله عليّ؛ لأن كل هذه الأشياء يمكنني أن أفعلها ويمكن ألا أفعلها. ولكنى أفعلها في رمضان، فيعطيني فرصة للتدريب العملي.

لماذا؟ لكي أستلذّ بها وأرى السكينة الخاصة بها، فأطبقها طوال السنة. فيكون رمضان هو الشرارة الأولى، هو المبدأ الأول للانطلاق سائر العام.

والعام معناه من رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما. فرمضان هو منتهى أم هو مبتدأ؟ هو منتهى لعام قد مضى ومبتدأ لعام قد جاء.

فهذه الأربعة كأننا نأتي بهم من رمضان.

قيام الليل وتلاوة القرآن في رمضان وغيره والعلاقة العضوية بين القرآن والليل ورمضان

فالشريعة كلها مبنية على ذلك:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]

هذا في رمضان وفي غير رمضان.

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

في رمضان وغير رمضان.

﴿نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 3-4]

في رمضان وغير رمضان، ولكن رمضان له خاصية:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]

التي هي في رمضان.

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]

إن رمضان والليل لهما علاقة عضوية مع القرآن، في سرّ ما بين القرآن وبين الليل.

الجمع بين القرآن وليل رمضان وليلة القدر المباركة

فعندما تجمع القرآن مع ليل رمضان، يصبح أمرًا استثنائيًا؛ سهر مع خلوة.

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: 3-6]

والليلة المباركة هي ليلة القدر التي تكون في العشر الأواخر.

قال رسول الله ﷺ: > «فالتَمِسوها في العشرِ الأواخرِ» [صحيح النسائي 1355]

هو شهر قلة الطعام.

النهي عن الإسراف في الطعام في رمضان وهدي النبي في الصيام والوصال

وكان فؤاد المهندس رحمه الله قد غنى أغنية بهذا المعنى، حيث إنه يحث الناس فيها بعدم الإسراف في رمضان.

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

قال رسول الله ﷺ: «بحَسْبِ ابنِ آدَمَ لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه» [التعليقات البازية على زاد المعاد 554]

فالأغنية كانت لهذا السبب، أنه بعد صيامه يريد أن تصنع له كل شيء (من أصناف المأكولات)، فيجد أن لقمتين من الفول تشبعانه؛ لأنه ليس للإنسان في بطنه إلا ما استوعب، يعني المائة والثمانين سنتيمتر، أي أنهم فعلًا ربع رغيف أو ثلثه.

فإذن قلة الطعام موجودة في رمضان في صورة الصيام وفي صورة عدم الإسراف.

وكان سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم قال:

«إني لست كهيئة أحدكم، إنما أبيت عند ربي يطعمني ويسقين»

فكان يواصل [الصيام] ولم يكن يفطر، كان يصوم يومًا ويُتبعه يومًا آخر أيضًا من قلة الطعام.

محاولة الصحابة الوصال في الصيام ونهي النبي لهم وقلة المنام في رمضان

حاول الصحابة أن يفعلوا ذلك [الوصال في الصيام]، فقال لهم: لا، لستُ كهيئة أحدكم. قالوا: لا يا رسول الله، نريد أن نفعل. فعند وقت الظهر من اليوم التالي، مرّ عليهم ستة وثلاثون ساعة لم يأكلوا، فأصبحوا يسقطون مغشيًا عليهم وهو يضحك؛ لأنه قال لهم ونبّههم صلى الله عليه وسلم.

قلة المنام طبعًا التراويح، وثلث الليل الأخير، وقضية التهجد. وهذه الأشياء أسماء وضعناها؛

التهجد يعني القيام بالليل.

صلاة التراويح عشرون ركعة منذ عهد عمر بن الخطاب وتاريخها في المساجد الكبرى

التراويح - عشرون ركعة، بعض الناس يفضلون أداءها ثمان ركعات، لكن المسلمون منذ عهد عمر بن الخطاب وعلى مر العصور يؤدونها عشرين ركعة.

وفي المساجد الكبرى أيضًا عندنا يؤدونها عشرين ركعة، وفي الكعبة وفي غيرها يؤدونها عشرين ركعة.

وبعد ذلك يذهبون ليستريحوا قليلًا وينامون، ثم يقومون بأداء ما يُسمى بـالتهجد، خاصةً في العشر الأواخر. هذا التهجد يصلون فيه ثمانية ركعات، وهذا جائز، نعم بالطبع.

قصة زيادة التراويح إلى ست وثلاثين ركعة في المدينة في عهد الإمام مالك

في عصر الإمام مالك كانوا في الكعبة يصلون عشرين ركعة كما أوصانا سيدنا عمر، لكنهم كانوا يفعلون ما يلي: بعد كل أربع ركعات يقومون ويطوفون سبعة أشواط حول البيت، ويصلون عشرين ركعة.

فقال أهل المدينة: نحن ليس لدينا كعبة، وبهذا يكون المكي يعبد الله أكثر من المدني. لذا أرادوا لاحقًا أن يزيدوا، فزادوا ستة عشر ركعة في التراويح، وأصبحت التراويح في المدينة ستةً وثلاثين ركعة.

عشرين ركعة وبدلا من كل طواف - السبعة اشواط- قد أدى أربع ركعات. ففي العشرين ركعة كم مجموعة من أربع ركعات؟ خمسة. وبين هذه المجموعات الخمس فاصلًا من أربعة ركعات.

أى كلما صليت أربع ركعات، صلى أربعة أخرى وهكذا. ستجد أربعة أربعات، تلك الأربعة أربعات بكم؟ بستة عشر. ستة عشر نضيفهم إلى العشرين يصبحوا ستة وثلاثين.

وظل الإمام مالك يصلي التراويح ستة وثلاثين ركعة.

الإكثار من العبادة ليس بدعة والجمع بين قلة الطعام والنوم والاعتكاف وقلة الكلام

كل هذا لأن الإكثار من العبادة ليس ببدعة. هذا يأخذ الليل كله.

﴿إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]

عندما تضيف قلة الطعام مع قلة النوم مع الاعتكاف الذي سنّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس] مع أنك جالس تتلو القرآن وتدعو وتذكر وغير ذلك، يكون معه أيضًا قلة الكلام.

والكلام المقصود به كلام اللغو:

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]

﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

التنافس في رمضان تنافس بالحب والخير لا بالمكر والضغينة

[المذيع]: مولانا كيف نجعل هذا ليس مجرد شعار بل برنامج عمل ومنهج في رمضان، وبعد ذلك يصبح مفتتحًا لعام قادم؟

[الشيخ]: التنافس هنا هو تنافس بالحب وليس تنافسًا بالمكر. التنافس الذي يحدث بين الشركات التجارية يكون بمكر حيث يريد أن يكسب ما يكسبه الآخر وليس بالإضافة إلى [غيره]، لكنني هنا أفرح بأخي الذي سبقني في العبادة، ثم أتنافس معه في الخير.

﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

فهو تنافس خير لا تنافس مصلحة، وليس تنافس تضاد أو ضغينة أو ما شابه ذلك، والحمد لله رب العالمين.

كيف نحقق التنافس في الخير بالحب المتبادل بين المسلمين

[الشيخ]: نصير هذا بالحب. يجب أن نحب بعضنا، ويجب أن يكون التنافس بيننا أو المقارنة والمباراة فيما بيننا في الخير وفي أعمال الخير.

لماذا تشتد وساوس النفس على بعض الناس في رمضان تحديدًا

[المذيع]: مولانا فضيلتك قلت في رمضان المرء يقف أمام نفسه، فلماذا تشتد وساوس النفس أو تصبح شديدة على صاحبها في رمضان تحديدًا؟

[الشيخ]: لأنه بمفرده، فليس كل الناس تشتد عليهم هذه الوساوس عندما يكون بمفرده [دون عامل الشيطان]. هذا لبعض الناس فقط.

فعندما تقول له: أنت الذي أخطأت وأنت المذنب، يستكبرها قليلًا على نفسه، فيريد أن يطرد هذا الخاطر.

ولأنه يطرد هذا الخاطر يهجم عليه أكثر؛ كلما حاول أن يتخلص من مسؤوليته عن هذا الخطأ وهذا التقصير وهذا الذنب، كلما يشعر بهذا الوسواس، إلى أن يتغلب على نفسه بإذن الله وتلين له نفسه بعد ذلك.

[المذيع]: وخالف النفس والشيطان واعصهما، وإن هما محّضاك النصح فاتّهم، ولا تطع منهما خصمًا ولا حَكَمًا، فأنت تعرف كيد الخصم والحكم.

فاصل ونعود.

سؤال المذيع عن كيفية تكفير المعاصي التي تعلق بثوب الصيام الأبيض

[المذيع]: أهلًا بكم أعزائي المشاهدين. مولانا الإمام، في شهر الصيام، في شهر رمضان، كل واحد منّا في هذا التنافس الحميد الرائع الجميل الذي حدّثتنا عنه فضيلتك، يريد أن يكون ثوب الصيام أبيض، لكن إذا حدثت بعض المعاصي فما علاقتها بهذا الثوب الأبيض، وكيف نُكفّر عنها؟

[الشيخ]: ذكّرتني بحديث سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم وهو يقول أن ملكين يكتبان علينا. وطبعًا التقريب ليس ما يحدث بالضبط، لكنه تقريب لما يحدث. التسجيلات الآن، الفيديو الذي نحن فيه هذا يُسجَّل علينا، فهم يسجلون بطريقتهم الربانية، لكنها تقريب إلى الذهن.

كاتب السيئات ينتظر ست ساعات قبل التسجيل والمبادرة بالتوبة والاستغفار

فالملك الذي يسجل السيئات ينتظر ست ساعات بعد المعصية، ورد هكذا في الحديث الصحيح. كاتب السيئات ينتظر ست ساعات لعله أن يتوب فلا يكتبها.

فينبغي للإنسان منا أول ما يرتكب معصية أن يبادر بالتوبة. فلو قال: أستغفر الله، وتاب إلى الله بعد المعصية التي وقع فيها رغمًا عنه - أو يقصدها ولكنه تحت ضغط، أو توتر، فيبادر على الفور: أستغفر الله.

فالكاتب الذي يكتب السيئات لا يسجل السيئة أصلًا.

شيء غريب جدًا، فتأتي يوم القيامة وستُعرض أعمالك فتظن أنك فعلت معاصى بعينها، ولكنك لن تجدها.

لأنها لم تُسجَّل.

المبادرة بالاستغفار وإتباع السيئة بالحسنة كمنهج للتعامل مع الذنوب

فهذا الحديث مهم جدًا في كيفية التعامل مع الله سبحانه وتعالى.

﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]

فِرُّوا ماذا تعني؟ بسرعة.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

فتفيد السرعة. فخلال ست ساعات، يتوب المرء، وهذه هي رقم واحد.

أما رقم اثنين، فعندما قال تعالى:

قال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا»> [صحيح الترغيب 2655]

هذه هي الطريقة مباشرةً: أول ما ترتكب ذنبًا قم وتوضأ، أو تصدّق، عندما ترتكب ذنبًا قم صلِّ ركعتين، أو أمسك السبحة وقل: أستغفر الله مائة مرة أو سبحان الله أو الحمد لله، أو بادر إلى المصحف واقرأ لك صفحة.

فعل الخير يُكتب بعشر حسنات والمبادرة بالاستغفار تمحو السيئة قبل تسجيلها

فتقوم بفعل خير. [فالملَك كاتب الحسنات] يكتبه فورًا بعشرة، ولما قلت: أستغفر الله [كاتب السيئات] لم يكتبها.

في الظاهر أنا أذنبتُ، لكن في الحقيقة أنني - والحمد لله - وجدوا لي فرصة أو أعطوني فرصة لأتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

فهذا برنامج جيد جدًا في قضيتين:

  1. المبادرة [بالاستغفار].

  2. المسح [بالطاعة].

سؤال المذيع عن كيفية التغلب على الملل من العبادة في رمضان

[المذيع]: مولانا الإمام، إن الطاعات جميلة وكثيرة في رمضان، فكيف نمنع أنفسنا من فكرة الملل - ففى بعض الحالات يمكن أن يقول: أنا مللت من العبادة. فكيف أقي نفسي شر ظاهرة الملل؟

[الشيخ]:

قال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغِلوا فيه برفقٍ» [مجمع الزوائد 1/67]

بمعنى أنه لا تراكم على روحك العبادات في العشرة الأوائل إلى أن يتعب [الجسد]، فهذا ليس تصرفًا حكيمًا.

التدرج في العبادة وعدم المبالغة فوق الطاقة وحديث أحب الأعمال أدومها

فليصلِّ ويصوم ويذكر ويقرأ ويدعو وما إلى ذلك بالهوينى، أي على قدر طاقته.

قال رسول الله ﷺ: > «خُذوا مِنَ العَمَلِ ما تُطيقونَ؛ فإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا»> [صحيح البخاري : 1970]

إذن، يمكن للإنسان أن يَملّ من المجهود الزائد الذي يكلّف به جسمه فجأة.

ولذلك قلنا: أول ما يأتي شعبان نبدأ نتدرب شيئًا فشيئًا على الصلوات، والجماعات، والأذكار، وما إلى ذلك.

الأمر الثاني: عندما يأتي رمضان:

قال رسول الله ﷺ: «وإنَّ أحَبَّ الأعمالِ إلى اللهِ ما دامَ وإن قَلَّ» [صحيح البخاري: 5861]

فنحن سنسير بالتؤدة ولا نبالغ فوق طاقتنا.

قصة السيدة زينب بنت جحش والحبل في الصلاة وحديث ليعبد أحدكم ربه طاقته

عندما دخل سيدنا [رسول الله ﷺ] على السيدة زينب [بنت جحش]، كانت السيدة زينب تحب العبادة وكانت تحب الإنفاق. السيدة زينب بنت جحش وضعت حبلًا.

فقال: ما هذا الحبل الموضوع بجانبها هكذا على يمينها وهي تصلي؟ قالوا: هذا إذا أحست أنها ستسقط من شدة الإعياء فإنها تدخل هذا الحبل تحت إبطها كي لا تسقط.

قال: لا،

قال رسول الله ﷺ: «خُذوا مِنَ الأعمالِ ما تُطيقونَ؛ فإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا» [صحيح البخاري: 5861]

هذه أمور تصيب الإنسان بالملل عندما يُفاجأ [بالإرهاق].

حديث المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى والتحذير من الإفراط في العبادة

وبعد ذلك قال:

قال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغِلْ فيه برفقٍ فإنَّ المُنْبَتَّ لا أرضًا قطَع ولا ظهرًا أبقى»> [مجمع الزوائد: 1/67]

ما هو المُنبتّ؟ إنه شخص معه جمل ركبه، وأصرّ على الوصول إلى هدفه. يريد مثلًا الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، فظلّ يَجري بالجمل على وتيرة واحدة حتى تعب، أي بسرعة واحدة مستمرة وبإفراط، حتى مات الجمل.

فلا هو وصل إلى الإسكندرية ولا عاش الجمل. فالمنبت (المتعجل) الذي يريد أن يصل أسرع من اللازم، من هنا إلى الإسكندرية بالجمل تستغرق ثلاثة أيام، هو يريد أن يصل في يوم واحد، فسقط في منتصف الطريق، سقط بطوله في وسط الطريق.

إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فمات الجمل وهو لم يصل إلى الإسكندرية.

السير بتمهل في العبادة كالسير بالجمل بتؤدة للوصول إلى الهدف

لكن الذي يسير بالجمل بتمهل ويُنزله ويجعله يأكل ويشرب، يصل إلى الإسكندرية في الأيام الثلاثة التي جعلها الله طبيعية لهذه الطبائع.

سؤال السائلة عن حكم تطليق الرجل زوجته ليزوجها لصديقه

[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا، معي السيدة سالي على الهاتف. أستاذة سالي أهلًا بكِ.

[السائلة]: أهلًا بكِ، السلام عليكم،

كنت أريد أن أسأل: ما هو أبغض الحلال عند الله؟

[الشيخ]: ما هو؟

[السائلة]: الطلاق.

[الشيخ]: جيد أنتِ تعلمين.

[السائلة]: لو كان رجل متزوج من اثنتين وجاء صديق له من بلد غريبة وليس لديه مال ليتزوج، هل يمكن لهذا الشخص أن يقول له: سأزوجك إحدى زوجاتي، ثم يطلق واحدة ويعطيها له؟

تغير الأعراف والنفسيات وعدم جواز تطبيق أعراف الماضي على الحاضر

[الشيخ]: في الماضي كان ذلك ممكنًا، أما الآن فقد تغيرت الأعراف والنفسيات والثقافات، فأصبح هذا الكلام غير مقبول في المجتمع.

ونحن دائمًا يأمرنا الله تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

قصة المؤاخاة بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف وفهمها في سياق الحب

[السائلة]: في زمن الرسول ﷺ، وقت الأنصار والمهاجرين عندما آخى الرسول بينهم، هل يصح أن يدرس تلاميذ الصف الثالث الابتدائي أن شخصًا قال لـسعد بن الربيع أن يقول لـعبد الرحمن بن عوف: إن لدي بيتًا سأعطيك نصفه، وسأعطيك نصف مالي، وأنا متزوج من امرأتين، سأطلق واحدة وأزوجها لك.

أكانت المرأة رخيصة هكذا فى نظر الدين؟

[الشيخ]: لا، ليس الأمر يتعلق بالمرأة على فكرة، ولكن لكي تفهمي: هؤلاء الأربعة كانوا جالسين، يعني المرأتين والرجلان كانوا جالسين، وكانوا جميعهم - الأربعة - يحبون بعضهم.

هل جربتِ الحب؟ حاكموا الحب إذن، أحضروا الحب واذبحوه وارموه في القمامة لكي نعيش حياة! هل المرأة رخيصة أم المرأة غنية؟ لا، لم تكن الأمور هكذا.

رضا الزوجة بالطلاق في سياق الحب والعطاء بين المهاجرين والأنصار

[الشيخ]: عندما سيطلّق سعد بن الربيع زوجته هذه، هل كانت سترضى بالزواج من عبد الرحمن أم لا؟

[السائلة]: بالضبط، من المحتمل أنها قد لا ترضى.

[الشيخ]: صحيح، ولكنهم رضوا بذلك.

[السائلة]: كما أنها لابد أن تعتد، فلماذا لم يزوّجه من أخته إذا كان هناك سرعة في الزواج؟ أو لو لم يكن لديه مال، إذن يقول له: سأزوّجك أختي من دون مهر.

لا، انتبهي، أنكِ تخلطين ثقافتين ببعضهما.

فهم قصة المؤاخاة في ضوء الحب والعطاء لا الانتقاص من المرأة

أولًا سيدتي، سأقول لكِ ما لا تفهمينه: أنتِ لا تفهمين أن هؤلاء الناس، المهاجرين والأنصار، كانوا ذائبين في بعضهم حبًا.

كان سعد يحب عبد الرحمن ويحب زوجاته، والزوجات يحببن هؤلاء الناس الذين هاجروا في سبيل الله، كانوا جميعهم يحبون.

رقم اثنين: عندما هاجر [النبي ﷺ والصحابة] كان باقيًا عشر سنوات على التشريع [الكامل]، وهذا الموجود كان مسألة اجتماعية مقبولة، والتي يقول عنها ربنا:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]

فأنتِ ذهبتِ وانتزعتِها وأخذتِها إلى أمريكا سنة ألفين وسبعة عشر، حيث يقولون بحقوق الصبيان وحقوق النساء وحقوق الأكوان وحقوق الإنسان إلى آخره. أنتِ تقارنين بين أمرين مختلفين تمامًا.

الفرق بين قراءة قصة المؤاخاة بعين الحب وقراءتها بعين الانتقاص

لكننا نقرأ غير ذلك، نقرأ أن هؤلاء الناس كانوا يحبون بعضهم، وأن الحب عطاء، وأن هذا الحب الذي هو عطاء ينبغي أن يتحقق به الإنسان بمنهج اجتماع عصره.

ولذلك نحن لا نفعل هكذا كما فعل [سعد] ابن الربيع مع [عبد الرحمن] ابن عوف، ولكن في نفس الوقت ونحن لا نفعل هكذا، نحن نفهم من هذه الرواية الحب، أنتِ تفهمين من هذه الرواية الانتقاص.

فهذا هو الفرق بين قراءتنا وقراءتك: أنتِ تقرأها باعتبارها انتقاصًا، ونحن نقرأها باعتبارها الحب.

الحب عطاء إنساني متولد بين الصحابة وتغير المجتمع لا يغير جوهر الحب

وهذا الحب الذي نحن ندعو الناس إليه، وأن الحب عطاء، وأن هناك شيئًا إنسانيًا متولدًا عند الأربعة؛ عند سعد بن الربيع وزوجتيه وعبد الرحمن بن عوف.

حسنًا، لو كان شخص فى وقتنا هذا ومتزوج من اثنتين، وجاءه رجل من أمريكا، فإنه لن يعرض عليه إحداهما، ولن تقبل أي من الزوجتين إلى آخره. المجتمع تغيّر والحب تغيّر ومفهوم الحب تغيّر.

﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]

ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والمشاهدين

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء من الأزهر الشريف، شكر الله لكم ونفع الله بكم وبارك الله لنا في عمركم المديد إن شاء الله.

شكرًا جزيلًا أيها المشاهدون، كل سنة وحضراتكم بخير، إلى اللقاء.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما هي أعداء الإنسان الأربعة التي تضغط عليه وتدفعه إلى المعاصي؟

الدنيا والنفس الأمارة والهوى والشيطان

ما معنى كلمة 'أمّارة' في وصف النفس الأمارة بالسوء؟

أنها تأمر وتُلحّ وتكرر الأمر حتى تُذعن لها

ما هي المرتبة الأولى من مراتب تناول الدنيا؟

الضرورة

ما الذي يُميّز الضرورة عن الحاجة في الفقه الإسلامي؟

الضرورة يهلك الإنسان بتركها والحاجة تُصيبه مشقة بالغة

كيف طبّق عمر بن الخطاب قاعدة الضرورات تبيح المحظورات؟

أسقط حد السرقة عن الجائع في عام الرمادة

كم ساعة ينتظر كاتب السيئات قبل تسجيل الذنب؟

ست ساعات

ما هي معالم الطريق إلى الله الأربعة التي يُجسّدها رمضان؟

قلة الطعام وقلة المنام وقلة الأنام وقلة الكلام

ما الحديث النبوي الذي يُحذّر من الإفراط في العبادة؟

إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق

ما عدد ركعات التراويح التي جرى عليها المسلمون منذ عهد عمر بن الخطاب؟

عشرون ركعة

لماذا صلّى أهل المدينة التراويح ستاً وثلاثين ركعة في عهد الإمام مالك؟

تعادلاً مع طواف أهل مكة بين الركعات

ما الطريقة العملية لمحو السيئة بعد ارتكابها وفق الحديث النبوي؟

إتباع السيئة بالحسنة تمحوها

ما الدرس المستفاد من قصة المنبتّ والجمل في سياق العبادة؟

الإفراط في العبادة يُفضي إلى الانقطاع كما مات الجمل في منتصف الطريق

ما نسبة مسؤولية الشيطان عن معاصي الإنسان مقارنة بالأعداء الأخرى؟

الشيطان مسؤول عن ربع الضغط فقط، والثلاثة أرباع الباقية من الدنيا والنفس الأمارة والهوى.

ما الفرق بين الزينة والحاجة في مراتب تناول الدنيا؟

الحاجة ما تُصيب الإنسان مشقة بالغة بتركه كالسكن والملابس، أما الزينة فليس فيها ضرورة بل ترفّه كتناول الفاكهة بعد الطعام.

ما رأي ابن حزم الظاهري في الجائع الذي مُنع من الطعام؟

ابن حزم يرى أن للجائع المُمنوع من الطعام أن يقاتل صاحبه عليه، لأن الحياة حق لا يجوز سلبه.

كيف يكشف رمضان النفس البشرية أمام ذاتها؟

بتصفيد الشياطين يُزال العامل الخارجي، فمن أذنب في رمضان علم أن الخلل في نفسه وهواه لا في الشيطان.

ما العلاقة العضوية بين القرآن والليل ورمضان؟

القرآن نزل في ليلة القدر الرمضانية، وهي ليلة مباركة في العشر الأواخر، مما يجعل الجمع بين القرآن وليل رمضان أمراً استثنائياً.

ما هدي النبي ﷺ في الوصال وما الذي حدث حين حاول الصحابة تقليده؟

النبي ﷺ كان يواصل الصيام لأن ربه يُطعمه ويسقيه، وحين أصرّ الصحابة على الوصال مرّت عليهم ستة وثلاثون ساعة فسقطوا مغشياً عليهم.

ما معنى قلة الأنام في معالم الطريق إلى الله؟

قلة الأنام تعني قلة مخالطة الناس، وتتجلى في رمضان بالاعتكاف الذي سنّه النبي ﷺ في العشر الأواخر.

ما نوع الكلام المقصود بقلة الكلام في معالم الطريق إلى الله؟

المقصود كلام اللغو، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.

ما الفرق بين التنافس التجاري والتنافس في العبادة؟

التنافس التجاري يكون بالمكر وإرادة الكسب على حساب الآخر، أما التنافس في العبادة فهو تنافس بالحب يفرح فيه المؤمن بسبق أخيه ثم يتنافس معه في الخير.

لماذا تشتد وساوس النفس على بعض الناس في رمضان تحديداً؟

لأن الإنسان يجد نفسه بمفرده أمام ذاته، وحين يُقال له إنه هو المذنب يستكبرها ويحاول طرد الخاطر فيهجم عليه أكثر.

ما الأعمال التي يُستحب فعلها فور ارتكاب الذنب لمحوه؟

يُستحب المبادرة بالاستغفار، أو الوضوء، أو الصدقة، أو صلاة ركعتين، أو قراءة القرآن، لأن الحسنة تُكتب بعشرة وكاتب السيئات لا يُسجّلها.

ما الحكمة من الاستعداد للعبادة من شعبان قبل رمضان؟

التدرج التدريجي من شعبان يُجنّب الإنسان الإفراط المفاجئ في رمضان الذي يُفضي إلى الإرهاق والملل والانقطاع.

كيف تُفهم قصة مؤاخاة سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف في سياقها الصحيح؟

تُفهم في سياق الحب العميق الذي كان يجمع المهاجرين والأنصار، وليس على أنها انتقاص من المرأة، لأن الأربعة كانوا جميعاً يحبون بعضهم.

ما الآية القرآنية التي يستند إليها الإسلام في مراعاة الأعراف المتغيرة؟

قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].

ما الفرق بين رواية البؤساء لفيكتور هيجو والنظرة الإسلامية في قضية سرقة الجائع؟

في البؤساء سُجن الرجل لسرقة رغيف الخبز، أما في الإسلام فلم يكن القاضي ليسجنه بل قد يُحاسب صاحب الخبز الذي رفض إعطاءه إياه.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!